قَوْلُهُ: (بَابُ الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) أَيْ لِكُلِّ عُضْوٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عِيسَى) هُوَ الْبَسْطَامِيُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَيُونُسُ هُوَ الْمُؤَدِّبُ، وَفُلَيْحٌ وَمَنْ فَوْقَهُ مَدَنِيُّونَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ هُوَ ابْنُ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ، وَحَدِيثُهُ هَذَا مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثٍ مَشْهُورٍ فِي صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ الْغَسْلُ مَرَّتَيْنِ إِلَّا فِي الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ.
نَعَمْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ التَّثْنِيَةَ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَتَثْلِيثِ غَسْلِ الْوَجْهِ، لَكِنْ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ نَظَرٌ سَنُشِيرُ إِلَيْهِ بَعْدُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَعَلَى هَذَا فَحَقُّ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنْ يُبَوَّبَ لَهُ غَسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مَرَّةً وَبَعْضُهَا مَرَّتَيْنِ وَبَعْضُهَا ثَلَاثًا. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ لِرِوَايَةِ فُلَيْحٍ هَذِهِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ هَذَا الْمُجْمَلُ غَيْرَ حَدِيثِ مَالِكٍ الْمُبَيِّنِ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٢٤ - بَاب الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأُوَيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
[الحديث ١٥٩ - أطرافه في: ٦٤٣٣، ١٩٣٤، ١٦٤، ١٦٠]
قَوْلُهُ (بَابُ الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) أَيْ لِكُلِّ عُضْوٍ.
قَوْلُهُ: (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) هُوَ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ. وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ مَدَنِيُّونَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ: حُمْرَانُ - وَهُوَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ - ابْنُ أَبَانَ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ شِهَابٍ. وَفِي الْإِسْنَادِ الَّذِي يَلِيهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ: حُمْرَانُ، وَعُرْوَةُ وَهُمَا قَرِينَانِ، وَابْنُ شِهَابٍ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَهُمَا قَرِينَانِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (دَعَا بِإِنَاءٍ) وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْآتِيَةِ قَرِيبًا دَعَا بِوَضُوءٍ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ اسْمٌ لِلْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلْوُضُوءِ وَبِالضَّمِّ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ، وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى إِحْضَارِ مَا يُتَوَضَّأُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فَأَفْرَغَ) أَيْ: صَبَّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي الْوَقْتِ، وَلِلْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ مَرَّاتٍ بِمُثَنَّاةٍ آخِرَهُ، وَفِيهِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إِدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَقِبَ نَوْمٍ احْتِيَاطًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ) فِيهِ الِاغْتِرَافُ بِالْيَمِينِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الِاغْتِرَافِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا.
قَوْلُهُ: (فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ وَاسْتَنْشَقَ بَدَلَ وَاسْتَنْثَرَ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ، وَثَبَتَتِ الثَّلَاثَةُ فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ الْآتِيَةِ فِي بَابِ الْمَضْمَضَةِ، وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِعَدَدٍ. نَعَمْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ، وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتِ عَلَى تَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) فِيهِ تَأْخِيرُهُ عَنِ الْمَضْمَضَةِ
وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ اعْتِبَارُ أَوْصَافِ الْمَاءِ ; لِأَنَّ اللَّوْنَ يُدْرَكُ بِالْبَصَرِ وَالطَّعْمَ يُدْرَكُ بِالْفَمِ وَالرِّيحَ يُدْرَكُ بِالْأَنْفِ فَقُدِّمَتِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَهُمَا مَسْنُونَانِ قَبْلَ الْوَجْهِ وَهُوَ مَفْرُوضٌ، احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ. وَسَيَأْتِي ذِكْرُ حِكْمَةِ الِاسْتِنْثَارِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.
قَوْلُهُ: (وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) أَيْ: كُلُّ وَاحِدَةٍ كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الصَّوْمِ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ. وَفِيهَا تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَالتَّعْبِيرُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا بِثُمَّ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الرِّجْلَيْنِ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) هُوَ بِحَذْفِ الْبَاءِ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرُ عَدَدِ الْمَسْحِ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْتَحَبُّ التَّثْلِيثُ فِي الْمَسْحِ كَمَا فِي الْغُسْلِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِظَاهِرِ رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مُجْمَلٌ تَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يَتَكَرَّرْ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ يَخْتَصُّ بِالْمَغْسُولِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ: أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ ; وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إِنَّ الثَّابِتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْحِ مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَبِأَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ، فَلَا يُقَاسُ عَلَى الْغُسْلِ الْمُرَادِ مِنْهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِسْبَاغِ، وَبِأَنَّ الْعَدَدَ لَوِ اعْتُبِرَ فِي الْمَسْحِ لَصَارَ فِي صُورَةِ الْغُسْلِ؛ إِذْ حَقِيقَةُ الْغُسْلِ جَرَيَانُ الْمَاءِ، وَالدَّلْكُ لَيْسَ بِمُشْتَرَطٍ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَبَالَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ السَّلَفِ اسْتَحَبَّ تَثْلِيثَ مَسْحِ الرَّأْسِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ، وَفِيمَا قَالَ نَظَرٌ، فَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَنَسٍ، وَعَطَاءٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهَيْنِ - صَحَّحَ أَحَدَهُمَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ - تَثْلِيثَ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ (^١).
قَوْلُهُ: (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) قَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مِثْلَ لِأَنَّ حَقِيقَةَ مُمَاثَلَتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرُهُ. قُلْتُ: لَكِنْ ثَبَتَ التَّعْبِيرُ بِهَا فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، وَلَفْظُهُ: مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ. وَلَهُ فِي الصِّيَامِ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ حُمْرَانَ: تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا. وَعَلَى هَذَا فَالتَّعْبِيرُ بِنَحْوٍ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ؛ لِأَنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْمِثْلِيَّةِ مَجَازًا، وَلِأَنَّ مِثْلَ - وَإِنْ كَانَتْ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ ظَاهِرًا - لَكِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى الْغَالِبِ، فَبِهَذَا تَلْتَئِمُ الرِّوَايَتَانِ وَيَكُونُ الْمَتْرُوكُ بِحَيْثُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ، وَيَأْتِي فِيهِمَا مَا يَأْتِي فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) الْمُرَادُ بِهِ مَا تَسْتَرْسِلُ النَّفْسُ مَعَهُ وَيُمْكِنُ الْمَرْءُ قَطْعَهُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ يُحَدِّثُ يَقْتَضِي تَكَسُّبًا مِنْهُ، فَأَمَّا مَا يَهْجُمُ مِنَ الْخَطَرَاتِ وَالْوَسَاوِسِ وَيَتَعَذَّرُ دَفْعُهُ فَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ حَدِيثُ النَّفْسِ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ بِلَفْظِ لَمْ يُسِرَّ فِيهِمَا. وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ: الصَّوَابُ حُصُولُ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ مَعَ طَرَيَانِ الْخَوَاطِرِ الْعَارِضَةِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ. نَعَمْ مَنِ اتَّفَقَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ عَدَمُ حَدِيثِ النَّفْسِ أَصْلًا أَعْلَى دَرَجَةً بِلَا رَيْبٍ. ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الْخَوَاطِرَ مِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا وَالْمُرَادُ دَفْعُهُ مُطْلَقًا، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا. وَهِيَ فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ أَيْضًا وَالْمُصَنِّفُ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ فَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَشْبَهَ أَحْوَالَ الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَلَا، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ مَبَاحِثِ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (مِنْ ذَنْبِهِ) ظَاهِرُهُ يَعُمُّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ ; لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ خَصُّوهُ بِالصَّغَائِرِ لِوُرُودِهِ مُقَيَّدًا بِاسْتِثْنَاءِ الْكَبَائِرِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ
_________
(^١) لكنها رواية شاذة فلا يعتمد عليها كما تقدم في كلام أبي داود ﵀
فِي حَقِّ مَنْ لَهُ كَبَائِرُ وَصَغَائِرُ، فَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا صَغَائِرُ كُفِّرَتْ عَنْهُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا كَبَائِرُ خُفِّفَ عَنْهُ مِنْهَا بِمِقْدَارِ مَا لِصَاحِبِ الصَّغَائِرِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ صَغَائِرُ وَلَا كَبَائِرُ يَزْدَادُ فِي حَسَنَاتِهِ بِنَظِيرِ ذَلِكَ.