HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٢٩٣

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي.» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الْآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص66
ج ١ ص ٦٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين صحيح مسلم, مسند أحمد
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج١ ص٣٧٣
٢٩٣ - حدثنا مسدد: نا يحيى، عَن هشام بنِ عروة، قالَ: أخبرني أبي، قالَ: أخبرني أبو أيوب، قالَ: أخبرني أبي بنِ كعب، أنَّهُ قالَ: يا رسول الله - ﷺ - إذا جامع الرجل [المرأة] فلم ينزل؟ قالَ: «يغسل ما مس المرأة منهُ، ثُمَّ يتوضأ ويصلي» . قالَ أبو عبد الله: الغسل أحوط، وذلك الأخير، إنما بينا لاختلافهم. الذِي وقع في الرواية الأولى عَن أبي سلمة، عَن عروة، أن أبا أيوب أخبره، أنَّهُ سمع ذَلِكَ مِن النبي - ﷺ -، وهم، نبه عليهِ الدارقطني وغيره، تدل عليهِ الرواية الثانية، عَن هشام بن عروة، عَن أبيه: أخبرني أبو أيوب، قالَ: أخبرني أبي بنِ كعب، عَن النبي - ﷺ -. وقد روى عبد الرحمن بنِ سعاد، عَن أبي أيوب، عَن النبي - ﷺ -، قالَ: «الماء مِن الماء» . خرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه، وليس فيهِ تصريح أبي أيوب بسماعه مِن النبي - ﷺ -. وقد خرج البخاري فيما تقدم في ذكر نواقض الوضوء: حديث ذكوان أبي صالح، عَن أبي سعيد، عَن النبي - ﷺ -، قالَ: «إذا أعجلت - أو أقحطت - فلا غسل عليك» . وخرج - أيضًا -: حديث يحيى بنِ أبي كثير الذِي خرجه هنا مِن طريق شيبان، عَن يحيى، إلى قولُهُ في آخر الحديث: «وأبي بنِ كعب، فأمروه بذلك»، ولم يذكر ما بعده، ولعله تركه لما وقع فيهِ مِن الوهم الذِي ذكرناه. وعند البخاري في كلتا الروايتين: أن عليًا والزبير وطلحة وأبي بنِ كعب أفتوا بذلك، ولم يرفعوه إلى النبي - ﷺ -. وقد وقع في رواية غيره: أنهم رفعوه - أيضًا - إلى النبي - ﷺ -. وقد قالَ علي بنِ المديني في هَذا الحديث: إنه شاذ. وقال ابن عبد البر: هوَ منكر؛ لَم يتابع عليهِ يحيى بن أبي كثير. وقد صح عَن أكثر مِن ذكر عَنهُ مِن الصحابة: أنَّهُ لا غسل بدون الإنزال - خلاف ذَلِكَ. قالَ علي بنِ المديني: قَد روي عَن علي وعثمان وأبي بنِ كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلاف ما في هَذا الحديث. قالَ الدارقطني: رواه زيد بنِ أسلم، عَن عطاء بنِ يسار، عَن زيد بنِ خالد: أنَّهُ سأل خمسة أو أربعة مِن أصحاب النبي - ﷺ -، فأمروه بذلك، ولم يرفعه. يشير إلى أن زيد بنِ أسلم يخالف أبا سلمة في رفعه، ولم يرفع منهُ شيئًا. وقد كانَ قوم مِن الأنصار قديمًا يقولون: «إن الماء مِن الماء»، ثُمَّ استقر الأمر على أنَّهُ إذا التقى الختانان وجب الغسل، ورجع أكثر مِن كان يخالف في ذَلِكَ عَنهُ. وأما المهاجرون، فَقد صح عَنهُم أنهم قالوا: «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، مِنهُم: عمر، وعثمان، وعلي، فدل على أن عثمان وعليًا علموا أن «الماء مِن الماء» نسخ، وإلا فكيف يروي عثمان أو غيره عَن النبي - ﷺ - شيئًا، ثُمَّ يرجع عَن القول بهِ؟ وفي «صحيح مسلم» عَن أبي موسى، قالَ: اختلف في ذَلِكَ رهط مِن المهاجرين والأنصار، فقالَ الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا مِن الدفق أو مِن الماء، فقالَ المهاجرون: بل إذا خالط فَقد وجب الغسل. قالَ: قالَ أبو موسى: فأنا أشفيكم مِن ذَلِكَ، وذكر قيامه إلى عائشة وما روته لهُ عَن النبي - ﷺ -، كَما سبق ذكره. وروى وكيع، عَن القاسم بنِ الفضل، عَن أبي جعفر محمد بنِ علي، قالَ: قالَ المهاجرون: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل، وقال الأنصار: الماء مِن الماء. وروى ابن أبي شيبة، عَن حفص بنِ غياث، عَن حجاج، عَن أبي جعفر، قالَ: أجمع المهاجرون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أن ما أوجب الحدين: الجلد والرجم، أوجب الغسل. وروى إبراهيم بنِ مسلم الخوارزمي في «كِتابِ الطهور» عَن ابن نمير، عَن يحيى بنِ سعيد، عَن سعيد بنِ الميسب، قالَ: كانَ أبو بكر وعمر يأمران بالغسل - يعني: مِن الإكسال. وروى مالك عَن ابن شهاب، عَن سعيد بنِ المسيب، قالَ: إن عمر وعثمان وعائشة كانوا يقولون: إذا مس الختان الختان فَقد وجب الغسل. وروى عبد الرزاق عَن معمر، عَن الزهري، عَن سعيد بنِ المسيب، قالَ: كانَ عمر وعثمان وعائشة والمهاجرون الأولون يقولون: إذا مس الختان الختان فَقد وجب الغسل. وروى وكيع، عَن محمد بنِ قيس الأسدي، عَن علي بنِ ربيعة، عَن علي، قالَ: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. وروى ابن أبي شيبة والأثرم بإسنادهما، عَن عاصم، عَن زر، عَن علي، قالَ: إذا التقى الختانان وجب الغسل. وقد روي، عَن علي مِن وجوه متعددة. فهؤلاء الخلفاء الراشدون - ﵃ - قَد أجمعوا على ذَلِكَ، معَ أن بعضهم روى عَن النبي - ﷺ - خلافه، فلولا أنهم علموا أن ما خالف ذَلِكَ منسوخ لما خالفوا ما سمعوا مِن النبي - ﷺ -، ووافقهم على ذَلِكَ أكابر الصحابة، مِنهُم: ابنِ مسعود، وابن عمر، وأبو ذر، وأبو هريرة، ومعاذ بنِ جبل فقيه الأنصار، وأبو هريرة، وعائشة أم المؤمنين، وهي أعلم الناس بهذا، وإليها مرجع الناس كلهم. وقد صح عنها، أنها افتت بذلك، وأمرت بهِ، وأن الصحابة الذين سمعوا منها رجعوا إلى قولها في ذَلِكَ؛ فإنها لا تقول مثل هَذا إلا عَن علم عندها فيهِ عَن رسول الله - ﷺ -، لا سيما وقد علمت اختلاف الصحابة في ذَلِكَ. وجمع عمر الناس كلهم على قولها، فلو كانَ قولها رأيًا مجردًا عَن رواية لما استجازت رد روايات غيرها مِن الصحابة برأيها. وقد روي عنها مِن وجوه كثيرة، وبعضها صحيح، كَما تقدم، أنها روته عَن رسول الله - ﷺ - قولًا أو فعلًا. فما بقي بعد ذَلِكَ سوى العناد والتعنت، ونعوذ بالله مِن مخالفة ما أجمع عليهِ الخلفاء الراشدون، وجمع عليهِ عمر كلمة المسلمين، وأفتت بهِ عائشة أم المؤمنين، أفقه نساء هَذهِ الأمة، وهي أعلم بمستند هَذهِ المسألة مِن الخلق أجمعين. فروى مالك عَن يحيى بنِ سعيد، عَن سعيد بنِ المسيب، أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة أم المؤمنين، فقالَ لها: فقالَ لها: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في أمر إني لأعظم أن استقبلك بهِ، قالت: ما هو؟ ما كنت سائلًا عَنهُ أمك فسلني عَنهُ. قالَ لها: الرجل يصيب أهله ثُمَّ يكسل ولا ينزل؟ فقالت: إذا جاوز الختان الختان فَقد وجب الغسل. فقالَ أبو موسى: لا أسأل عَن هَذا أحدًا بعدك. ورواه حماد بنِ زيد وعبد الوهاب الثقفي وغيرهما، عَن يحيى بنِ سعيد، بنحوه. وسمى عبد الوهاب في روايته مِن قالَ: لا يجب الغسل بذلك: أبي ابن كعب، وأبا أيوب، وزيد بنِ ثابت، وسمى مِمن يأمر بالغسل: عمر وعثمان. وروى ابن إسحاق، عَن يزيد بنِ أبي حبيب، عَن معمر عبد الله بنِ أبي حيية، عَن عبيد بنِ رفاعة بنِ رافع، عَن أبيه رفاعة، قالَ: كنت عند عمر، فقيل لَهُ: إن زيد بنِ ثابت يفتي برأيه في الذِي يجامع ولا ينزل، فدعاه، فقالَ: أي عدو نفسه، قَد بلغت أن تفتي الناس في مسجد رسول الله - ﷺ - برأيك! قالَ: ما فعلت، ولكن حدثني عمومتي، عَن رسول الله - ﷺ -. قالَ: أي عمومتك؟ قالَ: أبي بنِ كعب، وأبو أيوب، ورفاعة بنِ رافع. قالَ: فالتفت عمر إلي، فقلت: كنا نفعله على عهد رسول الله - ﷺ -، قالَ: فسألتم عَنهُ رسول الله - ﷺ -؟ قالَ: كنا نفعله على عهده، قالَ: فجمع الناس، وأصفق الناس على أن الماء لا يكون إلا مِن الماء، إلا رجلين: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، قالا: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. فقالَ علي: يا أمير المؤمنين، إن أعلم الناس بهذا أزواج النبي - ﷺ -، فأرسل إلى حفصة، فقالت: لا علم لي، فأرسل إلى عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل. قالَ: فتحطم عمر - يعني: تغيظ -، ثُمَّ قالَ: لا يبلغني أن أحدًا فعله ولم يغتسل إلا انهكته عقوبة. خرجه الإمام أحمد وبقي بن مخلد في «مسنديهما»، ومسلم في «كِتابِ التفصيل» وَهوَ «كِتابِ الناسخ والمنسوخ» لَهُ. ثُمَّ خرجه مِن طريق عبد الله بنِ صالح، عَن الليث: حدثني يزيد بنِ أبي حبيب، عَن معمر بنِ أبي حيية، عَن عبيد بنِ رفاعة، أن زيد بنِ ثابت كانَ يقول - فذكره بنحوه، ولم يقل: «عَن أبيه» . ومعمر بنِ أبي حيية، ويقال: ابن أبي حبيبة، وثقه ابن معين وغيره. وعبيد بنِ رفاعة، ذكره ابن حبان في «ثقاته» . وهذه الرواية يستفاد منها أمور: منها: أن كثيرًا مِن الأنصار كانَ يقلد بعضهم بعضًا في هَذهِ المسألة، ولم يسمع ذَلِكَ مِن النبي - ﷺ - إلا قليل مِنهُم. ومنها: أنَّهُ لَم يظهر في ذَلِكَ المجلس شيء مِن روايات الأنصار الصريحة عَن النبي - ﷺ -، وإنما ظهر التمسك بفعل كانوا يفعلونه على عهد رسول الله - ﷺ -، فسأله عمر: هل علم بهِ النبي - ﷺ -؟ فلم يكن لَهُم جواب، وهذا مما يدل على أن تلك الروايات التصريحية حصل الوهم في نقلها مِن بعض الرواة. ومنها: أن المهاجرين الذين روي أنهم كانوا يخالفون في ذَلِكَ ويروون عَن النبي - ﷺ - خلافه كعثمان رجعوا عما سمعوه منهُ، وكذلك الأنصار - أيضًا -، ورأسهم: أبي بنِ كعب رجع، وأخبر أن ما سمعه من النبي - ﷺ - في ذَلِكَ كانَ رخصة في أول الأمر ثُمَّ نسخ وزال، وهذا يدل على أنَّهُ تبين لَهُم نسخ ما كانوا سمعوه بيانًا شافيًا، بحيث لَم يبق فيهِ لبس ولا شك. وقد ذكر الشَافِعي: أنَّهُ اتفق هوَ ومن ناظره في هَذهِ المسألة على أن هَذا أقوى مما يستدل بهِ عليها. ويدل على رجوع أبي وغيره مِن الأنصار: ما روى الزهري، عَن سهل بنِ سعد، عَن أبي بنِ كعب، قالَ: إنما كانَ الماء مِن الماء رخصة في أول الإسلام، ثُمَّ نهي عنها. خرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وخرجه ابن ماجه مختصرًا. وخرجه الإمام أحمد ولفظه: إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماء مِن الماء، رخصة كانَ النبي - ﷺ - رخص بها في أول الإسلام، ثُمَّ أمرنا بالغسل بعد. وخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» مِن طريق معمر، عَن الزهري، قالَ: أخبرني سهل بنِ سعد، قالَ: إنما كانَ قول الأنصار: الماء مِن الماء رخصة في أول الإسلام، ثُمَّ أمرنا بالغسل. ولم يذكر في إسناده: «أبيًا»، وصرح فيهِ بسماع الزهري. وقيل: إنه وهم في ذَلِكَ؛ فإن الزهري لَم يسمعه مِن سهل، فَقد خرجه أبو داود وابن خزيمة - أيضًا - مِن طريق عمرو بن الحارث، عَن الزهري، قالَ: حدثني بعض مِن أرضى، عَن سهل، عَن أبي - فذكره. ورجح هَذهِ الرواية: الإمام أحمد والدارقطني وغيرهما. ورجح آخرون: سماع الزهري لهُ من سهل، مِنهُم: ابن حبان. ووقع في بعض نسخ «سنن أبي داود» ما يدل عليهِ؛ فإنه لم يذكر أحد مِن أصحاب الزهري بين الزهري وسهل رجلًا [غير] عمرو بنِ الحارث، فلا يقضي لَهُ على سائر أصحاب الزهري. وقد خرجه ابن شاهين مِن طريق ابن المبارك، عَن يونس، عَن الزهري، قالَ: حدثني سهل بنِ سعد، عَن أبي بنِ كعب - فذكره، بهِ. وبتقدير أن يكون ذَلِكَ محفوظًا؛ فَقد اخبر الزهري أن هَذا الذِي حدثه يرضاه، وتوثيق الزهري كاف في قبول خبره. وقد قيل: أنَّهُ أبو حازم الزاهد، وَهوَ ثقة جليل، فقد خرج أبو داود وابن خزيمة مِن رواية أبي غسان محمد بنِ مطرف، عَن أبي حازم، عَن سهل بنِ سعد، قالَ: حدثني أبي بن كعب - فذكره. قالَ البيهقي: هَذا إسناد صحيح موصول. وقد ذكر ابن أبي حاتم، عَن أبيه، أن بعضهم ذكر أنه لا يعرف لَهُ أصلًا. وفي ذَلِكَ نظر. وقد روي عَن أبي بنِ كعب مِن وجوه أخر: روى شعبة، عَن سيف بنِ وهب، عَن أبي حرب بنِ أبي الأسود، عَن عميرة بنِ يثربي، عَن أبي كعب، قالَ إذا التقى ملتقاهما فَقد وجب الغسل. خرجه ابن أبي شيبة والبخاري في «تاريخه» . وروى مالك، عَن يحيى بنِ سعيد، عَن عبد الله بنِ كعب مولى عثمان، أن محمود بنِ لبيد سأل زيد بنِ ثابت عَن الرجل يصيب أهله ثُمَّ يكسل ولا ينزل؟ فقالَ: زيد يغتسل، فقالَ لَهُ محمود بن لبيد: إن أبي بن كعب - كانَ لا يرى الغسل؟ فقالَ لَهُ زيد: إن أبيًا نزع عَن ذَلِكَ قبل أن يموت. وقال الشَافِعي: أنا إبراهيم بن محمد، عَن خارجة بن زيد، عَن أبيه، عَن أبي بن كعب، أنَّهُ كانَ يقول: ليسَ على مِن لَم ينزل غسل، ثُمَّ نزع عَن ذَلِكَ أبي قبل أن يموت. وقد روي، عَن عائشة ما يدل على النسخ: مِن رواية الحسين بنِ عمران: حدثني الزهري، قالَ: سألت عروة عَن الذِي يجامع ولا ينزل؟ قالَ: نول الناس أن يأخذوا بالآخر مِن أمر رسول الله - ﷺ -، حدثتني عائشة، أن رسول الله - ﷺ - كانَ يفعل ذَلِكَ ولا يغتسل، وذلك قبل فتح مكة، ثُمَّ اغتسل بعد ذَلِكَ، وأمر الناس بالغسل. خرجه ابن حبان في «صحيحه» والدارقطني. والحسين بنِ عمران، ذكره ابن حبان في «ثقاته»، وقال الدارقطني: لا بأس بهِ، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقال العقيلي بعد تخريجه لهذا الحديث: الحديث ثابت عَن النبي - ﷺ - في الغسل لالتقاء الختانين، ولا يحفظ هذا اللفظ إلا في هَذا الحديث. والقول بأن «الماء مِن الماء» نسخ بالأمر بالغسل مِن التقاء الختانين هوَ المشهور عند العلماء مِن الفقهاء والمحدثين، وقد قرره الشافعي، وأحمد، ومسلم بنِ الحجاج، والترمذي، وأبو حاتم الرازي وغيرهم مِن الأئمة. وقد روي معنى ذَلِكَ عَن سعيد بنِ المسيب وغيره مِن السلف. وقد قيل: إن «الماء مِن الماء» إنما كانَ في الاحتلام. وقد روي عَن ابن عباس هَذا التأويل. خرجه الترمذي مِن وجه فيهِ مقال. وروي - أيضًا - عَن عكرمة، وذهب إليه طائفة. وهذا التأويل إن احتمل في قولُهُ: «الماء مِن الماء» فلا يحتمل في قولُهُ: «إذا أعجلت - أو أقحطت - فلا غسل عليك»، وفي قولُهُ: «يغسل ما مس المرأة منهُ، ويتوضأ، ويصلي» . وقال طائفة مِن العلماء: لما اختلفت الأحاديث في هَذا وجب الأخذ بأحاديث الغسل مِن التقاء الختانين، لما فيها مِن الزيادة التي لَم يثبت لها معارض، ولم تبرأ الذمة بدون الاغتسال؛ لأنه قَد تحقق أن التقاء الختانين موجب لطهارة، ووقع التردد: هل يكفي الوضوء أو لا يكفي دونَ غسل البدن كله؟ فوجب الأخذ بالغسل؛ لأنه لا يتيقن براءة الذمة بدونه. وهذا معنى قول البخاري: الغسل أحوط. ولذلك قالَ أحمد - في رواية ابن القاسم -: الأمر عندي في الجماع أن آخذ بالاحتياط فيهِ، ولا أقول: الماء مِن الماء. وسلك بعضهم مسلكًا أخر، وَهوَ: أن المجماع وإن لَم ينزل يسمى جنبًا ومجامعًا وواطئًا، ويترتب جميع أحكام الوطء عليهِ، والغسل مِن جملة الأحكام. وهذا معنى قول مِن قالَ مِن السلف: أنوجب المهر والحد ولا نوجب الغسل؟ وهذا القول هوَ الذِي استقر عليهِ عمل المسلمين. وقد خالف فيهِ شرذمة مِن المتقدمين، مِنهُم: أبو سلمة، وعروة، وهشام ابن عروة، والأعمش، وابن عيينة، وحكي عَن الزهري وداود. وقال ابن عبد البر: اختلف أصحاب داود في هَذهِ المسألة. وقال ابن المنذر: لا أعلم اليوم بين أهل العلم في ذَلِكَ اختلافًا. وذهب إليه طائفة مِن أهل الحديث، مِنهُم: بقي بنِ مخلد الأندلسي، وقد نسبه بعضهم إلى البخاري وليس في كلامه ما يصرح بهِ، وحكاه الشَافِعي عَن بعض أهل الحديث مِن أهل ناحيتهم وغيرهم، وذكر مناظرته لَهُم. وقد كانَ بعض الناس قي زمن الإمام أحمد ينسب ذَلِكَ إليه، فكان أحمد ينكر ذَلِكَ، ويقول: ما أحفظ أني قلت بهِ قط، وقيل لَهُ: بلغنا أنك تقوله؟ فقالَ: الله المستعان، وقال - أيضًا -: مِن يكذب علي في هَذا أكثر مِن ذاك. وأحمد مِن أبعد الناس عَن هَذهِ المقالة، فظاهر كلامه يدل على أن الخلاف فيها غير سائغ، فإنه نص على أنَّهُ لو فعل ذَلِكَ مرة أنَّهُ يعيد الصلاة التي صلاها بغير غسل مِن التقاء الختانين، ونص على أنَّهُ لا يصلى خلف مِن يقول: «الماء مِن الماء»، معَ قولُهُ: إنه يصلي خلف مِن يحتجم ولا يتوضأ، ومن يمس ذكره ولا يتوضأ متأولًا، فدل على أن القول بأن «الماء مِن الماء» لا مساغ للخلاف فيهِ. وكذلك ذكر ابن أبي موسى وغيره مِن الأصحاب. وحمل أبو بكر عبد العزيز كلام أحمد على أنه لَم يكن متأولًا، وهذا لا يصح؛ لأن القول بأن «الماء مِن الماء» لا يكون بغير تأويل. والله أعلم. وقد سبق عَن عمر، أنَّهُ قالَ: لا أوتى بأحد فعله إلا أنهكته عقوبة. وقد روي عَنهُ مِن وجه آخر، رواه ابن أبي شيبة، عَن ابن إدريس، عَن الشيباني، عَن بكير بنِ الأخنس، عَن سعيد بنِ المسيب، قالَ: قالَ عمر: لا أوتي برجل فعله - يعني: جامع ولم يغتسل؛ يعني: وَهوَ لَم ينزل - إلا أنهكته عقوبة. وخرجه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في «كِتابِ الطهور» عَن أسباط بن محمد، عَن الشيباني، بهِ. وفي رواية أن سعيد بنِ المسيب قالَ: سمعت عمر بنِ الخطاب على المنبر يقول: لا أجد أحدًا جامع امرأته ولم يغتسل، أنزل أو لَم ينْزل، إلا عاقبته. وقد قالَ عمر هَذا بمحضر مِن المهاجرين والأنصار، ولم يخالف فيهِ أحد. والظاهر: أن جميع مِن كانَ يخالف فيهِ مِن الأنصار رجع عَنهُ، ورأسهم: أبي بنِ كعب، وزيد بنِ ثابت، ومِن المهاجرين عثمان بنِ عفان. وفي رجوع أبي بنِ كعب وعثمان بنِ عفان معَ سماعها مِن النبي - ﷺ - خلاف ذَلِكَ: دليل على أنَّهُ ظهر لهما أن ما سمعاه زال حكمه، واستقر العمل على غيره. وعامة مِن روي عَنهُ: «إن الماء مِن الماء» روي عَنهُ خلاف ذَلِكَ، والغسل مِن التقاء الختانين، مِنهُم: عثمان، وعلي، سعد بنِ أبي وقاص، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بنِ ثابت، وأبي بنِ كعب، ورافع بنِ خديج. وهذا يدل على رجوعهم عما قالوه في ذَلِكَ؛ فإن القول بنسخ «الماء مِن الماء» مشهور بين العلماء، ولم يقل أحد مِنهُم بالعكس. وقد روت عائشة وأبو هريرة عَن النبي - ﷺ - الغسل بالتقاء الختانين. وقد روى ذَلِكَ - أيضًا - مِن رواية عبد الله بنِ عمرو، ورافع بنِ خديج، ومعاذ بنِ جبل، وابن عمر، وأبي أمامة وغيرهم، إلا أن في أسانيدها ضعفًا. وفي حديث رافع التصريح بنسخ الرخصة - أيضًا. أعلم؛ أن هَذا الضعف إنما هوَ في الطرق التي وصلت إلينا منها هَذهِ الأخبار، فأما المجمع الذِي جمع عمر فيهِ المهاجرين والأنصار، ورجع فيهِ أعيان مِن كانَ سمع مِن النَّبيّ - ﷺ - الرخصة، فأنهم لَم يرجعوا إلا لأمرٍ ظهر لَهُم في ذَلِكَ الجمع وبعده، وعلموه وتيقنوه، وإن كانت تفاصيله لَم تنقل إلينا، واستقر مِن حينئذ العمل على الغسل مِن التقاء الختانين، ولم يصح عَن أحد مِن الصحابة بعد ذَلِكَ إظهار الفتيا بخلافه، فوجب اتباع سبيل المؤمنين، والأخذ بما جمع عليهِ الأمة أمير المؤمنين، والرجوع إلى مِن رجعت إليه الصحابة في العلم بهذه المسألة، وهي أم المؤمنين. والمخالف يشغب بذكر الأحاديث التي رجع عنها رواتها، ويقول: هي صحيحة الأسانيد، وربما يقول: هي أصح إسنادًا مِن الأحاديث المخالفة لها. ومن هنا: كره طوائف مِن العلماء ذكر مثل هَذهِ الأحاديث والتحديث بها؛ لأنها تورث الشبهة في نفوس كثير مِن الناس. وخرج الإسماعيلي في «صحيحه» مِن حديث زيد بنِ أخزم، قالَ: سمعت يحيى - يعني: القطان - وسئل عَن حديث هشام بنِ عروة: حديث أبي أيوب: «الماء مِن الماء»؟ - فقالَ: نهاني عَنهُ عبد الرحمن - يعني: ابن مهدي. ولهذا المعنى - والله أعلم - لَم يخرج مالك في «الموطإ» شيئأً مِن هَذهِ الأحاديث، وهي أسانيد حجازية على شرطه. والمقصود بهذا: أن المسائل التي اجتمعت كلمة المسلمين عليها مِن زمن الصحابة، وقل المخالف فيها وندر، ولم يجسر على إظهارها لإنكار المسلمين عليهِ، [كلها] يجب على المؤمن الأخذ بما اتفق المسلمون على العمل بهِ ظاهرًا؛ فإن هَذهِ الأمة لا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، كَما أنها لا تجتمع على ضلالة، كَما روي ذَلِكَ عن النبي - ﷺ -. خرجه أبو داود وغيره. فهذه المسائل قَد كفى المسلم أمرها، ولم يبق فيها إلا اتباع ما جمع عليهِ الخلفاء الراشدون أولي العلم والعدل والكمال، دونَ الاشتغال فيها بالبحث والجدال وكثرة القيل والقال؛ فإن هَذا كله لَم يكن يخفى عمن سلف، ولا يظن ذَلِكَ بهم سوى أهل الجهل والضلال. والله المسئول العصمة والتوفيق. بسم الله الرحمن الرحيم ٦ - كِتابِ الحيض وقول الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] إلى قولُهُ: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] . خرج مسلم في «صحيحه» مِن حديث حماد بنِ سلمة: نا ثابت، عَن أنس، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لَم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبي - ﷺ - النبي - ﷺ -، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] إلى آخر الآية، فقالَ رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» - وذكر بقية الحديث. فقوله ﷿: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، أي: عَن حكمه والمباشرة فيهِ. و«المحيض»، قيل: إنَّهُ مصدر كالحيض، وقيل: بل هوَ اسم للحيض، فيكون اسم مصدر. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ [البقرة:٢٢٢]، فسر الأذى بالدم النجس وبما فيهِ مِن القذر والنتن وخروجه مِن مخرج البول، وكل ذَلِكَ يؤذي. قالَ الخطابي: الأذى هوَ المكروه الذِي ليسَ بشديد جدًا؛ كقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذى﴾ [آل عمران:١١١]، وقوله: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، قالَ: والمراد: أذى يعتزل منها موضعه لا غيره، ولا يتعدى ذَلِكَ إلى سائر بدنها، فلا يجتنبن ولا يخرجن مِن البيوت كفعل المجوس وبعض أهل الكِتابِ، فالمراد: أن الأذى بهن لا يبلغ الحد الذِي يجاوزونه إليه، وإنما يجتنب منهن موضع الأذى، فإذا تطهرن حل غشيانهن. وقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض﴾ [البقرة:٢٢٢]، قَد فسره النبي - ﷺ - باعتزال النكاح، وسيأتي فيما بعد - إن شاء الله تعالى - ذكر ما يحرم مِن مباشرة الحائض وما يحل منهُ في الباب الذِي يختص المباشرة مِن الكِتابِ. وقد قيل: بأن المراد بالمحيض هاهنا: مكان الحيض، وهو الفرج، ونص على ذَلِكَ الإمام أحمد، وحكاه الماوردي عَن أزواج النبي - ﷺ - وجمهور المفسرين، وحكى الإجماع على أن المراد بالمحيض المذكور في أول الآية: الدم. وقد خالف في ذَلِكَ ابن أبي موسى مِن أصحابنا في «شرح الخرقي»، فزعم أن مذهب أحمد أنَّهُ الفرج - أيضًا -، وفيه بعد. وجمهور أصحاب الشَافِعي على أن المراد بالمحيض في الآية الدم، في الموضعين. وقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، نهي بعد الأمر باعتزالهن في المحيض عَن قربانهن فيهِ، والمراد بهِ: الجماع - أيضًا -، وفيه تأكيد لتحريم الوطء في الحيض. وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فيهِ قراءتان ﴿يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]- بسكون الطاء وضم الهاء -، و﴿يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بفتح الطاء وتشديد الهاء. وقد قيل: إن القراءة الأولى أريد بها انقطاع الدم، والقراءة الثانية أريد بها التطهر بالماء. وممن فسر الأولى بانقطاع الدم ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وابن جرير وغيره: يشيرون إلى حكاية الإجماع على ذَلِكَ. ومنع غيره الإجماع، وقال: كل مِن القراءتين تحتمل أن يراد بها الاغتسال بالماء، وأن يراد بها انقطاع الدم، وزوال أذاه. وفي ذَلِكَ نظر، فإن قراءة التشديد تدل على نسبة فعل التطهير إليها، فكيف يراد بذلك مجرد انقطاع الدم ولا صنع لها فيهِ. وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] غاية النهي عَن قربانهن، فيدل بمفهومه على أن ما بعد التطهير يزول النهي. فعلى قراءة التشديد المفسرة بالاغتسال إنما يزول النهي بالتطهر بالماء، وعلى قراءة التخفيف يدل على زوال النهي بمجرد انقطاع الدم. واستدل بذلك فرقة قليلة على إباحة الوطء بمجرد انقطاع الدم، وَهوَ قول أبي حنيفة، وأصحابه، إذا انقطع الدم لأكثر الحيض، أو لدونه، ومضى عليها وقت صلاة، أو كانت غير ومخاطبة بالصلاة كالذمية. وحكي عَن طائفة إطلاق الإباحة، مِنهُم: ابن كثير وابن عبد الحكم، وفي نقله عنهما نظر. والجمهور على أنه لا يباح بدون الاغتسال، وقالوا: الآية، وإن دلت بمفهومها على الإباحة بالانقطاع إلا أن الإتيان مشروط لَهُ شرط آخر وَهوَ التطهر، والمراد بهِ: التطهر بالماء؛ بقولِهِ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنّ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فدل على أنَّهُ لا يكفي مجرد التطهر، وأن الإتيان متوقف على التطهر، أو على الطهر والتطهر بعده، وفسر الجمهور التطهر بالاغتسال، كَما في قولُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] . وحكي عَن طائفة مِن السلف: أن الوضوء كاف بعد انقطاع الدم، منهُم: مجاهد، وعكرمة، وطاوس، على اختلاف عَنهُم في ذَلِكَ. قالَ ابن المنذر: روينا بإسناد فيهِ مقال عن عطاء وطاوس ومجاهد، أنهم قالوا: إذا أدرك الزوج الشبق أمرها أن تتوضأ، ثُمَّ أصاب منها إن شاء. وأصح مِن ذَلِكَ عَن عطاء ومجاهد موافقة القول الأول - يعني: المنع منهُ وكراهته بدون الغسل -، قالَ: ولا يثبت عَن طاوس خلاف ذَلِكَ. قالَ: وإذا بطل أن يثبت عَن هؤلاء قول ثان كانَ القول الأول كالإجماع. انتهى. ولذلك ضعف القاضي إسماعيل المالكي الرواية بذلك عَن طاوس وعطاء؛ لأنها مِن رواية ليث بن أبي سليم عنهما، وَهوَ ضعيف. وحكي عَن بعض السلف أن التطهر غسل الفرج خاصة، رواه ابن جريج وليث عَن عطاء، ورواه معمر عَن قتادة، وحكاه بعض أصحابنا عَن الأوزاعي، ولا أظنه يصح عَنهُ، وقاله قوم مِن أهل الظاهر. والصحيح الذِي عليهِ جمهور العلماء: أن تطهر الحائض كتطهر الجنب، وَهوَ الاغتسال. ولو عدمت الماء، فهل يباح وطؤها بالتيمم؟ فيهِ قولان: أحدهما: يباح بالتيمم، وَهوَ مذهبنا، ومذهب الشَافِعي وإسحاق والجمهور، وقول يحيى بن بكير مِن المالكية، والقاضي إسماعيل مِنهُم - أيضًا. وقال مكحول ومالك: لا يباح وطؤها بدون الاغتسال بالماء. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنّ﴾ [البقرة:٢٢٢] إباحة، وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي: باعتزالهن، وَهوَ الفرج، أو ما بين السرة والركبة، على ما فيهِ مِن الاختلاف كَما سيأتي، روي هَذا عَن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة. وقيل: المراد: مِن الفرج دونَ الدبر، رواه علي بنِ أبي طلحة عَن ابن عباس. وروى أبان بنِ صالح، عن مجاهد، عنة ابن عباس، قالَ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله﴾ [البقرة: ٢٢٢] أن تعتزلوهن. ورواه عكرمة، عَن ابن عباس - أيضًا. وقيل: المراد مِن قبل التطهر لا مِن قبل الحيض، وروي عَن ابن عباس - أيضًا -، وغيره. و«التوابون»: الرجاعون إلى طاعة الله مِن مخالفته. و«المتطهرون»: فسره عطاء وغيره: بالتطهر بالماء، ومجاهد وغيره: بالتطهر مِن الذنوب. وعن مجاهد، أنَّهُ فسره: بالتطهر مِن أدبار النساء. ويشهد لَهُ قول قوم لوط: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢] . ١ - باب كيف كانَ بدء الحيض؟ وقول النبي - ﷺ -: «هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم» . وقال بعضهم: كانَ أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل. قالَ أبو عبد الله: وحديث النبي - ﷺ - أكثر. أما مِن قالَ: أول ما أرسل الحيض على بني إسرائيل: فَقد روي ذَلِكَ عَن حماد بنِ سلمة، عَن هشام بنِ عروة، عَن فاطمة بنت المنذر، عَن أسماء بنت أبي بكر، قالت: إنما سلطت الحيضة على نساء بني إسرائيل؛ لأنهن كن اتخذن أرجلًا مِن خشب يتطاولن بها في المساجد. وأما ما رجحه البخاري مِن أن الحيض لَم يزل في النساء منذ خلقهن الله، فَهوَ المروي عَن جمهور السلف: قالَ عمرو بنِ محمد العنقزي: نا عباد بنِ العوام، عَن سفيان بنِ حسين، عَن يعلى بنِ مسلم، عَن سعيد بنِ جبير، عَن ابن عباس، قالَ: لما أكل آدم مِن الشجرة التي نهي عنها، قالَ الله لَهُ: «ما حملك على أن عصيتني؟» قالَ: ربِّ، زينته لي حواء، قالَ: «فإني أعقبها أن لا تحمل إلا كرها، ولا تضع إلا كرهًا، ودميتها في الشهر مرتين»، فلما سمعت حواء ذَلِكَ رنت، فقالَ لها: عليك الرنة وعلى بناتك. وروى ابن جرير في «تفسيره»: نا يونس: نا ابن وهب، عَن عبد الرحمن بن زيد بنِ أسلم، في قولُهُ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة:٢٥]، قالَ: المطهرة: التي لا تحيض، قالَ: وكذلك خلقت حواء ﵍ حتى عصت، فلما عصت قالَ الله تعالى: «إني خلقتك مطهرة، وسأدميك كَما أدميت هَذهِ الشجرة» . وقد استدل البخاري لذلك بعموم قول النبي - ﷺ -: «إن هَذا شيء كتبه الله على بنات آدم»، وَهوَ استلال ظاهر حسن، ونظيره: استدلال الحسن على إبطال قول مِن قالَ: أول مِن رأى الشيب إبراهيم - ﵇ -، بعموم قول الله ﷿: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] .
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج١ ص٣٩٨
بِالْمَفْهُومِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا، لَكِنَّ ذَاكَ أَصْرَحُ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ. (تَنْبِيهٌ): فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ جِنَاسٌ تَامٌّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاءُ الْغُسْلِ وَبِالثَّانِي الْمَنِيُّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ، عَقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، قَالَ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِيجَابُ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْزَالِ نَظِيرُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُرُوجِ الْبَوْلِ 1 فَهُمَا مُتَّفِقَانِ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الْآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) يَعْنِي أَبَاهُ عُرْوَةَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ نَظِيرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي الْإِسْنَادِ. قَوْلُهُ: (مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ) أَيْ يَغْسِلُ الرَّجُلُ الْعُضْوَ الَّذِي مَسَّ فَرْجَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) صرِيحٌ فِي تَأْخِيرِ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِ الذَّكَرِ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فِيهِ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (وَيُصَلِّي) هُوَ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَرْكِ الْغُسْلِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هوَ الْمُصَنِّفُ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الرَّاوِي عَنْهُ. قَوْلُهُ: (الْغُسْلُ أَحْوَطُ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ النَّاسِخُ وَلَا يَظْهَرُ التَّرْجِيحُ، فَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ الِاغْتِسَالُ. قَوْلُهُ: (الْأَخِيرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ الْآخَرُ بِالْمَدِّ بِغَيْرِ يَاءٍ أَيْ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ مِنِ اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ، فَعَلَى هَذَا الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَذَاكَ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ. قَوْلُهُ: (إِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ) وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنَّمَا بَيَّنَّا اخْتِلَافَهُمْ وَلِلْأَصِيلِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّاهُ لِاخْتِلَافِهِمْ وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّا الْحَدِيثَ الْآخَرَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَالْمَاءُ أَنْقَى وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعًا. وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: إِيجَابُ الْغُسْلِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمَا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ، وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الصَّعْبُ مُخَالَفَةُ الْبُخَارِيِّ وَحُكْمُهُ بِأَنَّ الْغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَأَجِلَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ الْبَابِ بِمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ الْغُسْلُ أَحْوَطُ أَيْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ بَابٌ مَشْهُورٌ فِي الْأُصُولِ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِإِمَامَةِ الرَّجُلِ وَعِلْمِهِ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَرْجِمْ بِجَوَازِ تَرْكِ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا نَفْيُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْخِلَافَ فَمُعْتَرَضٌ، فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ الْخِلَافَ ارْتَفَعَ بَيْنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا، فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إنَّهُ قَالَ بِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ، فَسَمَّى بَعْضَهُمْ قَالَ: وَمِنَ التَّابِعِينَ الْأَعْمَشُ، وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ غَيْرُهُ، وَهُوَ مُعْتَرَضٌ أَيْضًا، فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَطِيبُ نَفْسِي إِذَا لَمْ أُنْزِلَ حَتَّى أَغْتَسِلَ مِنْ أَجْلِ اخْتِلَافِ النَّاسِ لِأَخْذِنَا بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ: حَدِيثُ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ ثَابِتٌ لَكِنَّهُ مَنْسُوخٌ إِلَى أَنْ قَالَ: فَخَالَفَنَا بَعْضُ أَهْلِ نَاحِيَتِنَا - يَعْنِي مِنَ الْحِجَازِيِّينَ - فَقَالُوا: لَا يَجِبُ الْغُسْلُ حَتَّى يُنْزِلَ اهـ. فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْخِلَافَ كَانَ مَشْهُورًا بَيْنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى إِيجَابِ الْغُسْلِ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْغُسْلِ - وَمَا مَعَهُ مِنْ أَحْكَامِ الْجَنَابَةِ - مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ حَدِيثًا الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، الْمَوْصُولُ مِنْهَا أحد وَعِشْرُونَ، وَالْبَقِيَّةُ تَعْلِيقٌ وَمُتَابَعَةٌ، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهَا وَاحِدٌ مُعَلَّقٌ، وَهُوَ حَدِيثُ بَهْزٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جِدِّهِ، وَقَدْ وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَاهُ وَسِوَى حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الِاكْتِفَاءِ فِي الْغُسْلِ بِصَاعٍ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَحَدِيثِهِ فِي الِاغْتِسَالِ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْجَنَابَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَشَرَةٌ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سَبْعَةٌ، وَالْمَوْصُولُ ثَلَاثَةٌ، وَهِيَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ الْأَخِيرِ، فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا عَنْهُمْ فَتَزِيدُ عِدَّةُ الْخَالِصِ مِنَ الْمَرْفُوعِ ثَلَاثَةً، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ﷽ ٦ - كِتَاب الْحَيْضِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [٢٢٢ البقرة] قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - كِتَابُ الْحَيْضِ) أَصْلُهُ السَّيَلَانُ، وَفِي الْعُرْفِ جَرَيَانُ دَمِ الْمَرْأَةِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ. قَوْلُهُ: (وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى الْحَيْضِ، وَالْمَحِيضُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ الْحَيْضُ، وَقِيلَ زَمَانُهُ، وَقِيلَ مَكَانُهُ. قَوْلُهُ: (أَذًى) قَالَ الطِّيبِيُّ: سُمِّيَ الْحَيْضُ أَذًى لِنَتَنِهِ وَقَذَرِهِ وَنَجَاسَتِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأَذَى الْمَكْرُوهُ الَّذِي لَيْسَ بِشَدِيدٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى﴾ فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَحِيضَ أَذًى يَعْت زِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ مَوْضِعَهُ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى بَقِيَّةِ بَدَنِهَا. قَوْلُهُ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ رَوَى مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَخْرَجُوهَا مِنَ الْبَيْتِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَالَ اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ، فَأَنْكَرَتِ الْيَهُودُ ذَلِكَ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نُجَامِعُهُنَّ فِي الْحَيْضِ؟ يَعْنِي خِلَافًا لِلْيَهُودِ، فَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ هُوَ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ.
فروق النسخ (١)

١. في مخطوطة الرياض «المذى»