HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب إثم المار بين يدي المصلي

رقم الحديث 510

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ: «أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ، يَسْأَلُهُ: مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي، أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص108
ج 1 ص 108

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في 8 مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
فتح الباري · ابن حجر · ج1 ص584
وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَشْيُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَدْفَعَهُ، وَلَا الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي مُدَافَعَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الْمُرُورِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَرَّ وَلَمْ يَدْفَعْهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ؛ لِأنَّ فِيهِ إِعَادَةً لِلْمُرُورِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا رَدَّهُ فَامْتَنَعَ وَتَمَادَى، لَا حَيْثُ يُقَصِّرُ الْمُصَلِّي فِي الرَّدِّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ هَذَا الدَّفْعِ، بَلْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ. انْتَهَى. وَقَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِهِ أَهَّلُ الظَّاهِرِ، فَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يُرَاجِعْ كَلَامَهُمْ فِيهِ أَوْ لَمْ يَعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ. قَوْلُهُ: (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ) أَيْ: فِعْلُهُ فِعْلُ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ أَبَى إِلَّا التَّشْوِيشَ عَلَى الْمُصَلِّي. وَإِطْلَاقُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْمَارِدِ مِنَ الْإِنْسِ سَائِغٌ شَائِعٌ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ إِطْلَاقِ لَفْظِ الشَّيْطَانِ عَلَى مَنْ يَفْتِنُ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي دُونَ الْأَسْمَاءِ، لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَصِيرَ الْمَارُّ شَيْطَانًا بِمُجَرَّدِ مُرُورِهِ. انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الشَّيْطَانِ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْجِنِّيِّ، وَمَجَازًا عَلَى الْإِنْسِيِّ، وَفِيهِ بَحْثٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: فَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْطَانُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ: فَإِنَّمَا معه الشَيْطَانُ وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ: فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ. وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ: فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: فَلْيُقَاتِلْهُ الْمُدَافَعَةُ اللَّطِيفَةُ لَا حَقِيقَةُ الْقِتَالِ، قَالَ: لِأَنَّ مُقَاتَلَةَ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا هِيَ بِالِاسْتِعَاذَةِ وَالتَّسَتُّرِ عَنْهُ بِالتَّسْمِيَةِ وَنَحْوِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ الْفِعْلُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ، فَلَوْ قَاتَلَهُ حَقِيقَةَ الْمُقَاتَلَةِ لَكَانَ أَشَدَّ عَلَى صَلَاتِهِ مِنَ الْمَارِّ. قَالَ: وَهَلِ الْمُقَاتَلَةُ لِخَلَلٍ يَقَعُ فِي صَلَاةِ الْمُصَلِّي مِنَ الْمُرُورِ، أَوْ لِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنِ الْمَارِّ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي. انْتَهَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ إِقْبَالَ الْمُصَلِّي عَلَى صَلَاتِهِ أَوْلَى لَهُ مِنِ اشْتِغَالِهِ بِدَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي يَقْطَعُ نِصْفَ صَلَاتِهِ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي مَا يَنْقُصُ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا صَلَّى إِلَّا إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ. فَهَذَانِ الْأَثَرَانِ مُقْتَضَاهُمَا أَنَّ الدَّفْعَ لِخَلَلٍ يَتَعَلَّقُ بِصَلَاةِ الْمُصَلِّي، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَارِّ، وَهُمَا وَإِنْ كَانَا مَوْقُوفَيْنِ لَفْظًا فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُمَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْي. ١٠١ - باب إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ٥١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي، فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً. قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي) أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ - أَيِ: الْجُهَنِيَّ الصَّحَابِيَّ - أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ، أَيِ: ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الصَّحَابِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ هَكَذَا رَوَى مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُوَطَّأِ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِيهِ أَنَّ الْمُرْسِلَ هُوَ زَيْدٌ، وَأَنَّ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ هُوَ أَبُو جُهَيْمٍ، وَتَابَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمَا وَخَالَفَهُمَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، فَقَالَ: عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو جُهَيْمٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَسْأَلُهُ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ مَقْلُوبًا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: سُئِلَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ: هُوَ خَطَأٌ، إِنَّمَا هُوَ: أَرْسَلَنِي زَيْدٌ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ كَمَا قَالَ مَالِكٌ. وَتَعَقَّبَ ذَلِكَ ابْنُ الْقَطَّانِ فَقَالَ: لَيْسَ خَطَأُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ بِمُتَعَيِّنٍ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَبُو جُهَيْمٍ بَعَثَ بُسْرًا إِلَى زَيْدٍ، وَبَعَثَهُ زَيْدٌ إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ يَسْتَثْبِتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا عِنْدَ الْآخَرِ. قُلْتُ: تَعْلِيلُ الْأَئِمَّةِ لِلْأَحَادِيثِ مَبْنِيٌّ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، فَإِذَا قَالُوا أَخْطَأَ فُلَانٌ فِي كَذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ خَطَؤُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، بَلْ هُوَ رَاجِحُ الِاحْتِمَالِ فَيُعْتَمَدُ. وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اشْتَرَطُوا انْتِفَاءَ الشَّاذِّ، وَهُوَ مَا يُخَالِفُ الثِّقَةَ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ فِي حَدِّ الصَّحِيحِ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي) أَيْ أَمَامَهُ بِالْقُرْبِ مِنْهُ، وَعَبَّرَ بِالْيَدَيْنِ لِكَوْنِ أَكْثَرِ الشُّغْلِ يَقَعُ بِهِمَا، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ ذَلِكَ فَقِيلَ: إِذَا مَرَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِقْدَارِ سُجُودِهِ، وَقِيلَ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَقِيلَ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدْرِ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ. قَوْلُهُ: (مَاذَا عَلَيْهِ) زَادَ الْكُشْمِيهَنِيُّ: مِنَ الْإِثْمِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَالْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّأِ بِدُونِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى مَالِكٍ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَذَا رَوَاهُ بَاقِي السِّتَّةِ وَأَصْحَابُ الْمَسَانِيدِ وَالْمُسْتَخْرَجَاتِ بِدُونِهَا، وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ مُطْلَقًا. لَكِنْ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: يَعْنِي مِنَ الْإِثْمِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ ذُكِرَتْ فِي أَصْلِ الْبُخَارِيِّ حَاشِيَةٌ، فَظَنَّهَا الْكُشْمِيهَنِيُّ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا مِنَ الْحُفَّاظِ بَلْ كَانَ رَاوِيَةً. وَقَدْ عَزَاهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الْأَحْكَامِ لِلْبُخَارِيِّ وَأَطْلَقَ، فَعَيَّبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبِ الْعُمْدَةِ فِي إِيهَامِهِ أَنَّهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَنْكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِ الْوَسِيطِ عَلَى مَنْ أَثْبَتَهَا فِي الْخَبَرِ، فَقَالَ: لَفْظُ الْإِثْمِ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ صَرِيحًا. وَلَمَّا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ دُونَهَا قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ رُوِّينَاهَا فِي الْأَرْبَعِينَ لِعَبْدِ الْقَادِرِ الْهَرَوِيِّ: مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ. قَوْلُهُ: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) يَعْنِي: أَنَّ الْمَارَّ لَوْ عَلِمَ مِقْدَارَ الْإِثْمِ الَّذِي يَلْحَقُهُ مِنْ مُرُورِهِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لَاخْتَارَ أَنْ يَقِفَ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ حَتَّى لَا يَلْحَقَهُ ذَلِكَ الْإِثْمُ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: جَوَابُ لَوْ لَيْسَ هُوَ الْمَذْكُورَ، بَلِ التَّقْدِيرُ: لَوْ يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ لَوَقَفَ أَرْبَعِينَ وَلَوْ وَقَفَ أَرْبَعِينَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ مُتَعَيِّنًا، قَالَ: وَأُبْهِمُ الْمَعْدُودُ تَفْخِيمًا لِلْأَمْرِ وَتَعْظِيمًا. قُلْتُ: ظَاهِرُ السِّيَاقِ أَنَّهُ عُيِّنَ الْمَعْدُودُ، وَلَكِنْ شَكَّ الرَّاوِي فِيهِ، ثُمَّ أَبْدَى الْكِرْمَانِيُّ لِتَخْصِيصِ الْأَرْبَعِينَ بِالذِّكْرِ حِكْمَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: كَوْنُ الْأَرْبَعَةِ أَصْلَ جَمِيعِ الْأَعْدَادِ فَلَمَّا أُرِيدُ التَّكْثِيرُ ضُرِبَتْ فِي عَشَرَةٍ. ثَانِيَتُهُمَا: كَوْنُ كَمَالِ أَطْوَارِ الْإِنْسَانِ بِأَرْبَعِينَ كَالنُّطْفَةِ وَالْمُضْغَةِ وَالْعَلَقَةِ، وَكَذَا بُلُوغُ الْأَشُدِّ. وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ اهـ. وَفِي ابْنِ مَاجَهْ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَكَانَ أَنْ يَقِفَ مِائَةَ عَامٍ خَيْرًا لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا. وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ لَا لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ. وَجَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمِائَةِ وَقَعَ بَعْدَ التَّقْيِيدِ بِالْأَرْبَعِينَ زِيَادَةً فِي تَعْظِيمِ الْأَمْرِ عَلَى الْمَارِّ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقَعَا مَعًا إِذِ الْمِائَةُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْمَقَامُ مَقَامُ زَجْرٍ وَتَخْوِيفٍ، فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْمِائَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ، بَلِ الْمُنَاسِبُ أَنْ يَتَأَخَّرَ. وَمُمَيَّزُ الْأَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ هُوَ السَّنَةَ ثَبَتَ الْمُدَّعَى، وَأَمَّا دُونُهَا فَمِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَقَدْ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْقَطَّانِ: لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبَدَةَ الضَّبِّيِّ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ الْقَطَّانِ الْجَزْمَ فِي طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَالشَّكَّ فِي طَرِيقِ غَيْرِهِ دَالًّا عَلَى التَّعَدُّدِ، لَكِنْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْحُفَّاظِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا، وَزَادَ فِيهِ أَوْ سَاعَةً فَيَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْجَزْمُ وَالشَّكُّ وَقَعَا مَعًا مِنْ رَاوٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّهُ تَذَكَّرَ فِي الْحَالِ فَجَزَمَ، وَفِيهِ مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: (خَيْرًا لَهُ) كَذَا فِي رِوَايَتِنَا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَلِبَعْضِهِمْ خَيْرٌ بِالرَّفْعِ وَهِيَ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ، وَأَعْرَبَهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ كَانَ، وَأَشَارَ إِلَى تَسْوِيغِ الِابْتِدَاءِ بِالنَّكِرَةِ لِكَوْنِهَا مَوْصُوفَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: اسْمُهَا ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُهَا. قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو النَّضْرِ) هُوَ كَلَامُ مَالِكٍ وَلَيْسَ مِنْ تَعْلِيقِ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ جَمِيعِ الطُّرُقِ. وَكَذَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ كَمَا ذَكَرْنَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُرُورِ، فَإِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ النَّهْيُ الْأَكِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يُعَدَّ فِي الْكَبَائِرِ، وَفِيهِ أَخْذُ الْقَرِينِ عَنْ قَرِينِهِ مَا فَاتَهُ أَوِ اسْتِثْبَاتُهُ فِيمَا سَمِعَ مَعَهُ. وَفِيهِ الِاعْتِمَادُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ زَيْدًا اقْتَصَرَ عَلَى النُّزُولِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعُلُوِّ اكْتِفَاءً بِرَسُولِهِ الْمَذْكُورِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ لَوْ فِي بَابِ الْوَعِيدِ، وَلَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ، لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ أَنْ يُشْعِرَ بِمَا يُعَانِدُ الْمَقْدُورَ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْقَدَرِ حَيْثُ أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (تَنْبِيهَاتٌ): أَحَدُهَا: اسْتَنْبَطَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ قَوْلِهِ: لَوْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِثْمَ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَعْلَمُ بِالنَّهْيِ وَارْتَكَبَهُ. انْتَهَى. وَأَخْذُهُ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ بُعْدٌ، لَكِنْ هُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى. ثَانِيهَا: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَعِيدَ الْمَذْكُورَ يَخْتَصُّ بِمَنْ مَرَّ لَا بِمَنْ وَقَفَ عَامِدًا مَثَلًا بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي أَوْ قَعَدَ أَوْ رَقَدَ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْعِلَّةُ فِيهِ التَّشْوِيشُ عَلَى الْمُصَلِّي فَهُوَ فِي مَعْنَى الْمَارِّ. ثَالِثُهَا: ظَاهَرُهُ عُمُومُ النَّهْيِ فِي كُلِّ مُصَلٍّ، وَخَصَّهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ إِمَامِهِ سُتْرَةٌ لَهُ أَوْ إِمَامَهُ سُتْرَةٌ لَهُ اهـ. وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يُطَابِقُ الْمُدَّعَى؛ لِأَنَّ السُّتْرَةَ تُفِيدُ رَفْعَ الْحَرَجِ عَنِ الْمُصَلِّي لَا عَنِ الْمَارِّ، فَاسْتَوَى الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ فِي ذَلِكَ. رَابِعُهَا: ذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ - أَيِ: الْمَالِكِيَّةِ - قَسَّمَ أَحْوَالَ الْمَارِّ وَالْمُصَلِّي فِي الْإِثْمِ وَعَدَمِهِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: يَأْثَمُ الْمَارُّ دُونَ الْمُصَلِّي، وَعَكْسُهُ، يَأْثَمَانِ جَمِيعًا، وَعَكْسُهُ. فَالصُّورَةُ الْأُولَى: أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى سُتْرَةٍ فِي غَيْرِ مَشْرَعٍ وَلِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ فَيَأْثَمُ الْمَارُّ دُونَ الْمُصَلِّي. الثَّانِيَةُ: أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَشْرَعٍ مَسْلُوكٍ بِغَيْرِ سُتْرَةٍ أَوْ مُتَبَاعِدًا عَنِ السُّتْرَةِ وَلَا يَجِدُ الْمَارُّ مَنْدُوحَةً فَيَأْثَمُ الْمُصَلِّي دُونَ الْمَارِّ. الثَّالِثَةُ: مِثْلُ الثَّانِيَةِ لَكِنْ يَجِدُ الْمَارُّ مَنْدُوحَةً فَيَأْثَمَانِ جَمِيعًا. الرَّابِعَةُ: مِثْلُ الْأُولَى لَكِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَارُّ مَنْدُوحَةً فَلَا يَأْثَمَانِ جَمِيعًا. انْتَهَى. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْمُرُورِ مُطْلَقًا وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَسْلَكًا بَلْ يَقِفُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ أَبِي سَعِيدٍ السَّابِقَةِ، فَإِنَّ فِيهَا: فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى قَوْلِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: إِنَّ الدَّفْعَ لَا يُشْرَعُ لِلْمُصَلِّي فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَتَبِعَهُ الْغَزَالِيُّ، وَنَازَعَهُ الرَّافِعِيُّ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الشَّابَّ إِنَّمَا اسْتَوْجَبَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ الدَّفْعَ لِكَوْنِهِ قَصَّرَ فِي التَّأَخُّرِ عَنِ الْحُضُورِ إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى وَقَعَ الزِّحَامُ. انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ لَا يَدْفَعُ الِاسْتِدْلَالَ؛ لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمْ يَعْتَذِرْ بِذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمْعَةِ أَوْ فِيهَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقْعَ بَعْدَهَا فَلَا يَتَّجِهُ مَا قَالَهُ مِنَ التَّقْصِيرِ بِعَدَمِ التَّبْكِيرِ، بَل كَثْرَةُ الزِّحَامِ حِينَئِذٍ أَوْجَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. خَامِسُهَا: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي وَالْمُصَلَّى فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إِذَا قَصَّرَ الْمُصَلِّي فِي دَفْعِ الْمَارِّ أَوْ بِأَنْ صَلَّى فِي الشَّارِعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَالْمُصَلَّى بِفَتْحِ اللَّامِ أَيْ: بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مِنْ دَاخِلِ سُتْرَتِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ١٠٢ - بَاب اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ صَاحِبَهُ أَوْ غَيْرَهُ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ يُصَلِّي وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّي، وَإِنَّمَا هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَالَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ ٥١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ - يَعْنِي: ابْنَ صُبَيْحٍ -، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَقَالُوا: يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، قَالَتْ: لَقَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وَإِنِّي لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلَالًا، وَعَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ.