٣٠ - بَاب فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَكَانَ الْأَسْوَدُ إِذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ وَجَاءَ أَنَسُ إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً
٦٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً.
[الحديث ٦٤٥ - طرفه في: ٦٤٩]
٦٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً
٦٤٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قال رسول الله ﷺ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلاَّ رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلْ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَاهُ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) أَشَارَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِلَى أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ يُنَافِي التَّرْجَمَةَ الَّتِي قَبْلَهَا، ثُمَّ أَطَالَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ، وَيَكْفِي مِنْهُ أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ وَاجِبًا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ ذَا فَضِيلَةٍ، وَلَكِنَّ الْفَضَائِلَ تَتَفَاوَتُ، فَالْمُرَادُ مِنْهَا بَيَانُ زِيَادَةِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْأَسْوَدُ) أَيِ ابْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَفْظُهُ إِذَا فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّهُ لَوْلَا ثُبُوتُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ عِنْدَهُ لَمَا تَرَكَ فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى خَلَاصِ الذِّمَّةِ وَتَوَجَّهَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، كَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الْمُنِيرِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ الْإِشَارَةَ بِأَثَرِ الْأَسْوَدِ، وَأَنَسٍ إِلَى أَنَّ الْفَضْلَ الْوَارِدَ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ مَقْصُورٌ عَلَى مَنْ جَمَعَ فِي الْمَسْجِدِ دُونَ مَنْ جَمَعَ فِي بَيْتِهِ مَثَلًا كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِأَنَّ التَّجْمِيعَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِالْمَسْجِدِ لَجَمَّعَ الْأَسْوَدُ فِي مَكَانِهِ وَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ لِطَلَبِ الْجَمَاعَةِ وَلَمَا جَاءَ أَنَسٌ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي رِفَاعَةَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ.
قَوْلُهُ: (وَجَاءَ أَنَسٌ) وَصَلَهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ الْجَعْدِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: مَرَّ بِنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي مَسْجِدِ بَنِي ثَعْلَبَةَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ قَالَ: وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَفِيهِ فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْجَعْدِ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيِّ، عَنِ الْجَعْدِ نَحْوُهُ وَقَالَ مَسْجِدُ بَنِي رِفَاعَةَ وَقَالَ فَجَاءَ أَنَسٌ فِي نَحْوِ عِشْرِينَ مِنْ فِتْيَانِهِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ إِرَادَةِ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الْفَذِّ) بِالْمُعْجَمَةِ أَيِ الْمُنْفَرِدِ، يُقَالُ فَذَّ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذَا بَقِيَ مُنْفَرِدًا
وَحْدَهُ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ وَسِيَاقُهُ أَوْضَحُ وَلَفْظُهُ: صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ.
قَوْلُهُ: (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) قَالَ التِّرْمِذِيُّ عَامَّةُ مَنْ رَوَاهُ قَالُوا: خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: سَبْعًا وَعِشْرِينَ.
قُلْتُ: لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ فَقَالَ فِيهِ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، لَكِنَّ الْعُمَرِيَّ ضَعِيفٌ، وَوَقَعَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَهِيَ شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ مِنْ أَصْحَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِ نَافِعٍ وَإِنْ كَانَ رَاوِيهَا ثِقَةً.
وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ نَافِعٍ بِلَفْظِ بِضْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَيْسَتْ مُغَايِرَةٌ لِرِوَايَةِ الْحُفَّاظِ لِصِدْقِ الْبِضْعِ عَلَى السَّبْعِ، وَأَمَّا غَيْرُ ابْنِ عُمَرَ فَصَحَّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمِ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ عِنْدَ السَّرَّاجِ، وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ عَنْ مُعَاذٍ، وَصُهَيْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَكُلُّهَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى خمس وَعِشْرِينَ سِوَى رِوَايَةِ أُبَيٍّ فَقَالَ: أَرْبَعٌ أَوْ خَمْسٌ عَلَى الشَّكِّ، وَسِوَى رِوَايَةٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ فِيهَا: سَبْعٌ وَعِشْرُونَ وَفِي إِسْنَادِهَا شَرِيكٌ الْقَاضِي وَفِي حِفْظِهِ ضَعْفٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي عَوَانَةَ بِضْعًا وَعِشْرِينَ وَلَيْسَتْ مُغَايِرَةً أَيْضًا لِصِدْقِ الْبِضْعِ عَلَى الْخَمْسِ، فَرَجَعَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا إِلَى الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ إِذْ لَا أَثَرَ لِلشَّكِّ، وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّهِمَا أَرْجَحُ فَقِيلَ رِوَايَةُ الْخَمْسِ لِكَثْرَةِ رُوَاتِهَا، وَقِيلَ رِوَايَةُ السَّبْعِ لِأَنَّ فِيهَا زِيَادَةٌ مِنْ عَدْلٍ حَافِظٍ، وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْحَدِيثِ وَهُوَ مُمَيِّزُ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، فَفِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا التَّعْبِيرُ بِقَوْلِهِ دَرَجَةً أَوْ حَذْفُ الْمُمَيِّزِ، إِلَّا طُرُقَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَفِي بَعْضِهَا ضِعْفًا وَفِي بَعْضِهَا جُزْءًا وَفِي بَعْضِهَا دَرَجَةً وَفِي بَعْضِهَا صَلَاةً وَوَقَعَ هَذَا الْأَخِيرُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ الْأَثِيرِ: إِنَّمَا قَالَ دَرَجَةً وَلَمْ يَقُلْ جُزْءًا وَلَا نَصِيبًا وَلَا حَظًّا وَلَا نَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ الثَّوَابَ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فَوْقَ هَذِهِ بِكَذَا وَكَذَا دَرَجَةً، لِأَنَّ الدَّرَجَاتِ إِلَى جِهَةِ فَوْقُ، فَكَأَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ لَفْظُ دَرَجَةٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ، لَكِنْ نَفْيُهُ وُرُودَ الْجُزْءِ مَرْدُودٌ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ، وَكَذَلِكَ الضِّعْفُ، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ رِوَايَتَيِ الْخَمْسِ وَالسَّبْعِ بِوُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ ذِكْرَ الْقَلِيلِ لَا يَنْفِي الْكَثِيرَ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ مَفْهُومَ الْعَدَدِ، لَكِنْ قَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَحُكِيَ عَنْ نَصِّهِ، وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي: لَعَلَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِالْخَمْسِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِزِيَادَةِ الْفَضْلِ فَأَخْبَرَ بِالسَّبْعِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّارِيخِ، وَبِأَنَّ دُخُولَ النَّسْخِ فِي الْفَضَائِلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، لَكِنْ إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَنْعِ تَعَيَّنَ تَقَدُّمُ الْخَمْسِ عَلَى السَّبْعِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْفَضْلَ مِنَ اللَّهِ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ لَا النَّقْصَ.
ثَالِثُهَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْعَدَدَيْنِ بِاخْتِلَافِ مُمَيِّزِهِمَا، وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ: الدَّرَجَةُ أَصْغَرُ مِنَ الْجُزْءِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ الْجُزْءُ رُوِيَ عند الدَّرَجَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْجُزْءُ فِي الدُّنْيَا وَالدَّرَجَةُ فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغَايُرِ. رَابِعُهَا الْفَرْقُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ وَبُعْدِهِ. خَامِسُهَا الْفَرْقُ بِحَالِ الْمُصَلِّي كَأَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَوْ أَخْشَعَ. سَادِسُهَا الْفَرْقُ بِإِيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ. سَابِعُهَا الْفَرْقُ بِالْمُنْتَظِرِ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهِ. ثَامِنُهَا الْفَرْقُ بِإِدْرَاكِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا. تَاسِعُهَا الْفَرْقُ بِكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ وَقِلَّتِهِمْ.
عَاشِرُهَا السَّبْعُ مُخْتَصَّةٌ بِالْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ وَقِيلَ بِالْفَجْرِ وَالْعَصْرِ وَالْخَمْسُ بِمَا عَدَا ذَلِكَ. حَادِي عَشَرَهَا السَّبْعُ مُخْتَصَّةٌ بِالْجَهْرِيَّةِ وَالْخَمْسُ بِالسِّرِّيَّةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ عِنْدِي أَوْجَهُهَا لِمَا سَأُبَيِّنُهُ. ثُمَّ إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي هَذَا الْعَدَدِ الْخَاصِّ غَيْرُ مُحَقَّقَةِ الْمَعْنَى. وَنَقَلَ الطِّيبِيُّ، عَنِ التُّورِبِشْتِيِّ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ بِالرَّأْيِ، بَلْ مَرْجِعُهُ إِلَى عِلْمِ
النُّبُوَّةِ الَّتِي قَصَرَتْ عُلُومَ الْأَلِبَّاءِ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَتِهَا كُلِّهَا، ثُمَّ قَالَ: وَلَعَلَّ الْفَائِدَةَ هِيَ اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ مُصْطَفِّينَ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِالْإِمَامِ، وَإِظْهَارُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا قَدَّمْتُهُ عَنْ غَيْرِهِ وَغَفَلَ عَنْ مُرَادِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ، لَكِنْ أَشَارَ الْكِرْمَانِيُّ إِلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ كَوْنَ الْمَكْتُوبَاتِ خَمْسًا فَأُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي تَكْثِيرِهَا فَضُرِبَتْ فِي مِثْلِهَا فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ لِلسَّبْعِ مُنَاسَبَةً أَيْضًا مِنْ جِهَةِ عَدَدِ رَكَعَاتِ الْفَرَائِضِ وَرَوَاتِبِهَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ لِلْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا فَإِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ آخَرُ بَلَغَتْ عِشْرِينَ ثُمَّ زِيدَ بِقَدْرِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَوْ يُزَادُ عَدَدَ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ، وَلَا يَخْفَى فَسَادُ هَذَا. وَقِيلَ: الْأَعْدَادُ عَشَرَاتٌ وَمِئُينَ، وَأُلُوفٌ وَخَيْرُ الْأُمُورِ الْوَسَطُ فَاعْتُبِرَتِ الْمِائَةُ وَالْعَدَدُ الْمَذْكُورُ رُبْعُهَا، وَهَذَا أَشَدُّ فَسَادًا مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وَقَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا الْبُلْقِينِيِّ فِيمَا كَتَبَ عَلَى الْعُمْدَةِ: ظَهَرَ لِي فِي هَذَيْنِ الْعَدَدَيْنِ شَيْءٌ لَمْ أُسْبَقْ إِلَيْهِ، لِأَنَّ لَفْظَ ابْنِ عُمَرَ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ، وَمَعْنَاهُ الصَّلَاةُ فِي الْجَمَاعَةِ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ وَعَلَى هَذَا فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَحْكُومِ لَهُ بِذَلِكَ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، وَأَدْنَى الْأَعْدَادِ الَّتِي يَتَحَقَّقُ فِيهَا ذَلِكَ ثَلَاثَةٌ حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَتَى بِحَسَنَةٍ وَهِيَ بِعَشَرَةٍ فَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهِ ثَلَاثُونَ، فَاقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْفَضْلِ الزَّائِدِ، وَهُوَ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ دُونَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ ذَلِكَ. انْتَهَى.
وَظَهَرَ لِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ، فَلَوْلَا الْإِمَامُ مَا سُمِّيَ الْمَأْمُومُ، وَكَذَا عَكْسُهُ، فَإِذَا تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَى مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً بِزِيَادَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةٍ حُمِلَ الْخَبَرُ الْوَارِدُ بِلَفْظِهَا عَلَى الْفَضْلِ الزَّائِدِ، وَالْخَبَرُ الْوَارِدُ بِلَفْظِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ عَلَى الْأَصْلِ وَالْفَضْلِ.
وَقَدْ خَاضَ قَوْمٌ فِي تَعْيِينِ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلدَّرَجَاتِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَمَا جَاءُوا بِطَائِلٍ. وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - يَعْنِي ثَالِثَ أَحَادِيثِ الْبَابِ - إِشَارَةً إِلَى بَعْضِ ذَلِكَ، وَيُضَافُ إِلَيْهِ أُمُورٌ أُخْرَى وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ فَصَّلَهَا ابْنُ بَطَّالٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّارِحِينَ، وَتَعَقَّبَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ وَاخْتَارَ تَفْصِيلًا آخَرَ أَوْرَدَهُ، وَقَدْ نَقَّحْتُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَحَذَفْتُ مَا لَا يَخْتَصُّ بِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: فَأَوَّلُهَا إِجَابَةُ الْمُؤَذِّنِ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسْجِدِ بِالسَّكِينَةِ، وَدُخُولُ الْمَسْجِدِ دَاعِيًا، وَصَلَاةُ التَّحِيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ كُلُّ ذَلِكَ بِنِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، سَادِسُهَا انْتِظَارُ الْجَمَاعَةِ، سَابِعُهَا صَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَاسْتِغْفَارُهُمْ لَهُ، ثَامِنُهَا شَهَادَتُهُمْ لَهُ، تَاسِعُهَا إِجَابَةُ الْإِقَامَةِ، عَاشِرُهَا السَّلَامَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ حِينَ يَفِرُّ عِنْدَ الْإِقَامَةِ، حَادِيَ عَاشِرَهَا الْوُقُوفُ مُنْتَظِرًا إِحْرَامَ الْإِمَامِ أَوِ الدُّخُولُ مَعَهُ فِي أَيِّ هَيْئَةٍ وَجدَهُ عَلَيْهَا، ثَانِيَ عَشَرَهَا إِدْرَاكُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَذَلِكَ، ثَالِثَ عَشَرَهَا: تَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ وَسَدُّ فُرَجِهَا، رَابِعَ عَشَرَهَا جَوَابُ الْإِمَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، خَامِسَ عَشَرَهَا الْأَمْنُ مِنَ السَّهْوِ غَالِبًا، وَتَنْبِيهُ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا بِالتَّسْبِيحِ أَوِ الْفَتْحِ عَلَيْهِ، سَادِسَ عَشَرَهَا حُصُولُ الْخُشُوعِ وَالسَّلَامَةِ عَمَّا يُلْهِي غَالِبًا، سَابِعَ عَشَرَهَا تَحْسِينُ الْهَيْئَةِ غَالِبًا، ثَامِنَ عَشَرَهَا احْتِفَافُ
الْمَلَائِكَةِ بِهِ، تَاسِعَ عَشَرَهَا التَّدَرُّبُ عَلَى تَجْوِيدِ الْقِرَاءَةِ وَتَعَلُّمِ الْأَرْكَانِ وَالْأَبْعَاضِ، الْعِشْرُونَ إِظْهَارُ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ إِرْغَامُ الشَّيْطَانِ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الطَّاعَةِ وَنَشَاطِ الْمُتَكَاسِلِ، الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ السَّلَامَةُ مِنْ صِفَةِ النِّفَاقِ وَمِنْ إِسَاءَةِ غَيْرِهِ الظَّنَّ بِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ رَأْسًا، الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْإِمَامِ، الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ الِانْتِفَاعُ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَعَوْدُ بَرَكَةِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ، الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ قِيَامُ نِظَامِ الْأُلْفَةِ بَيْنَ الْجِيرَانِ، وَحُصُولُ تَعَاهُدِهِمْ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ.
فَهَذِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ خَصْلَةً، وَرَدَ فِي كُلٍّ مِنْهَا
أَمْرٌ أَوْ تَرْغِيبٌ يَخُصُّهُ، وَبَقِيَ مِنْهَا أَمْرَانِ يَخْتَصَّانِ بِالْجَهْرِيَّةِ (^١)، وَهُمَا الْإِنْصَاتُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَالِاسْتِمَاعُ لَهَا، وَالتَّأْمِينُ عِنْدَ تَأْمِينِهِ لِيُوَافِقَ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، وَبِهَذَا يَتَرَجَّحُ أَنَّ السَّبْعَ تَخْتَصُّ بِالْجَهْرِيَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ): (الْأَوَّلُ) مُقْتَضَى الْخِصَالِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا اخْتِصَاصُ التَّضْعِيفِ بِالتَّجَمُّعِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ الرَّاجِحُ فِي نَظَرِي كَمَا سَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِالْمَسْجِدِ فَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَهِيَ الْمَشْيُ وَالدُّخُولُ وَالتَّحِيَّةُ، فَيُمْكِنُ أَنْ تُعَوَّضَ مِنْ بَعْضِ مَا ذُكِرَ مِمَّا يَشْتَمِلُ عَلَى خَصْلَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أُقِيمَتَا مَقَامَ خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَالْأَخِيرَتَيْنِ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ غَيْرُ مَنْفَعَةِ عَوْدِ بَرَكَةِ الْكَامِلِ عَلَى النَّاقِصِ، وَكَذَا فَائِدَةُ قِيَامِ نِظَامِ الْأُلْفَةِ غَيْرُ فَائِدَةِ حُصُولِ التَّعَاهُدِ، وَكَذَا فَائِدَةُ أَمْنِ الْمَأْمُومِينَ مِنَ السَّهْوِ غَالِبًا غَيْرُ تَنْبِيهِ الْإِمَامِ إِذَا سَهَا. فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ يُمْكِنُ أَنْ يُعَوَّضَ بِهَا الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ فَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ.
(الثَّانِي) لَا يَرِدُ عَلَى الْخِصَالِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا كَوْنُ بَعْضِ الْخِصَالِ يَخْتَصُّ بِبَعْضِ مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً دُونَ بَعْضٍ كَالتَّبْكِيرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَانْتِظَارِ الْجَمَاعَةِ وَانْتِظَارِ إِحْرَامِ الْإِمَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِأَنَّ أَجْرَ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِقَاصِدِهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَلَوْ لَمْ يَقَعْ كَمَا سَبَقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّالِثُ) مَعْنَى الدَّرَجَةِ أَوِ الْجُزْءِ حُصُولُ مِقْدَارِ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ لِلْمُجْمِعِ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ خِلَافَ ذَلِكَ قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مُبَيَّنًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِلَفْظِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ، وَفِي أُخْرَى: صَلَاةٌ مَعَ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ نَحْوُهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: كُلُّهَا مِثْلُ صَلَاتِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى لَفْظِ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِيَةِ حَيْثُ قَالَ تُضَعَّفُ لِأَنَّ الضِّعْفَ كَمَا قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الْمِثْلُ إِلَى مَا زَادَ لَيْسَ بِمَقْصُورٍ عَلَى الْمِثْلَيْنِ، تَقُولُ: هَذَا ضِعْفُ الشَّيْءِ، أَيْ مِثْلُهُ أَوْ مِثْلَاهُ فَصَاعِدًا، لَكِنْ لَا يُزَادُ عَلَى الْعَشَرَةِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تُضَعَّفُ وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَتَيِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ تَفْضُلُ أَيْ تَزِيدُ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقَةِ فِي بَابِ مَسَاجِدِ السُّوقِ يُرِيدُ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ تُسَاوِي صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ وَتَزِيدُ عَلَيْهَا الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ فَيَكُونُ لِمُصَلِّي الْجَمَاعَةِ ثَوَابُ سِتٍّ أَوْ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ مِنْ صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُثَقَّلَةٌ، وَهُوَ أَنْصَارِيٌّ مَدَنِيٌّ، وَيُوَافِقُهُ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ رِوَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ زَادَ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: فَإِنْ صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً: وَكَأَنَّ السِّرَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ، بَلْ حَكَى النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِهَا (^٢) لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ خِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَ:
_________
(^١) في هذا التخريج نظر، والأظهر عموم الحديث لجميع الصلوات الخمس، وذلك من زيادة فضل الله ﷾ لمن يحضر الصلاة في الجماعة. والله أعلم
(^٢) ليس ما قاله النووي بجيد، والصواب وجوب الجماعة حضرا وسفرا كما يعلم ذلك من فعله ﷺ ومواظبته على الجماعة وقوله تعالى ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية. وأما تفضيل صلاة من صلى في الفلاة فأتم ركوعها وسجودها على صلاة من صلى في الجماعة فليس فيه حجة على عدم وجوب الجماعة في السفر لأن أدلتها محكمة فلا تجوز مخالفتها لشيء محتمل. وإنما يجب حمل هذا النص - إن صح - على من صلى في الفلاة حسب طاقته من غير ترك الجماعة عند إمكانها فأتم ركوعها وسجودها مع كونه خاليا بربه بعيدا عن الناس، فشكر الله له هذا الإخلاص والاهتمام بأمر الصلاة فضاعف له هذا التضعيف. والله أعلم
فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي الْفَلَاةِ تَضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ إِطْلَاقِ قَوْلِهِ فَإِنْ صَلَّاهَا لِتَنَاوُلِهِ الْجَمَاعَةَ وَالِانْفِرَادَ، لَكِنْ حَمْلُهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَوْلَى، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ، وَيَلْزَمُ عَلَى مَا قَالَ النَّوَوِيُّ أَنَّ ثَوَابَ الْمَنْدُوبِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ الْوَاجِبِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ، وَقَدِ اسْتَشْكَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ مُرَتَّبٌ عَلَى صَلَاةِ الْفَرْضِ وَصِفَتُهُ مِنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ زِيَادَةُ ثَوَابِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْوَاجِبِ.
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ تُفْرَضُ الْمَسْأَلَةُ فِيمَنْ صَلَّى وَحْدَهُ ثُمَّ أَعَادَ فِي جَمَاعَةٍ فَإِنَّ ثَوَابَ الْفَرْضِ يَحْصُلُ لَهُ بِصَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَالتَّضْعِيفُ يَحْصُلُ بِصَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَبَقِيَ الْإِشْكَالُ عَلَى حَالِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ لَمْ يَحْصُلْ بِسَبَبِ الْإِعَادَةِ وَإِنَّمَا حَصَلَ بِسَبَبِ الْجَمَاعَةِ، إِذْ لَوْ أَعَادَ مُنْفَرِدًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ إِلَّا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ زِيَادَةُ ثَوَابِ الْمَنْدُوبِ عَلَى الْوَاجِبِ. وَمِمَّا وَرَدَ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قَالَ فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً. قَالَ: فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَى عَدَدِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانُوا عَشَرَةَ آلَافٍ؟ قَالَ نَعَمْ وَهَذَا لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ.
(تَنْبِيهٌ): سَقَطَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ، وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ قَبْلَ حَدِيثِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ) فِي رِوَايَةِ الْحَمَوِيِّ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ فِي جَمَاعَةٍ بِالتَّنْكِيرِ.
قَوْلُهُ: (خَمْسَةً وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) كَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ فِيهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، بِتَأْوِيلِ الضِّعْفِ بِالدَّرَجَةِ أَوِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: (فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ) مُقْتَضَاهُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً تَزِيدُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَفِي السُّوقِ جَمَاعَةً وَفُرَادَى قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ، قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُقَابِلِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا، لَكِنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى مُنْفَرِدًا، قَالَ: وَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ عَمَّنِ اسْتَشْكَلَ تَسْوِيَةَ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَالسُّوقِ. انْتَهَى. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهِ التَّسْوِيَةُ الْمَذْكُورَةُ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَفْضُولِيَّةِ عَنِ الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَفْضَلَ مِنَ الْآخَرِ، وَكَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كَوْنَ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً فِي الْبَيْتِ أَوِ السُّوقِ لَا فَضْلَ فِيهَا عَلَى الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّضْعِيفَ الْمَذْكُورَ مُخْتَصٌّ بِالْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، وَالصَّلَاةُ فِي الْبَيْتِ مُطْلَقًا أَوْلَى مِنْهَا فِي السُّوقِ لِمَا وَرَدَ مِنْ كَوْنِ الْأَسْوَاقِ مَوْضِعَ الشَّيَاطِينِ، وَالصَّلَاةُ جَمَاعَةٌ فِي الْبَيْتِ وَفِي السُّوقِ أَوْلَى مِنَ الِانْفِرَادِ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ قَصْرُ التَّضْعِيفِ إِلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ عَلَى التَّجْمِيعِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْعَامِّ مَعَ تَقْرِيرِ الْفَضْلِ فِي غَيْرِهِ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَوْسٍ الْمَعَافِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَرَأَيْتَ مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى فِي بَيْتِهِ؟ قَالَ: حَسَنٌ جَمِيلٌ. قَالَ: فَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ عَشِيرَتِهِ؟ قَالَ: خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً. قَالَ: فَإِنْ مَشَى إِلَى مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ فَصَلَّى فِيهِ؟ قَالَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ. انْتَهَى. وَأَخْرَجَ حُمَيْدُ بْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي كِتَابِ التَّرْغِيبِ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ، وَخُصَّ الْخَمْسُ وَالْعِشْرُونَ بِمَسْجِدِ الْقَبَائِلِ. قَالَ: وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ - أَيِ الْجُمُعَةُ - بِخَمْسِمِائَةٍ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ عِلَّةٌ لِلتَّضْعِيفِ الْمَذْكُورِ، إِذِ التَّقْدِيرُ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ: التَّضْعِيفُ الْمَذْكُورُ سَبَبُهُ كَيْتُ وَكَيْتُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَا رُتِّبَ عَلَى مَوْضُوعَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا يُوجَدُ بِوُجُودِ بَعْضِهَا إِلَّا إِذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إِلْغَاءِ مَا لَيْسَ مُعْتَبَرًا أَوْ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى، فَالْأَخْذُ بِهَا
مُتَوَجَّهٌ، وَالرِّوَايَاتُ الْمُطْلَقَةُ لَا تُنَافِيهَا بَلْ يُحْمَلُ مُطْلَقُهَا عَلَى هَذِهِ الْمُقَيَّدَةِ، وَالَّذِينَ قَالُوا بِوُجُوبِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَرَجَ لَا يَسْقُطُ بِإِقَامَةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْبُيُوتِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ إِنَّمَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ الْمَسَاجِدِ، وَهُوَ وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ لَا يَنْبَغِي إِلْغَاؤُهُ فَيَخْتَصُّ بِهِ الْمَسْجِدُ، وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ إِظْهَارُ الشِّعَارِ.
قَوْلُهُ: (لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ) أَيْ قَصْدُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ، وَاللَّامُ فِيهَا لِلْعَهْدِ لِمَا بَيَّنَّاهُ.
قَوْلُهُ: (لَمْ يَخْطُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الطَّاءِ. وَقَوْلُهُ: (خُطْوَةً) ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَيَجُوزُ الْفَتْحُ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ، وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَجَزَمَ الْيَعْمُرِيُّ أَنَّهَا هُنَا بِالْفَتْحِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهَا فِي رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ بِالضَّمِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَإِذَا صَلَّى) قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: أَيْ صَلَّى صَلَاةً تَامَّةً، لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْمُسِيءِ صَلَاتَهُ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ.
قَوْلُهُ: (فِي مُصَلَّاهُ) أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَوْقَعَ فِيهِ الصَّلَاةَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَلَوْ قَامَ إِلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى مِنَ الْمَسْجِدِ مُسْتَمِرًّا عَلَى نِيَّةِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ كَانَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) أَيْ قَائِلِينَ ذَلِكَ، زَادَ ابْنُ مَاجَهْ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ وَفِي الطَّرِيقِ الْمَاضِيَةِ فِي بَابِ مَسْجِدِ السُّوقِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ صَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَدُعَائِهِمْ لَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالتَّوْبَةِ، وَعَلَى تَفْضِيلِ صَالِحِي النَّاسِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي تَحْصِيلِ الدَّرَجَاتِ بِعِبَادَتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ مَشْغُولُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ. وَاسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ يَقْتَضِي صِحَّةَ صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا لِاقْتِضَاءِ صِيغَةِ أَفْعَلَ الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ التَّفَاضُلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُودَ فَضِيلَةٍ فِي صَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ، وَمَا لَا يَصِحُّ لَا فَضِيلَةَ فِيهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا يُقَالُ إِنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ قَدْ تَرِدُ لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْفَضْلِ فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: أَحْسَنُ مَقِيلًا لِأَنَّا نَقُولُ إِنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ عَلَى قِلَّةٍ حَيْثُ تَرِدُ صِيغَةُ أَفْعَلَ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ، فَإِذَا قُلْنَا هَذَا الْعَدَدُ أَزْيَدَ مِنْ هَذَا بِكَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ أَصْلِ الْعَدَدِ، وَلَا يُقَالُ يُحْمَلُ الْمُنْفَرِدُ عَلَى الْمَعْذُورِ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلَاةُ الْفَذِّ صِيغَةُ عُمُومٍ فَيَشْمَلُ مَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا بِعُذْرٍ وَبِغَيْرِ عُذْرٍ، فَحَمْلُهُ عَلَى الْمَعْذُورِ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَأَيْضًا فَفَضْلُ الْجَمَاعَةِ حَاصِلٌ لِلْمَعْذُورِ لِمَا سَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا: إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا.
وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ حَمَلَهُ عَلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ، ثُمَّ رَدَّهُ بِحَدِيثِ: أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ. وَاسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى تَسَاوِي الْجَمَاعَاتِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ أَمْ قَلَّتْ، لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ جَمَاعَةٍ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَوَّاهُ بِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عن إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ قَالَ: إِذَا صَلَّى الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ فَهُمَا جَمَاعَةٌ لَهُمُ التَّضْعِيفُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ. انْتَهَى. وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِي أَصْلِ الْحُصُولِ، لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي مَزِيدَ الْفَضْلِ لِمَا كَانَ أَكْثَرَ، لَا سِيَّمَا مَعَ وُجُودِ النَّصِّ الْمُصَرِّحِ بِهِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا: صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ، وَلَهُ شَاهِدٌ قَوِيٌّ فِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ قَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَلَّثَةٌ، وَأَبُوهُ بِالْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ بِوَزْنِ أَحْمَرَ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّفَاوُتِ اسْتَحَبَّ إِعَادَةَ الْجَمَاعَةِ مُطْلَقًا لِتَحْصِيلِ الْأَكْثَرِيَّةِ، وَلَمْ يَسْتَحِبَّ ذَلِكَ الْآخَرُونَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَّلَ فَقَالَ: تُعَادُ مَعَ الْأَعْلَمِ أَوِ الْأَوْرَعِ أَوْ فِي الْبُقْعَةِ الْفَاضِلَةِ، وَوَافَقَ مَالِكٌ عَلَى الْأَخِيرِ لَكِنْ قَصَرَهُ عَلَى الْمَسَاجِدِ
الثَّلَاثَةِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ بِالْمَسْجِدَيْنِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ.