HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٦٥٦

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ : أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ : حَدَّثَنِي أَنَسٌ : «أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ، فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْرُوا، فَقَالَ: أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟». قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ آثَارُهُمْ، أَنْ يُمْشَى فِي الْأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج1 ص132
ج ١ ص ١٣٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن ابن ماجه, مسند أحمد
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج٦ ص٢٨
٦٥٦ - وَقَالَ ابن أَبِي مريم: أنا يَحْيَى بْن أيوب: حَدَّثَنِي حميد: حَدَّثَنِي أَنَس، أن نبي سَلَمَة أرادوا أن يتحولوا عَن منازلهم فينزلوا قريبًا من النَّبِيّ - ﷺ -. قَالَ: فكره النَّبِيّ - ﷺ - أن يعروا منازلهم، فَقَالَ: «ألا تحتسبون آثاركم؟» . قَالَ مُجَاهِد: خطاهم: آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم. ساقه أولا من حَدِيْث عَبْد الوهاب الثَّقَفِيّ، عَن حميد مختصرًا ثُمَّ ذكر من رِوَايَة يَحْيَى بْن أيوب المصري - وَهُوَ ثقة، لكنه كثير الوهم - مطولًا، وزاد فِيهِ تصريح حميد بالسماع لَهُ من أَنَس، فإن حميدًا قَدْ قيل: إنه لَمْ يسمع من أَنَس إلا قليلًا، وأكثر رواياته عَنْهُ مرسلة، وقد سبق ذكر ذَلِكَ، وما قاله الإسماعيلي فِي تسامح المصريين والشامين فِي لفظه «حَدَّثَنَا» وأنهم لا يضبطون ذَلِكَ. وقد خرجه فِي «كِتَاب الحج» من طريق الفزاري، عَن حميد، عَن أَنَس، قَالَ: أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رَسُول الله - ﵁ - أن تعرى المدينة، فَقَالَ: «يَا بني، ألا تحتسبون آثاركم؟» . وبنو سَلَمَة: قوم من الأنصار، كَانَتْ دورهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فأمرهم النَّبِيّ - ﷺ - بملازمة دورهم، وأخبرهم أن خطاهم يكتب لهم أجرها فِي المشي إلى المسجد. وخرج مُسْلِم فِي «صحيحه» من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر، عَن جابر، قَالَ: كَانَتْ دارنا نائيةً من المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد، فنهانا رَسُول الله - ﷺ -، فَقَالَ: «إن لكم بكل خطوةٍ درجة» . ومن حَدِيْث أَبِي نضرة، عَن جابر، قَالَ: أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، والبقاع خالية. قَالَ: فبلغ ذَلِكَ رَسُول الله - ﷺ -، فَقَالَ: «يَا بني سَلَمَة، دياركم تكتب آثاركم» . فقالوا: مَا يسرنا أنا كنا تحولنا. وقوله: «دياركم» بفتح الراء عَلَى الإغراء، أي: الزموا دياركم. وخرجه الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعدي، عَن أَبِي نضرة، عَن أَبِي سَعِيد، قَالَ: كَانَتْ بنو سَلَمَة فِي ناحية المدينة، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد، فَنَزَلت هذه الآية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، فقام رَسُول الله - ﷺ -: «إن آثاركم تكتب»، فَلَمْ ينتقلوا. وأبو سُفْيَان، فِيهِ ضعف. والصحيح: رِوَايَة مسلمٍ، عَن أَبِي نضرة، عَن جابر، وكذا قاله الدارقطني وغيره. وخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك، عَن عَكْرِمَة، عَن ابن عَبَّاس، قَالَ: كَانَتْ الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يقربوا، فَنَزَلت: ﴿نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ . قَالَ: فثبتوا. وقد ذكر البخاري عَن مُجَاهِد، أَنَّهُ فسر الآثار - يعني: فِي هذه الآية - بالخُطا، وزاد - أيضًا - بقوله: آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم. وفي حَدِيْث أَنَس: فكره رَسُول الله - ﷺ - أن يعروا المدينة أو منازلهم. يعني: يخلوها فتصير عراةً من الأرض. والعراء: الفضاء الخالي من الأرض، ومنه: قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] . وروى يَحْيَى بْن سَعِيد الأنصاري هَذَا الحَدِيْث، عَن حميد، عَن أَنَس، وَقَالَ: فكره أن يعروا المسجد. قَالَ الإمام أحمد وهم فِيهِ. إنما هُوَ: كره أن يعروا المدينة. وقد دلت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجرهُ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ. وقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى: «أعظم النَّاس أجرًا فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى» . وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ - ﷺ -،: «وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة» . وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر. وسبق - أيضًا - حَدِيْث أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ. وفي «المسند» و«سنن أَبِي داود» وابن ماجه، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيّ - ﷺ -، قَالَ: «الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجرًا» . وفي «صحيح مُسْلِم» عَن أَبِي بْن كعب، قَالَ: كَانَ رَجُل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد مِنْهُ، وكان لا تخطئه صلاة. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ - أو قُلتُ لَهُ -: لَوْ اشتريت حمارًا تركبه فِي الظلماء أو الرمضاء؟ قَالَ: مَا يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي. فَقَالَ رَسُول الله - ﷺ -: «قَدْ جمع الله لَكَ ذَلِكَ كله» . وفي رِوَايَة لَهُ - أيضًا -: فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ - ﷺ -: «إن لَكَ مَا احتسبت» . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ ثياب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله. وفي «المسند» و«صحيح ابن حبان» عَن عَبْد الله بْن عَمْرِو، عَن النَّبِيّ - ﷺ -، قَالَ: «من راح إلى المسجد جماعة فخطوتاه: خطوة تمحو سيئة، وخطوة تكتب حسنة، ذاهبًا وراجعًا» . وهذا المطلق قَدْ ورد مقيدًا فِي حَدِيْث أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخري فيما مضى. وسيأتي بقيدين: أحدهما: أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله. والثاني: أن لا يخرج إلا إلى الصلاة فِي المسجد، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاص. وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر، غير أن هَذَا الأجر الخاص - وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات - لا يحصل بذلك. وأعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل. وفي «المسند» بإسناد منقطع، عَن حذيفة، عَن النَّبِيّ - ﷺ -، قَالَ: «فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد» . ٣٤ - بَابُ فَضْلِ صلاةِ العشاءِ فِي الجَماعةِ
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج٢ ص١٣٩
٣٢ - بَاب فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ ٦٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ. [الحديث ٦٥٢ - طرفه في: ٢٤٧٢] ٦٥٣ - ثُمَّ قَالَ الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» [الحديث ٦٥٥ - طرفاه في: ١٨٨٧، ٦٥٦] ٦٥٤ - وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا. قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ التِّينِ وَغَيْرِهُ، وَفِي بَعْضِهَا إِلَى الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ. قَوْلُهُ: (بَيْنَمَا رَجُلٌ) فِي هَذَا الْمَتْنِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: قِصَّةُ الَّذِي نَحَّى غُصْنَ الشَّوْكِ، وَالشُّهَدَاءُ، وَالتَّرْغِيبُ فِي النِّدَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ ذِكْرُ التَّهْجِيرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ مُفْرَدًا فِي بَابِ الِاسْتِهَامِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَيَأْتِي الثَّانِي فِي الْجِهَادِ عَنْهُ أَيْضًا، وَالْأَوَّلُ فِي الْمَظَالِمِ كَذَلِكَ، وَتَكَلَّمْنَا عَلَى شَرْحِهِ هُنَاكَ، وَكَانَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا مَجْمُوعًا فَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْمُصَنِّفُ كَعَادَتِهِ فِي الِاخْتِصَارِ، وَتَكَلَّفَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ إِبْدَاءَ مُنَاسَبَةٍ لِلْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ وَإِنْ قَلَّتْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ، وَاعْتَرَفَ بِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ الثَّانِي. قَوْلُهُ: (فَأَخَذَهُ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَخَّرَهُ. قَوْلُهُ: (فَشَكَرَ اللَّهَ لَهُ) أَيْ رَضِيَ بِفِعْلِهِ، وَقَبِلَ مِنْهُ، وَفِيهِ فَضْلُ إِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ أَنَّهَا أَدْنَى شُعَبِ الْإِيمَانِ. قَوْلُهُ: (الشُّهَدَاءُ خَمْسٌ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ، وَلِلْبَاقِينَ خَمْسَةٌ وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الْمُذَكَّرِ، وَجَازَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْمُمَيِّزَ غَيْرُ مَذْكُورٍ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَبَاحِثِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٣٣ - بَاب احْتِسَابِ الْآثَارِ ٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَا بَنِي سَلِمَةَ أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قَالَ: خُطَاهُمْ. [الحديث ٦٥٥ - طرفاه في ٦٥٦، ١٨٨٧] ٦٥٦ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ عن أَنَسٌ: أَنَّ بَنِي سَلِمَةَ أَرَادُوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا مِنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْرُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ، قَالَ مُجَاهِدٌ: خُطَاهُمْ آثَارُهُمْ، أَنْ يُمْشَى فِي الْأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ. قَوْلُهُ: (بَابُ احْتِسَابِ الْآثَارِ) أَيْ إِلَى الصَّلَاةِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْهَا لِتَشْمَلَ كُلَّ مَشْيٍ إِلَى كُلِّ طَاعَةٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ الثَّقَفِيُّ. قَوْلُهُ: (يَا بَنِي سَلِمَةَ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَهُمْ بَطْنٌ كَبِيرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ثُمَّ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ غَفَلَ الْقَزَّازُ وَتَبِعَهُ الْجَوْهَرِيُّ حَيْثُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْعَرَبِ سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ غَيْرَ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي الْمُؤْتَلِفِ وَالْمُخْتَلِفِ ذَكَرُوا عَدَدًا مِنَ الْأَسْمَاءِ كَذَلِكَ، لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِقَيْدِ الْقَبِيلَةِ أَوِ الْبَطْنِ فَلَهُ بَعْضُ اتِّجَاهٍ. قَوْلُهُ: (أَلَا تَحْتَسِبُونَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا بِإِثْبَاتِ النُّونِ، وَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِحَذْفِهَا، وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ النُّحَاةَ أَجَازُوا ذَلِكَ - يَعْنِي تَخْفِيفًا - قَالَ: وَالْمَعْنَى: أَلَا تَعُدُّونَ خُطَاكُمْ عِنْدَ مَشْيِكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ خُطْوَةٍ ثَوَابًا اهـ. وَالِاحْتِسَابُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ الْعَدُّ لَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ غَالِبًا فِي مَعْنَى طَلَبِ تَحْصِيلِ الثَّوَابِ بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ. قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَاقِينَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَذَكَرَهُ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ بِلَفْظِ وَزَادَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا رِوَايَةٍ يَعْنِي مُعَلَّقًا، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْكِتَابِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فِي الْأُصُولِ. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ أَيْضًا وَلِلْبَاقِينَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا، وَكَذَا سَمِعْنَاهُ فِي الْأَوَّلِ مِنْ فَوَائِدِ الْمُخْلِصِ مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ أَنَسًا، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَقِبَ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِيُبَيِّنَ الْأَمْنَ مِنْ تَدْلِيسِ حُمَيْدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي بَابِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي الْحَجِّ مِنْ طَرِيقِ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ وَسَاقَ الْمَتْنَ كَامِلًا. قَوْلُهُ: (فَيَنْزِلُوا قَرِيبًا) يَعْنِي لِأَنَّ دِيَارَهُمْ كَانَتْ بَعِيدَةً مِنَ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: كَانَتْ دِيَارُنَا بَعِيدَةً مِنَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَبْتَاعَ بُيُوتًا فَنَقْرُبُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إِنَّ لَكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً، وَلِلسَّرَّاجِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ: أَرَادُوا أَنْ يَقْرُبُوا مِنْ أَجْلِ الصَّلَاةِ. وَلِابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْهُ قَالَ كَانَتْ مَنَازِلُنَا بِسَلْعٍ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا سَيَأْتِي فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ دَارٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ دِيَارُهُمْ كَانَتْ مِنْ وَرَاءِ سَلْعٍ، وَبَيْنَ سَلْعٍ وَالْمَسْجِدِ قَدْرُ مِيلٍ. قَوْلُهُ: (أَنْ يَعْرُوا الْمَدِينَةَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَنْ يُعْرُوا مَنَازِلَهُمْ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ أَيْ يَتْرُكُونَهَا خَالِيَةً، يُقَالُ أَعْرَاهُ إِذَا أَخْلَاهُ، وَالْعَرَاءُ الْأَرْضُ الْخَالِيَةُ وَقِيلَ الْوَاسِعَةُ وَقِيلَ الْمَكَانُ الَّذِي لَا يُسْتَتَرُ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَنَبَّهَ بِهَذِهِ الْكَرَاهَةِ عَلَى السَّبَبِ فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ الْمَسْجِدِ لِتَبْقَى جِهَاتُ الْمَدِينَةِ عَامِرَةً بِسَاكِنِهَا، وَاسْتَفَادُوا بِذَلِكَ كَثْرَةَ الْأَجْرِ لِكَثْرَةِ الْخُطَا فِي الْمَشْيِ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْفَزَارِيِّ الَّتِي فِي الْحَجِّ: فَأَقَامُوا وَمِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُخْلِصِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: فَلَمْ يَنْتَقِلُوا وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ: فَقَالُوا مَا يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ خُطَاهُمْ آثَارُهُمْ وَالْمَشْيُ فِي الْأَرْضِ بِأَرْجُلِهِمْ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ولِلْبَاقِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قَالَ: خُطَاهُمْ. وَكَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ عَنْهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ قَالَ: أَعْمَالُهُمْ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قَالَ: خُطَاهُمْ. وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا التَّعْلِيقِ إِلَى أَنَّ قِصَّةَ بَنِي سَلِمَةَ كَانَتْ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا بِهِ مِنْ طَرِيقِ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ أَعْمَالَ الْبِرِّ إِذَا كَانَتْ خَالِصَةً تُكْتَبُ آثَارُهَا حَسَنَاتٍ. وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ السُّكْنَى بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ إِلَّا لِمَنْ حَصَلَتْ بِهِ مَنْفَعَةٌ أُخْرَى أَوْ أَرَادَ تَكْثِيرَ الْأَجْرِ بِكَثْرَةِ الْمَشْيِ مَا لَمْ يَحْمِلْ