وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ طَرِيقَ عَمْرٍو مُعَلَّقَةً فِي الدَّعَوَاتِ وَمَوْصُولَةً فِي التَّوْحِيدِ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الطَّرِيقَيْنِ طَرِيقَ اللَّيْثِ وَطَرِيقَ ابْنِ وَهْبٍ، وَزَادَ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ رَجُلًا مُبْهَمًا، وَبَيَّنَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ ابْنُ لَهِيعَةَ.
قَوْلُهُ: (ظَلَمْتُ نَفْسِي) أَيْ بِمُلَابَسَةِ مَا يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ أَوْ يُنْقِصُ الْحَظَّ. وَفِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْرَى عَنْ تَقْصِيرٍ وَلَوْ كَانَ صِدِّيقًا: قَوْلُهُ: (وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) فِيهِ إِقْرَارٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَاسْتِجْلَابٌ لِلْمَغْفِرَةِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الْآيَةُ، فَأَثْنَى عَلَى الْمُسْتَغْفِرِينَ وَفِي ضِمْنِ ثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لَوَّحَ بِالْأَمْرِ بِهِ كَمَا قِيلَ: إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى فَاعِلِهِ فَهُوَ آمِرٌ بِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ ذَمَّ فَاعِلَهُ فَهُوَ نَاهٍ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: دَلَّ التَّنْكِيرُ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ غُفْرَانٌ عَظِيمٌ لَا يُدْرَكُ كُنْهُهُ، وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مِنْ عِنْدِهِ ﷾ مُرِيدًا لِذَلِكَ الْعِظَمِ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَكُونُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يُحِيطُ بِهِ وَصْفٌ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا الْإِشَارَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ الْمَذْكُورِ كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَفْعَلُ هَذَا إِلَّا أَنْتَ فَافْعَلْهُ لِي أَنْتَ، وَالثَّانِي - وَهُوَ أَحْسَنُ - أَنَّهُ إِشَارَةٌ إِلَى طَلَبِ مَغْفِرَةٍ مُتَفَضَّلٍ بِهَا لَا يَقْتَضِيهَا سَبَبٌ مِنَ الْعَبْدِ مِنْ عَمَلٍ حَسَنٍ وَلَا غَيْرِهِ. انْتَهَى. وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؛ فَقَالَ: الْمَعْنَى هَبْ لِيَ الْمَغْفِرَةَ تَفَضُّلًا وَإِنْ لَمْ أَكُنْ لَهَا أَهْلًا بِعَمَلِي.
قَوْلُهُ: (إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) هُمَا صِفَتَانِ ذُكِرَتَا خَتْمًا لِلْكَلَامِ عَلَى جِهَةِ الْمُقَابَلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ، فَالْغَفُورُ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ اغْفِرْ لِي، وَالرَّحِيمُ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ ارْحَمْنِي، وَهِيَ مُقَابَلَةٌ مُرَتَّبَةٌ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ طَلَبِ التَّعْلِيمِ مِنَ الْعَالِمِ، خُصُوصًا فِي الدَّعَوَاتِ الْمَطْلُوبُ فِيهَا جَوَامِعُ الْكَلِمِ. وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي الْحَدِيثِ بِتَعْيِينِ مَحَلِّهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، قَالَ: وَلَعَلَّهُ تَرَجَّحَ كَوْنُهُ فِيمَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ لِظُهُورِ الْعِنَايَةِ بِتَعْلِيمِ دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ فِي هَذَا الْمَحَلِّ. وَنَازَعَهُ الْفَاكِهَانِيُّ فَقَالَ: الْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْمَحَلَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، أَيِ السُّجُودِ وَالتَّشَهُّدِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: اسْتِدْلَالُ الْبُخَارِيِّ صَحِيحٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي صَلَاتِي يَعُمُّ جَمِيعَهَا، وَمِنْ مَظَانِّهِ هَذَا الْمَوْطِنُ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ قَوْلِهِ لَمَّا عَلَّمَهُمُ التَّشَهُّدَ: ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ، وَمِنْ ثَمَّ أَعْقَبَ الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ بِذَلِكَ.
١٥٠ - بَاب مَا يُتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ الْأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَة اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ: أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الدُّعَاءَ السَّابِقَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ لَا
يَجِبُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرَدَ بِصِيغةِ الْأَمْرِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ حَدِيثِ التَّشَهُّدِ: ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ، وَالْمَنْفِيُّ وُجُوبُهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءَ الَّذِي لَا يَجِبُ دُعَاءٌ مَخْصُوصٌ، وَهَذَا وَاضِحٌ مُطَابِقٌ لِلْحَدِيثِ، وَإِنْ كَانَ التَّخْيِيرُ مَأْمُورًا بِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْفِيُّ التَّخْيِيرَ، وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ بِهِ عَلَى النَّدْبِ، وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: لَيْسَ التَّخْيِيرُ فِي آحَادِ الشَّيْءِ بِدَالٍّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ، فَقَدْ يَكُونُ أَصْلُ الشَّيْءِ وَاجِبًا وَيَقَعُ التَّخْيِيرُ فِي وَصْفِهِ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: قَوْلُهُ: ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ، وَإِنْ كَانَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لَكِنَّهَا كَثِيرًا مَا تَرِدُ لِلنَّدْبِ، وَادَّعَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ طَاوُسٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى وُجُوبَ الِاسْتِعَاذَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَهُ: هَلْ قَالَهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ؟ فَقَالَ: لَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ. وَأَفْرَطَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ بِوُجُوبِهَا فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَوْلَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ، لَقُلْتُ بِوُجُوبِهَا، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، وَادَّعَى أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَتْبَاعِهِ وَالطَّحَاوِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى نَدْبِيَّتِهَا بِحَدِيثِ الْبَابِ مَعَ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ وَرَدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَالشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِمَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ.
وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَاوِي حَدِيثِ الْبَابِ مَا يَقْتَضِيهِ، فَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي الْأَحْوَصِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَتَشَهَّدُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بَعْدُ.
وَقَدْ وَافَقَ الشَّافِعِيُّ، أَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ أَيْضًا بِالْوُجُوبِ، لَكِنْ قَالَ: إِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا رَجَوْتُ أَنْ يُجْزِئَهُ، فَقِيلَ: إِنَّ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ كَأَحْمَدَ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ يَرَاهَا وَاجِبَةً لَا شَرْطًا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ تَفَرُّدَ الشَّافِعِيِّ بِكَوْنِهِ عَيَّنَهَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ لَا قَبْلَهُ وَلَا فِيهِ، حَتَّى لَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي أَثْنَاءِ التَّشَهُّدِ مَثَلًا لَمْ يُجْزِئْ عِنْدَهُ. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِهَذَا فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو)، زَادَ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُسَدَّدٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ: فَيَدْعُو بِهِ، وَنَحْوَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِلَفْظِ: فَلْيَدْعُ بِهِ، وَلِإِسْحَاقَ، عَنْ عِيسَى، عَنْ الْأَعْمَشِ: ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا أَحَبَّ، وَفِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي الدَّعَوَاتِ: ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الثَّنَاءِ مَا شَاءَ، وَنَحْوُهُ لِمُسْلِمٍ بِلَفْظِ: مِنَ الْمَسْأَلَةِ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا اخْتَارَ الْمُصَلِّي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: خَالَفَ فِي ذَلِكَ النَّخَعِيُّ، وَطَاوُسٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ؛ فَقَالُوا: لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ، كَذَا أَطْلَقَ هُوَ وَمَنْ تَبِعَهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ أَوْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ، وَعِبَارَةُ بَعْضِهِمْ: مَا كَانَ مَأْثُورًا، قَالَ قَائِلهُمْ: وَالْمَأْثُورُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا أَوْ غَيْرَ مَرْفُوعٍ، لَكِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وَكذا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ: لَا يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ إِلَّا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ مَا يُقَبَّحُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، فَإِنْ أَرَادَ الْفَاحِشَ مِنَ اللَّفْظِ فَمُحْتَمَلٌ، وَإِلَّا فَلَا شَكَّ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ، وَقَدْ وَرَدَ فِيمَا يُقَالُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَخْبَارٌ مِنْ أَحْسَنِهَا مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ: إِذَا
فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ وَمَا لَمْ أَعْلَمْ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَكَ مِنْهُ عِبَادُكَ الصَّالِحُونَ. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الْآيَةُ. قَالَ: وَيَقُولُ: لَمْ
يَدْعُ نَبِيٌّ وَلَا صَالِحٌ بِشَيْءٍ إِلَّا دَخَلَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ.