HadithLab
RU
صحيح البخاري

رقم الحديث ٩٠٦

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِي الْجُمُعَةَ» قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ: بِالصَّلَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج2 ص7
ج ٢ ص ٧

سلسلة الرواة

فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب · ابن رجب الحنبلي · ج٨ ص١٨١
٩٠٦ - حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي: ثنا حرمي بن عمارةً: ثناابو خلدة –هو: خالد بن دينار -، قال: سمعت أنس بن مالكٍ يقول: كان النبي - ﷺ -، إذا أشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا أشتد الحر أبرد بالصلاة –يعني: الجمعة. وقال يونس بن بكير: أنا أبو خلدة، وقال: «بالصلاة»، ولم يذكر: «الجمعة» . وقال بشر بن ثابت: ثنا أبو خلدة: صلى بنا أمير المؤمنين الجمعة، ثم قال لأنسٍ: كيف كان النبي - ﷺ - يصلي الظهر؟ خرّج الإسماعيلي في «صحيحه» –وهو «المستخرج على صحيح البخاري» –من طريق هارون بن عبد الله، عن حرمي بن عمارة: حدثني أبو خلدة، قالَ: سمعت أنس بن مالكٍ –وناداه يزيد الضبي: يا أبا حمزة، قد شهدت الصَّلاة مع رسول الله - ﷺ -، وشهدت الصَّلاة معنا، فكيف كان رسول الله - ﷺ - يصلي الجمعة؟ - فقال: كان إذا أشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا أشتد الحر أبرد بالصلاة. وخرّجه –أيضًا - من رواية محمد بن المثنى، عن حرمي، ولم يذكر في حديثه: «الجمعة» . وخرّج –أيضًا - رواية يونس بن بكير التي علقها البخاري، ولفظ حديثه: كان النبي - ﷺ - إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بها –يعني: الظهر. وخرّج - أيضًا - حديث بشر بن ثابت الذي علقه البخاري - أيضًا -، ولفظ حديثه: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان الشتاء يبكر بالظهر، وإذا كان الصيف أبرد بها، ولكن يصلي العصر والشمس بيضاء. وخرّجه البيهقي من رواية بشر بن ثابت – بهذا المعنى. وخرّج - أيضًا - رواية يونس بن بكيرٍ: ثنا أبو خلدة: سمعت أنس بن مالكٍ – وهو جالسٌ مع الحكم أمير البصرة على السرير – يقول: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد بكر بالصلاة. وروى هذا الحديث – أيضًا – خالد بن الحارث: ثنا أبو خلدة، أن الحكم ابن أيوب أخر الجمعة يومًا، فتكلم يزيد الضبي. وقال: دخلنا الدار وأنس معه على السرير، فقال له يزيد: يا أبا حمزة، قد صليت مع النبي - ﷺ - وحضرت صلاتنا، فأين صلاتنا من صلاة رسول الله - ﷺ -؟ فقال: إذا كان الحر برد بالصلاة، وإذا كان البرد يبكر بالصلاة، ولم يسمعه، ولكنه قد شهد الأمر. خرّجه النسائي في «كتاب الجمعة» . وهذه الرواية تخالف رواية البخاري التي فيها التصريح بالسماع. وقد رواه سهل بن حمادٍ، عن أبي خلدة، قال: بينا الحكم بن أيوب يخطب في البصرة إذ قام يزيد الضبي، فناداه، فقال: أيها الأمير: إنك لا تملك الشمس، فقال: خذاه، فأخذ، فلما قضى الصلاة أدخل عليه، ودخل الناس، وثم أنس بن مالكٍ، فأقبل على أنس، فقال: كيف كنتم تصلون مع رسول الله - ﷺ -؟ فقال: كان رسول الله - ﷺ - يبرد بالصلاة في الحر، ويبكر بها في الشتاء. خرّجه المروزي في «كتاب الجمعة» . فقد تبين بهذه الروايات أن سبب سؤال أنس إنما كان تأخير الحكم بن أيوب. وقضية يزيد الضبي مع الحكم بن أيوب في إنكاره عليه تأخير الجمعة وهو يخطب معروفة، وكان أنس بن مالكٍ حاضرًا. وقد خرّجها بتمامها ابن أبي الدنيا في «كتاب الأمر بالمعروف» من رواية جعفر بن سليمان: حدثني المعلى بن زياد، قال: حدثني يزيد الضبي، قال: أتيت الحسن ثلاث مراتٍ، فقلت: يا أبا سعيدٍ، غلبنا على كل شيء، وعلى صلاتنا نغلب؟! فقال الحسن: إنك لن تصنع شيئًا، إنما تعرض نفسك لهم. قال: فقمت والحكم بن أيوب ابن عم الحجاج يخطب، فقلت: الصلاة يرحمك الله، قال: فجاءتني الزبانية، فسعوا الي من كل جانب، فأخذوا بلبتي، وأخذوا بلحيتي ويدي وكل شيء، وجعلوا يضربوني بنعالهم وسيوفهم، قال: وسكت الحكم بن أيوب، وكدت أن أقتل دونه، ففتح باب المقصورة، فادخلت عليه، فقال: أمجنونٌ أنت؟! قلت: ما بي من جنون، قالَ: أوما كنا في صلاة؟ قلت: أصلحك الله، هل من كلام أفضل من كتاب الله؟ قال: لا، قلت: لو أن رجلًا نشر مصحفه فقرأه غدوة حتى يمسي، ولا يصلي فيما بين ذلك، كان ذلك قاضيًا عنه صلاته؟ قال الحكم: إني لأحسبك مجنونًا: قال: وأنس بن مالكٍ جالس قريبًا من المنبر، على وجههٌ خرقة خضراء، فقلت: يا أبا حمزة، أذكرك الله، فانك صحبت رسول الله - ﷺ - وخدمته، أحقٌ أقول أم باطلٌ؟ قال: فو الله ما أجابني بكلمةٍ، فقال له الحكم: يا أنس، قال: لبيك، أصلحك الله – قال: وقد كان فات ميقات الصلاة – قال: يقول له أنس: قد كان بقي من الشمس بقيةٌ؟ فقال: احبساه. قال: فحبست، فشهدوا أني مجنونٌ. قال جعفر: فإنما نجا من القتل بذلك – وذكر بقية القصة. فقد تبين بهذا السياق أن الصحابة والتابعين كانوا كلهم خائفين من ولاة السوء الظالمين، وإنهم غير قادرين على الإنكار عليهم، وأنه غير نافع بالكلية؛ فإنهم يقتلون من أنكر، ولا يرجعون عن تأخير الصلاة على عوائدهم الفاسدة. وقد تكلم بعض علماء أهل الشام في زمن الوليد بن عبد الملك في ذلك، وقال: أبعث نبيٌ بعد محمدٍ يعلمكم هذا – أو نحو ذلك؟ فأخذ فأدخل الخضراء، فكان آخر العهد به. ولهذا لم يستطع أنس أن يجيب يزيد الضبي بشئ حين تكلم يزيد، وإنما قال للحكم لما سأله: قد بقي من الشمس بقيةٌ – يريد: قد بقي من ميقات العصر بقيةٌ -، وهو كما قال لكن وقت الجمعة كان قد فات، ولم يستطع أن يتكلم بذلك، فلما دخل الحكم داره، وأدخل معه أنسًا ويزيد الضبي، فسئل أنس في ذلك الوقت عن وقت صلاة النبي - ﷺ -، فأخبر أنه كان يعجل في البرد، ويبرد في الحر، ومراده –والله أعلم -: صلاة الظهر، وهذا هو الذي امكن أنسا أن يقوله فيذلك الوقت، ولم يمكنه الزيادة على ذلك. وأكثر العلماء على أن الجمعة لا يبرد بها بعد الزوال، بل تعجل في أول الوقت، وللشافعية في ذلك وجهان. وقد كان الصحابة والتابعون مع أولئك الظلمة في جهدٍ جهيدٍ، لا سيما في تأخير الصلاة عن ميقاتها، وكانوا يصلون الجمعة في أخر وقت العصر، فكان أكثر من يجيء إلى الجمعة يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يجيء إلى المسجد تقية لهم، ومنهم من كان إذا ضاق وقت الصلاة وهو في المسجد أومأ بالصلاة خشية القتل. وكانوا يحلفون من دخل المسجد أنه ما صلى في بيته قبل أن يجيء. قال إبراهيم بن مهاجرٍ: كنت أنا وسعيد بن جبيرٍ وإبراهيم نصلي الظهر، ثم نجلس فنتحدث والحجاج يخطب يوم الجمعة. خرّجه أبو نعيمٍ الفضل بن دكين في «كتاب الصلاة» . وخَّرج –أيضًا - بإسناده، عن أبي بكر بن عتبة، قال صليت إلى جنب أبي جحيفة، فتمسى الحجاج بالصلاة، فقام يصلي الجمعة، ثم قام فصلى ركعتين، ثم قال: يا أبا بكر، أشهدك أنها الجمعة. وهذا غريبٌ، يدل على أنه يصح أن يصلي الرجل الجمعة وحده. وبإسناده: عن الأعمش، عن إبراهيم وخيثمة، أنهما كانا يصليان الظهر والعصر، ثم يأتيان الحجاج يوم الجمعة، فيصليان معه. وعن أبي وائل، أنه كان يأمرهم أن يصلوا في بيوتهم، ثم يأتوا الحجاج فيصلون معه الجمعة. وعن محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت في مسجد منى، وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة: قال: فنظرت إلى سعيدٍ بن جبير وعطاء يومئان، وهما قاعدان. وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري البصري في «كتاب أدب السلطان» بابًا في تأخير الأمراء الصلاة، خَّرج فيه الأحاديث المرفوعة، والآثار الموقوفة في ذلك، وقد سبق ذكر بعضها في «أبواب: المواقيت» . وروى فيه بإسناده: أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعودٍ كان يروح إلى المسجد وقد صلى الظهر والعصر، فيجلس فينتظر، فيقول: ماله قاتله الله؟! يصيح على منبره صياحًا، وقد فاتته العصر، ولم يصل الظهر بعد. وبإسناده: عن عمرو بن هرم، قال: كان أنس بن مالكٍ يصلي الظهر والعصر في بيته، ثم يأتي الحجاج فيصلي معه الجمعة. وبإسناده: عن عبد الله بن أبي زكريا، أنه كان يجمع مع الوليد بن عبد الملك ما صلى الوليد في وقت الظهر الجمعة، ويعتد بها جمعةً، فإن أخرها عن وقت الظهر صلى الظهر في آخر وقت الظهر أربعًا إيماءً، ثم صلى الجمعة معه، وجعلها تطوعا، فإن أخر العصر حتى يخرج وقتها صلاها في آخر وقتها ايماءً. وبإسناده: عن حصينٍ، قال: كان أبو وائل إذا أخر الحجاج الجمعة استقبل القبلة، يومئ ايماءً: يتناعس. وبإسناده: عن جريرٍ، قال: شهدت الجمعة مع ابن هبيرة، فأخر الصلاة إلى قريب من العصر، فرأيت الناس يخرجون، فرأيت أبا حنيفة خَّرج، فكأن شيخ يصيح في المسجد: لو كان الحجاج ما خرجوا، وجعل فضيل بن غزوان ويقول: إنهم، إنهم. وبإسناده: عن ابن سيرين، أنه حضر الجمعة، فأخر الأمير الصلاة، فأدمى ظفره، ثم قام فخرج، وأخذته السياط حتى خَّرج من المسجد. وعن عطاءٍ بن السائب: قال: رأيت سعيدٍ بن جبير وأبا البختري وأصحابه يومئون يوم الجمعة، والحجاج يخطب، وهم جلوسٌ. وعن محمد بن إسماعيل، قال: رأيت سعيد بن جبير وعطاء، وأخر الوليد الجمعة والعصر، فصلاهما جميعًا، قال: فأومئا إيماءً، ثم صليا معه بمنىً. وبإسناده: عن حميدٍ، أن الوليد بن عبد الملك خَّرج بمنىً بعد العصر، فخطب حتى صارت الشمس على رؤس الجبال، فنزل فصلى الظهر، ثم صلى العصر، ثم صلى المغرب. وروى بإسنادٍ له: عن سالم، أنه ذكر أن الوليد قدم عليهم المدينة، فما زال يخطب ويقرأ الليث حتى مضى وقت الجمعة، ثم مضى وقت العصر، فقال القاسم بن محمد لسالم: أما قمت فصليت؟ قال: لا. قال: أفما اومأت؟ قال: لا. وقال: خشيت أن يقال: رجل من آل عمر. وروى بإسناده: عن عمارة بن زاذان: حدثني مكحولٌ، قال: خطب الحجاج بمكة، وأنا إلى جنب ابن عمر، يحبس الناس بالصلاة، فرفع ابن عمر راسه، ونهض، وقال: يا معشر المسلمين، انهضوا إلى صلاتكم، ونهض الناس، ونزلالحجاج، فلما صلى قال: ويحكم، من هذا؟ قالوا: ابن عمر. قال: أما والله لولا أن به لممًا لعاقبته. وروى أبو نعيم في «كتاب الصلاة»: ثنا زهير، عن جابر –وهو: الجعفي -، عن نافع، قال: كان ابن عمر يصلي خلف الحجاج، فلما اخرهاترك الصلاة معه. وكان الحسن يأمر بالكف عن الإنكار عليهم، ثم غلبه الأمر فأنكر على الحجاج، وكان سبب اختفائه منه حتى مات الحجاج، والحسن متوار عنه بالبصرة. وقد روى أبو الفرج ابن الجوزي في كتاب «مناقب الحسن» بإسناد له، أن الحسن شهد الجمعة مع الحجاج، فرقى الحجاج المنبر، فأطال الخطبة حتى دخل في وقت العصر، فقال الحسن: أما من رجل يقول: الصلاة جامعةٌ؟ فقالَ رجل: يا أبا سعيدٍ، تأمرنا أن نتكلم والإمام يخطب؟ فقال: إنما أمرنا أن ننصت لهم فيما أخذوا من أمر ديننا، فإذا أخذوا في أمر دنياهم أخذنا في أمر ديننا، قوموا، فقام الحسن وقام الناس لقيام الحسن، فقطع الحجاج خطبته، ونزل فصلى بهم، فطلب الحجاج الحسن فلم يقدر عليه. وهذا كله مما يدل على اجتماع السلف الصالح على أن تأخير الجمعة إلى دخول وقت العصر حرام لا مساغ له في الإسلام. ولما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة صلى الجمعة في أول وقتها على ما كانت عليه السنة. فروى إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن مهاجرٍ، أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الجمعة في أول وقتها حين يفيء الفيء ذراعا ونحوه، وذلك في الساعة السابعة. وقال ابن عونٍ: كانوا يصلون الجمعة في خلافة عمر بن عبد العزيز والظل هنية. * * * ١٨ - باب المشي إلى الجمعة وقول الله ﷿: ﴿فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩] ومن قال: السعي العمل والذهاب، لقوله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا؟﴾ [الإسراء:١٩] . وقال ابن عباسٍ: يحرم البيع حينئذ. وقال عطاءٌ: تحرم الصناعات كلها. وقال إبراهيم بن سعدٍ، عن الزهري: إذا اذن المؤذن يوم الجمعة وهو مسافر، فعليه أن يشهد. اشتمل كلامه –هاهنا - على مسائل: إحداها: المشي إلى الجمعة، وله فضل. وفي حديث أوس بن أوس، عن النبي - ﷺ -: «من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشى ولم يركب» . وقد سبق. وفي حديث اختصام الملأ الأعلى، «إنهم يختصمون في الكفارات والدرجات، والكفارات إسباغ الوضوء في الكريهات، والمشي على الأقدام إلى الجمعات» . وقد خرّجه الإمام أحمد والترمذي من حديث معاذٍ. وله طرق كثيرة، ذكرتها مستوفاة في «شرح الترمذي» . وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ فيه انقطاعٌ، أن عبد الله بن رواحة كان يأتي الجمعة ماشيًا، فإذا رجع كيف شاء ماشيًا، وإن شاء راكبًا. وفي رواية: وكان بين منزلة وبين الجمعة ميلان. وعن أبي هريرة، أنَّهُ كان يأتي الجمعة من ذي الحليفة ماشيًا. وذكر ابن سعدٍ في «طبقاته» بإسناده، عن عمر بن عبد العزيز، أنه كتب ينهى أن يركب أحد إلى الجمعة والعيدين. وقال النخعي: لا يركب إلى الجمعة. المسألة الثانية: أنه يستحب المشي بالسكينة مع مقاربة الخطا، كما في سائر الصلوات، على ماسبق ذكره في موضعه. فأما قول الله ﷿: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:٩]، فقد حمله قوم من المتقدمين علىظاهره، وأنكر ذلك عليهم الصحابة. فروى البيهقي من حديث عبد الله بن الصامت، قال: خرجت إلى المسجد يوم الجمعة، فلقيت أبا ذر، فبينا أنا امشي اذ سمعت النداء، فرفعت في المشي؛ لقول الله ﷿: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فجذبني جذبة كدت أن ألاقيه، ثم قال: أو لسنا في سعي؟ . فقد أنكر أبو ذر على من فسر السعي بشدة الجري والعدو، وبين أن المشي إليها سعي؛ لأنه عمل، والعمل يسمى سعيًا، كم قال تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤]، وقال: ﴿؟وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء:١٩] ومثل هذا كثير في القرآن. وبهذا فسر السعي في هذه الآية التابعون فمن بعدهم، ومنهم: عطاءٍ، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، ومالك، والثوري، والشافعي وغيرهم. وروي عن ابن عباسٍ –أيضًا - من وجه منقطع. ومنهم من فسر السعي بالجري والمسابقة، لكنه حمله على سعي القلوب والمقاصد والنيات دون الأقدام، هذا قول الحسن. وجمع قتادة بين القولين –في روايةٍ -، فقال: السعي بالقلب والعمل. وكان عثمان وابن مسعودٍ وجماعة من الصحابة يقرءونها: «فامضوا إلى ذكر الله» . وقال النخعي: لو قرأتها «فسعوا» لسعيت حتى يسقط ردائي. وروي هذا الكلام عن ابن مسعودٍ من وجهٍ منقطعٍ. المسألة الثالثة: في تحريم البيع وغيره مما يشغل به عن السعي بعد النداء. وقد حكى عن ابن عباسٍ تحريم البيع وغيره. وروى القاضي إسماعيل في كتابه «أحكام القرآن» من روايةٍ سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لا يصلح البيع يوم الجمعة حين ينادى بالصلاة، فاذا قضيت الصلاة فاشتر وبع. وبإسناده: عن ميمون بن مهران، قال: كان بالمدينة إذا نودي بالصلاة من يوم الجمعة نادوا: حرم البيع، حرم البيع. وعن أيوب، قال: لأهل المدينة ساعة، وذلك عند خروج الإمام، يقولون: حرم البيع، حرم البيع. وعن عمر بن عبد العزيز، أنه كان يمنع الناس من البيع يوم الجمعة إذا نودي بالصلاة. وعن الحسن وعطاء والضحاك: تحريم البيع إذا زالت الشمس من يوم الجمعة. وعن الشعبي، أنه محرمٌ. وكذا قال مكحولٌ. وحكى إسحاق بن راهويه الإجماع على تحريم البيع بعد النداء. وحكى القاضي إسماعيل، عمن لم يسمه، أن البيع مكروه، وانه استدل بقوله ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الجمعة:٩] . ورد عليه: بأن من فعل ما وجب عليه وترك ما نهي عنه فهو خيرٌ له، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء:١٧١] . وحكي القول بأن البيع مردود عن القاسم بن محمد وربيعة ومالكٍ. ورواه ابن عيينة، عن عبد الكريم، عن مجاهد أو غيره. وهو مذهب الليث والثوري وإسحاق وأحمد وغيرهم من فقهاء أهل الحديث. وخالف فيه أبو حنيفة والشافعي واصحابهما وعبيد الله العنبري، وقالوا: البيع غير مردودٍ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيًا عنه لذاته بل لوقته. والأولون يقولون: النهي يقتضي فساد المنهي عنه، سواء كان لذات المنهي عنه أو لوقته، كالصوم يوم العيد، والصلاة وقت النهي، فكذلك العقود. وقال الثوري –فيما إذا تصارفا ذهبًا بفضة وقبضا البعض، ثم دخل وقت النداء يوم الجمعة -: فإنهما يترادان البيع. وهذا يدل على أن القبض عند شرط لانعقاد الصرف، فلا يتم العقد الا به، وهو الصحيح عند المحققين من أصحابنا –أيضًا. وأما ما ذكره عن عطاءٍ، أنه تحرم الصناعات حينئذ، فإنه يرجع إلى أنه إنما حرم البيع؛ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكر الله والصلاة، فكل ما قطع عن ذلك فهو محرم من صناعة أو غيرها، حتى الاكل والشرب والنوم والتحدث وغير ذلك، وهذا قول الشافعية وغيرهم –أيضًا. لكن لأصحابنا في بطلان غير البيع من العقود وجهان، فإن وقوعها بعد النداء نادر، بخلاف البيع، فإنه غالب، فلو لم يبطل لادى إلى الاشتغال عن الجمعة به، فتفوت الجمعة غالبًا. وأكثر أصحابنا حكوا الخلاف في جواز ذلك، وفيه نظرٌ؛ فإنه إذا وجب السعي إلى الجمعة حرم كل ما قطع عنه. وقد روي عن زيد بن أسلم، قال: لم يأمرهم الله أن يذروا شيئًا غيره، حرم البيع، ثم أذن لهم فيه إذا فرغوا. وهذا ضعيف جدا؛ فإن البيع إنما خص بالذكر لأنه أكثر ما يقع حينئذ مما يلهي عن السعي، فيشاركه في المعنى كل شاغل. وأستدل بعض أصحابنا على جواز غير البيع من العقود بالصدقة، وقال: قد أمر به النبي - ﷺ - وهو يخطب. وهذا لا يصح؛ فإن الصدقة قربة وطاعة، وإذا وقعت في المسجد حيث لا يكره السؤال فيه فلا وجه لمنعها. فإن الحق بذلك عقد النكاح في المسجد قبل خروج الإمام كان متوجهًا، مع أن بعض أصحابنا قد خص الخلاف بالنكاح، وهو ابن عقيل. وعن أحمد روايةٍ: إنه يحرم البيع بدخول وقت الوجوب، وهو زوال الشمس. وقد سبق مثله عن الحسن، وعطاء، والضحاك، وهو - أيضًا - قول مسروق، ومسلم بن يسارٍ، والثوري، وإسحاق. وقياس قولهم: إنه يجب السعي بالزوال، ويحرم حينئذ كل شاغلٍ يشغل عنه. والجمهور: على أنه لا يحرم بدون النداء. ثم الأكثرون منهم على أنه النداء الثاني الذي بين يدي الإمام؛ لأنه النداء الذي كان في عهد النبي - ﷺ -، فلا ينصرف النداء عند إطلاقه إلا إليه. وفي «صحيح الإسماعيلي» من حديث الزهري، عن السائب بن يزيد، قال: كان النداء الذي ذكر الله في القرآن يوم الجمعة إذا خَّرج الإمام، وإذا قامت الصلاة في زمن النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر. وعن أحمد روايةٌ: أنه حرم البيع ويجب السعي بالنداء الأول. وهو قول مقاتل بن حيان، قال: وقد كان النداء الأول قبل زوال الشمس. ونقله ابن منصورٍ، عن إسحاق بن راهويه –صريحًا. وعن أحمد، أنه قال: أخاف أن يحرم البيع، وإن أذن قبل الوقت. ومجرد الشروع في الأذان يحرم به البيع عند أصحابنا والشافعية؛ لأنه صار نداءً مشروعًا مسنونًا سنة الخلفاء الراشدين. قال أصحابنا: ولو اقتصر عليه اجزأ، وسقط فرض الأذان. وعند أصحاب الشافعي: يحرم البيع بمجرد الشروع في النداء الثاني بين يدي الإمام، إذا كان قاطعًا عن السعي، فأما إن فعله وهو ماش في الطريق ولم يقف، أو هو قاعد في المسجد كره ولم يحرم. وهذا بعيد، والتبايع في المسجد بعد الأذان يجتمع فيه نهيان؛ لزمانه ومكانه، فهو أولى بالتحريم. المسألة الرابعة: حكى عن الزهري: أن المسافر إذا سمع النداء للجمعة، فعليه أن يشهدها، وقد سبق ذكر ذلك عنه، وعن النخعي والأوزاعي وعن عطاءٍ: أن عليه شهودها، سمع الأذان أو لم يسمعه، وأن الجمهور على خلاف ذلك. وهل للمسافر أن يبيع ويشتري بعد سماع النداء؟ فيهِ اختلاف بين أصحابنا، يرجع إلى أن من سقطت عنه الجمعة لعذر، كالمريض: هل لهُ أن يبيع بعد النداء، أم لا؟ فيه روايتان عن أحمد. وأما من ليس من أهل الجمعة بالكلية، كالمرأة، فلها البيع والشراء بغير خلاف، وكذا العبد، إذا قلنا: لا يجب عليه الجمعة. خَّرج البخاري في هذا الباب ثلاثة أحاديث: الأول: ٩٠٧ -
فتح الباري لابن حجر · ابن حجر · ج٢ ص٣٨٨
ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هُوَ الْأَنْصَارِيُّ. قَوْلُهُ: (كَانَ النَّاسُ مَهَنَةً) بِنُونٍ وَفَتَحَاتٍ جَمْعُ مَاهِنٍ كَكَتَبَةٍ وَكَاتِبٍ أَيْ خَدَمَ أَنْفُسِهِمْ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَمَعْنَاهُ بِإِسْقَاطِ مَحْذُوفٍ أَيْ ذَوِي مِهْنَةٍ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ عَمَلٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ كُفَاةٌ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْ يَكْفِيهِمُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَدَمِ. قَوْلُهُ: (وَكَانُوا إِذَا رَاحُوا إِلَى الْجُمُعَةِ رَاحُوا فِي هَيْئَتِهِمْ) اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ رَاحُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الرَّوَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّوَاحِ فِي قَوْلِهِ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ رَاحَ الذَّهَابُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجَازًا أَوْ مُشْتَرَكًا، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَالْقَرِينَةُ مُخَصِّصَةٌ وَهِيَ فِي قَوْلِهِ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى قَائِمَةٌ فِي إِرَادَةِ مُطْلَقِ الذَّهَابِ، وَفِي هَذَا قَائِمَةٌ فِي الذَّهَابِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي فِي آخِرِ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا حَيْثُ قَالَتْ يُصِيبُهُمُ الْغُبَارُ وَالْعَرَقُ لِأَنَّ ذَلِكَ غَالِبًا إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَمَا يَشْتَدُّ الْحَرُّ، وَهَذَا فِي حَالِ مَجِيئِهِمْ مِنَ الْعَوَالِي، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا حِينَ الزَّوَالِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَعُرِفَ بِهَذَا تَوْجِيهُ إِيرَادِ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْبَابِ. (تنبيهٌ): أَوْرَدَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ طَرِيقَ عَمْرَةَ هَذِهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ أَصْلًا. قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ، عَنْ فُلَيْحٍ بِسَمَاعِ عُثْمَانَ لَهُ مِنْ أَنَسٍ. قَوْلُهُ: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ) فِيهِ إِشْعَارٌ بِمُوَاظَبَتِهِ ﷺ عَلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. وأَمَّا رِوَايَةُ حُمَيْدٍ الَّتِي بَعْدَ هَذَا عَنْ أَنَسٍ كُنَّا نُبَكِّرُ بِالْجُمُعَةِ وَنَقِيلُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ بَاكِرَ النَّهَارِ، لَكِنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى التَّعَارُضِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّبْكِيرَ يُطْلَقُ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ أَوْ تَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَءُونَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْقَيْلُولَةِ، بِخِلَافِ مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْحَرِّ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَقِيلُونَ ثُمَّ يُصَلُّونَ لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِيرَادِ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ طَرِيقَ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ عَقِبَ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ، وَسَيَأْتِي فِي التَّرْجَمَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ التَّعْبِيرِ بِالتَّبْكِيرِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: فَسَّرَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَنَسٍ الثَّانِيَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الْأَوَّلِ إِشَارَةً مِنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا. (تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: حَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ الْآثَارَ عَنِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي ذَلِكَ، وَتَعَقَّبَهُ بِحَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا وَهُوَ كَمَا قَالَ. الثَّانِي: لَمْ يَقَعِ التَّصْرِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ بِرَفْعِ حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّانِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ حُمَيْدٍ فَزَادَ فِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السَّاعَاتِ الْمَطْلُوبَةَ فِي الذَّهَابِ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ عِنْدِ الزَّوَالِ لِأَنَّهُمْ يَتَبَادَرُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْقَائِلَةِ. ١٧ - بَاب إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ٩٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ، هُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، يَعْنِي الْجُمُعَةَ. قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو خَلْدَةَ فَقَالَ بِالصَّلَاةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمُعَةَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا أَمِيرٌ الْجُمُعَةَ ثُمَّ قَالَ لِأَنَسٍ ﵁ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ. قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ) لَمَّا اخْتَلَفَ ظَاهِرُ النَّقْلِ عَنْ أَنَسٍ وَتَقَرَّرَ أَنَّ طَرِيقَ الْجَمْعِ أَنْ يُحْمَلَ الْأَمْرُ عَلَى اخْتِلَافِ الْحَالِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، جَاءَ عَنْ أَنَسٍ حَدِيثٌ آخَرُ يُوهِمُ خِلَافَ ذَلِكَ فَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لِأَجْلِهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو خَلْدَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَالْإِسْنَادُ كُلُّهُ بَصْرِيُّونَ. قَوْلُهُ: (بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ صَلَّاهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا. قَوْلُهُ: (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ) لَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِحُكْمِ التَّرْجَمَةِ لِلِاحْتِمَالِ الْوَاقِعِ فِي قَوْلِهِ يَعْنِي الْجُمُعَةَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ التَّابِعِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ، وَهُوَ ظَنٌّ مِمَّنْ قَالَهُ، وَالتَّصْرِيحُ عَنْ أَنَسٍ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْمَاضِيَةِ أَنَّهُ كَانَ يُبَكِّرُ بِهَا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْمُعَلَّقَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّ فِيهَا الْبَيَانَ بِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ إِنَّمَا أَخَذَهُ قَائِلُهُ مِمَّا فَهِمَهُ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ عِنْدَ أَنَسٍ حَيْثُ اسْتَدَلَّ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْجُمُعَةِ بِقَوْلِهِ كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ حَرَمِيٍّ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ أَنَسًا - وَنَادَاهُ يَزِيدُ الضَّبِّيُّ يَوْمَ جُمُعَةِ: يَا أَبَا حَمْزَةَ قَدْ شَهِدْتَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ؟ - فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ بَعْدَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَلَفْظُهُ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ مَعَ الْحَكَمِ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ عَلَى السَّرِيرِ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ وَزَادَ يَعْنِي الظُّهْرَ. وَالْحَكَمُ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيُّ كَانَ نَائِبًا عَنِ ابْنِ عَمِّهِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَانَ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ عَمِّهِ فِي تَطْوِيلِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَكَادَ الْوَقْتُ أَنْ يَخْرُجَ. وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو يَعْلَى قِصَّةَ يَزِيدَ الضَّبِّيِّ الْمَذْكُورِ وَإِنْكَارَهُ عَلَى الْحَكَمِ هَذَا الصَّنِيعَ وَاسْتِشْهَادَهُ بِأَنَسٍ وَاعْتِذَارَ أَنَسٍ، عَنِ الْحَكَمِ بِأَنَّهُ أَخَّرَ لِلْإِبْرَادِ، فَسَاقَهَا مُطَوَّلَةٌ فِي نَحْوِ وَرَقَةٍ. وَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْإِبْرَادَ بِالْجُمُعَةِ عِنْدَ أَنَسٍ إِنَّمَا هُوَ بِالْقِيَاسِ عَلَى الظُّهْرِ لَا بِالنَّصِّ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ بِشْرِ بْنِ ثَابِتٍ) وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَكَّرَ بِالظُّهْرِ، وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ أَبْرَدَ بِهَا وَعُرِفَ مِنْ طَرِيقِ الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ تَسْمِيَةُ الْأَمِيرِ الْمُبْهَمِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ، وَمِنْ رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَغَيْرِهِ سَبَبُ تَحْدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِذَلِكَ حَتَّى سَمِعَهُ أَبُو خَلْدَةَ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: نَحَا الْبُخَارِيُّ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِبْرَادِ بِالْجُمُعَةِ وَلَمْ يَبُتَّ الْحُكْمَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ يَعْنِي الْجُمُعَةَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ مِمَّا فَهِمَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَقْلِهِ، فَرَجَحَ عِنْدَهُ إِلْحَاقُهَا بِالظُّهْرِ، لِأَنَّهَا إِمَّا ظُهْرٌ وَزِيَادَةٌ أَوْ بَدَلٌ عَنِ الظُّهْرِ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ قَوْلُ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ لِأَنَسٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَجَوَابُ أَنَسٍ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْإِبْرَادَ يُشْرَعُ فِي الْجُمُعَةِ أُخِذَ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُشْرَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ، لِأَنَّهُ لَوْ شُرِعَ لَمَا كَانَ اشْتِدَادُ الْحَرِّ سَبَبًا لِتَأْخِيرِهَا، بَلْ كَانَ يُسْتَغْنَى عَنْهُ بِتَعْجِيلِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْجُمُعَةِ وَقْتُ الظُّهْرِ لِأَنَّ أَنَسًا سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي جَوَابِهِ، خِلَافًا لِمَنْ أَجَازَ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ. وَفِيهِ إِزَالَةُ التَّشْوِيشِ عَنِ الْمُصَلِّي بِكُلِّ طَرِيقٍ مُحَافَظَةً عَلَى الْخُشُوعِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ السَّبَبُ فِي مُرَاعَاةِ الْإِبْرَادِ فِي الْحَرِّ دُونَ الْبَرْدِ.