قِيلَ: وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فَهْمُ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الْأَوَّلُ مِنَ الثَّانِيَةِ أَوْ يَرْجِعُ إِلَى الْجَمِيعِ فَيَكُونَ كُلُّ قِيَامٍ دُونَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَرِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ تُعَيِّنُ هَذَا الثَّانِيَ، وَيُرَجِّحُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ الْقِيَامُ الْأَوَّلُ أَوَّلُ قِيَامٍ مِنَ الْأُولَى فَقَطْ لَكَانَ الْقِيَامُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ مَسْكُوتًا عَنْ مِقْدَارِهِمَا، فَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ فَائِدَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٩ - بَاب الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ
١٠٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ كَبَّرَ فَرَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ مِنْ الرَّكْعَةِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. ثُمَّ يُعَاوِدُ الْقِرَاءَةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ.
١٠٦٦ - وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ مُنَادِيًا بالصَّلَاةِ جَامِعَةٌ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ مِثْلَهُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ مَا صَنَعَ أَخُوكَ ذَلِكَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَا صَلَّى إِلَّا رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ الصُّبْحِ إِذْ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَجَلْ، إِنَّهُ أَخْطَأَ السُّنَّةَ. تَابَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْكُسُوفِ) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ لِلشَّمْسِ أَوِ الْقَمَرِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا ابْنُ نَمِرٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ دِمَشْقِيٌّ وَثَّقَهُ دُحَيْمٌ، وَالذُّهْلِيُّ، وَابْنُ الْبَرْقِيِّ وَآخَرُونَ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الْوَلِيدِ وَلَيْسَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ غَيرُ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (جَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الْجَهْرِ فِيهَا بِالنَّهَارِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ لَمْ يَرَ بِذَلِكَ عَلَى كُسُوفِ الْقَمَرِ، وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْوَلِيدِ بِلَفْظِ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَكَذَا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ الَّتِي بَعْدَهُ صَرِيحَةٌ فِي الشَّمْسِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ إِلَخْ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ فَذَكَرَهُ، وَأَعَادَ الْإِسْنَادَ إِلَى الْوَلِيدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ فَذَكَرَهُ، وَزَادَ فِيهِ مُسْلِمٌ طَرِيقَ كَثِيرِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَمِرٍ فِي الْجَهْرِ بِأَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَتِهِ الْجَهْرَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ، لَا سِيَّمَا وَالَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ الْجَهْرُ فِي رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مَزِيدٍ عَنْهُ، وَوَافَقَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ كَمَا تَرَى.
قَوْلُهُ: (قَالَ أَجَلْ) أَيْ نَعَمْ وَزْنًا وَمَعْنًى، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ أَجْلٍ بِسُكُونِ الْجِيمِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ:
إِنَّهُ أَخْطَأَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إِنَّهُ وَعَلَى الثَّانِي بِفَتْحِهَا.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَهْرِ) يَعْنِي بِإِسْنَادِهِ الْمَذْكُورِ، وَرِوَايَةُ سُلَيْمَانَ وَصَلَهَا أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ عَنْهُ بِلَفْظِ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ قَرَأَ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ الْحَدِيثَ، وَرَوَيْنَاهُ فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُخْتَصَرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَأَمَّا رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ فَوَصَلَهَا التِّرْمِذِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ بِلَفْظِ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا وَقَدْ تَابَعَهُمْ عَلَى ذِكْرِ الْجَهْرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عُقَيْلٌ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَهَذِهِ طُرُقٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا يُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْجَزْمَ بِذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِتَعْلِيلِ مَنْ أَعَلَّهُ بِتَضْعِيفِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ، فَلَوْ لَمْ يَرِدْ فِي ذَلِكَ إِلَّا رِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ لَكَانَتْ كَافِيَةً، وَقَدْ وَرَدَ الْجَهْرُ فِيهَا عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ بِهِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: يُسِرُّ فِي الشَّمْسِ وَيَجْهَرُ فِي الْقَمَرِ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَرَأَ نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ جَهَرَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَقْدِيرٍ، وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ بَعِيدًا مِنْهُ، لَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى بِجَنْبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكُسُوفِ فَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ حَرْفًا، وَوَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ أَسَانِيدُهَا وَاهِيَةٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَمُثْبِتُ الْجَهْرِ مَعَهُ قَدْرٌ زَائِدَةٌ فَالْأَخْذُ بِهِ أَوْلَى، وَإِنْ ثَبَتَ الْعَدَدُ فَيَكُونُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَهَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيِّ لَمْ يَسْمَعْ لَهُ صَوْتًا وَأَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَهْرِ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْجَهْرُ عِنْدِي أَوْلَى لِأَنَّهَا صَلَاةٌ جَامِعَةٌ يُنَادَى لَهَا وَيُخْطَبُ فَأَشْبَهَتِ الْعِيدَ وَالِاسْتِسْقَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَتْ أَبْوَابُ الْكُسُوفِ عَلَى أَرْبَعِينَ حَدِيثًا نِصْفُهَا مَوْصُولٌ وَنِصْفُهَا مُعَلَّقٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ، وَالْخَالِصُ ثَمَانِيَةٌ. وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ، وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ فِي الْعَتَاقَةِ، وَرِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ الْأُولَى أَطْوَلُ لَكِنَّهُ أَخْرَجَ أَصْلَهُ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خَمْسَةُ آثَارٍ فِيهَا أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَفِيهَا أَثَرُ عُرْوَةَ فِي تَخْطِئَتِهِ، وَهُمَا مَوْصُولَانِ.
﷽
١٧ - كِتَاب سُجُودِ الْقُرْآنِ
١ - باب مَا جَاءَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ وَسُنَّتِهَا
١٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَسْوَدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ، غَيْرَ شَيْخٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا.