وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: لِمَنْ شَاءَ.
قَوْلُهُ: (كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً) قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يُرِدْ نَفْيَ اسْتِحْبَابِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: سُنَّةً؛ أَيْ شَرِيعَةً وَطَرِيقَةً لَازِمَةً، وَكَأَنَّ الْمُرَادَ انْحِطَاطُ مَرْتَبَتِهَا عَنْ رَوَاتِبِ الْفَرَائِضِ، وَلِهَذَا لَمْ يَعُدَّهَا أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الرَّوَاتِبِ، وَاسْتَدْرَكَهَا بَعْضُهُمْ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهَا، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي بَابِ كَمْ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْأَذَانِ.
قَوْلُهُ: (الْيَزَنِيَّ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ، بَعْدَهَا نُونٌ، وَهُوَ مِصْرِيٌّ، وَكَذَا بَقِيَّةُ رِجَالِ الْإِسْنَادِ سِوَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ دَخَلَهَا.
قَوْلُه: (أَلَا أُعَجِّبُكَ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ مِنَ التَّعَجُّبِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ أَبِي تَمِيمٍ)؛ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ الْجَيْشَانِيُّ، بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ، بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مُخَضْرَمٌ، أَسْلَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ثُمَّ قَدِمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا، قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَقَدْ عَدَّهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ لِهَذَا الْإِدْرَاكِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ لَهُ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ (^١).
قَوْلُهُ: (يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: حِينَ يَسْمَعُ أَذَانَ الْمَغْرِبِ. وَفِيهِ: فَقُلْتُ لِعُقْبَةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْمِصَهُ، وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ، ثُمَّ مُهْمَلَةٍ؛ أَيْ أَعِيبُهُ.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ عُقْبَةُ إِلَخْ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّمَا تُسْتَحَبُّ الرَّكْعَتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ لِمَنْ كَانَ مُتَأَهِّبًا بِالطُّهْرِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، لِئَلَّا يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ إِيقَاعَهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْلَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ اسْتِحْبَابِهِمَا مَا لَمْ تُقَمِ الصَّلَاةُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِهِ فِي الْبَابِ السَّابِقِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَفْعَلْهُمَا أَحَدٌ بَعْدَ الصَّحَابَةِ، لِأَنَّ أَبَا تَمِيمٍ تَابِعِيٌّ، وَقَدْ فَعَلَهُمَا. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ، عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: مَا فَعَلْتُهُمَا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً حِينَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ أَحَادِيثُ جِيَادٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لِمَنْ شَاءَ فَمَنْ شَاءَ صَلَّى.
٣٦ - بَاب صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً
ذَكَرَهُ أَنَسٌ، وَعَائِشَةُ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١١٨٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا فِي وَجْهِهِ مِنْ بِئْرٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ.
١١٨٦ - فَزَعَمَ مَحْمُودٌ أَنَّهُ سَمِعَ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الْأَنْصارِيَّ ﵁، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بِبَنِي سَالِمٍ وَكَانَ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ وَادٍ إِذَا جَاءَتْ الْأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ قِبَلَ مَسْجِدِهِمْ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي وَإِنَّ الْوَادِيَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي يَسِيلُ إِذَا جَاءَتْ الْأَمْطَارُ فَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ فَوَدِدْتُ أَنَّكَ تَأْتِي فَتُصَلِّي مِنْ بَيْتِي مَكَانًا
_________
(^١) ليس الرد عليه بظاهر، لأن البخاري ﵀ لم يخرج عن تميم هنا خبرا مرفوعا ولا موقوفا، وإنما وقع ذكره في أثناء الرواية من غير احتجاج به. والله أعلم.
أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَفْعَلُ فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ﵁ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ وَصَفَفْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ، فَحَبَسْتُهُ عَلَى خَريز يُصْنَعُ لَهُ، فَسَمِعَ أَهْلُ الدَّارِ أن رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَثَابَ رِجَالٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرَ الرِّجَالُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَا فَعَلَ مَالِكٌ لَا أَرَاهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: ذَاكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَقُلْ ذَاكَ، أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، أَمَّا نَحْنُ فَوَاللَّهِ ما
نَرَى وُدَّهُ وَلَا حَدِيثَهُ إِلَّا إِلَى الْمُنَافِقِينَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ مَحْمُودُ: فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَتِهِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، فَأَنْكَرَهَا عَلَيَّ أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا قُلْتَ قَطُّ، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَجَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي حَتَّى أَقْفُلَ مِنْ غَزْوَتِي أَنْ أَسْأَلَ عَنْهَا عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ إِنْ وَجَدْتُهُ حَيًّا فِي مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَقَفَلْتُ فَأَهْلَلْتُ بِحَجَّةٍ أَوْ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ سِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ بَنِي سَالِمٍ، فَإِذَا عِتْبَانُ شَيْخٌ أَعْمَى يُصَلِّي لِقَوْمِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرْتُهُ مَنْ أَنَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
قَوْلُهُ: (بَابُ صَلَاةِ النَّوَافِلِ جَمَاعَةً) قِيلَ: مُرَادُهُ النَّفْلُ الْمُطْلَقُ، وَيَحْتَمِلُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (ذَكَرَهُ أَنَسٌ، وَعَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ، فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهِ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، وَفِيهِ: فَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ. الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصُّفُوفِ وَغَيْرِهَا. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ، فَأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِهَا فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ بِاللَّيْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ التَّحْرِيضِ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قِيلَ: هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَعَ فِي مُسْنَدِهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، لَكِنْ فِي لَفْظِهِ مُخَالَفَةٌ يَسِيرَةٌ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إِسْحَاقُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فِيهِ هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ) التَّعْبِيرُ بِالْإِخْبَارِ قَرِينَةٌ فِي كَوْنِ إِسْحَاقَ هُوَ ابْنُ رَاهْوَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَبِّرُ عَنْ شُيُوخِهِ إِلَّا بِذَلِكَ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَأَبِي الْوَقْتِ وَغَيْرِهِمَا بِلَفْظِ التَّحْدِيثِ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَذْكُورُ هُوَ ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَعَقَلَ مَجَّةً) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ.
قَوْلُهُ: (كَانَ فِي دَارِهِمْ)؛ أَيِ الدَّلْوُ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ كَانَتْ أَيِ الْبِئْرُ.
قَوْلُهُ: (فَزَعَمَ مَحْمُودٌ)؛ أَيْ أَخْبَرَ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الزَّعْمِ عَلَى الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: (فَيَشُقُّ عَلَيَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: فَشَقَّ بِصِيغَةِ الْمَاضِي.
قَوْلُهُ: (أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ نُصَلِّيَ) بِصِيغَةِ الْجَمْعِ كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالْإِفْرَادِ.
قَوْلُهُ: (مَا فَعَلَ مَالِكٌ؟) هُوَ ابْنُ الدَّخْشَنِ.
قَوْلُهُ: (لَا أَرَاهُ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الرُّؤْيَةِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ) أَيْ بِالْإِسْنَادِ الْمَاضِي (فَحَدَّثْتُهَا قَوْمًا)؛ أَيْ رِجَالًا (فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ)؛ هُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ.