HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب لا يقبل الله صدقة من غلول

رقم الحديث 1410

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ. وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج2 ص108
ج 2 ص 108

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في 7 مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
فتح الباري · ابن حجر · ج3 ص278
وَأَخْرَجَهُ الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي كَامِلٍ أَحَدِ مَشَايِخِ مُسْلِمٍ فِيهِ بِلَفْظِ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إِلَّا بِطُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ. وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ) هَذَا لِلْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، الْآتِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -: حَلِيمٌ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: جَرَى الْمُصَنِّفُ عَلَى عَادَتِهِ فِي إِيثَارِ الْخَفِيِّ عَلَى الْجَلِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ لَمَّا تَبِعَتْهَا سَيِّئَةُ الْأَذَى بَطَلَتْ، وَالْغُلُولُ أَذًى إِنْ قَارَنَ الصَّدَقَةَ أَبْطَلَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، أَوْ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْمَعْصِيَةَ اللَّاحِقَةَ لِلطَّاعَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِهَا تُبْطِلُ الطَّاعَةَ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الصَّدَقَةُ بِعَيْنِ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ الْغَالَّ فِي دَفْعِهِ الْمَالَ إِلَى الْفَقِيرِ غَاصِبٌ مُتَصَرِّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَكَيْفَ تَقَعُ الْمَعْصِيَةُ طَاعَةً مُعْتَبَرَةً وَقَدْ أَبْطَلَتِ الْمَعْصِيَةُ الطَّاعَةَ الْمُحَقَّقَةَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهَا؟ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْأَذَى أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْمُتَصَدِّقِ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أَوِ إِيذَائِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْغُلُولِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَقَدْ لَا يُسَلَّمُ هَذَا فِي مَعْنَى الْآيَةِ لِبُعْدِهِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَذَى فِي الْآيَةِ إِنَّمَا هُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الْمَسْئُولِ لِلسَّائِلِ، فَإِنَّهُ عُطِفَ عَلَى الْمَنِّ وَجُمِعَ مَعَهُ بِالْوَاوِ. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُتَصَدَّقَ بِهِ غُلُولٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ نَحْوُهُ تَأَذَّى بِذَلِكَ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، كَمَا قَاءَ أَبُو بَكْرٍ اللَّبَنَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ غَيْرِ طَيِّبٍ، وَقَدْ صَدَقَ عَلَى الْمُتَصَدِّقِ أَنَّهُ مُؤْذٍ لَهُ بِتَعْرِيضِهِ لِكُلِّ مَا لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَقْبَلْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فَسَّرَهُ بِالرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أَيْ: عَفْوٌ عَنِ السَّائِلِ إِذَا وَجَدَ مِنْهُ مَا يَثْقُلُ عَلَى الْمَسْئُولِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ بِسَبَبِ الرَّدِّ الْجَمِيلِ، وَقِيلَ: عَفْوٌ مِنْ جِهَةِ السَّائِلِ أَيْ مَعْذِرَةٌ مِنْهُ لِلْمَسْئُولِ لِكَوْنِهِ رَدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا. وَالثَّانِي أَظْهَرُ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحْبُطُ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى بَعْدَ أَنْ تَقَعَ سَالِمَةً، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَعَلَّ قَبُولَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى سَلَامَتِهَا مِنَ الْمَنِّ وَالْأَذَى، فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ عُدِمَ الشَّرْطُ فَعُدِمَ الْمَشْرُوطُ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْإِبْطَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَنْبِيهَانِ): الْأَوَّلُ دَلَّ قَوْلُهُ: لَا تُقْبَلُ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ أَنَّ الْغَالَّ لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ إِلَّا بِرَدِّ الْغُلُولِ إِلَى أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ (^١) إِذَا جَهِلَهُمْ مَثَلًا، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ حَقِّ الْغَانِمِينَ، فَلَوْ جُهِلَتْ أَعْيَانُهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِهِمْ. الثَّانِي: وَقَعَ هُنَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ، وَابْنِ شَبُّوَيْهِ بَابُ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وَعَلَى هَذَا فَتَخْلُو التَّرْجَمَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذَا مِنَ الْحَدِيثِ، وَتَكُونُ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْآيَةِ، لَكِنْ تَزِيدُ عَلَيْهَا بِالْإِشَارَةِ إِلَى لَفْظِ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي التَّرْجَمَةِ. وَمُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلَّتِي قَبْلَهَا مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، لِأَنَّهُ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، فَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَا لَيْسَ بِطَيِّبٍ لَا يُقْبَلُ، وَالْغُلُولُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ غَيْرِ الطَّيِّبِ فَلَا يُقْبَلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ إِنْ كَانَ بَابُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَالتَّقْدِيرُ: هَذَا بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَإِنْ كَانَ مُنَوَّنًا فَمَا بَعْدَهُ مُبْتَدَأٌ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: الصَّدَقَةُ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ مَقْبُولَةٌ أَوْ يُكْثِرُ اللَّهُ ثَوَابَهَا. وَمَعْنَى الْكَسْبِ الْمَكْسُوبُ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ تَعَاطِي التَّكَسُّبِ أَوْ حُصُولِ الْمَكْسُوبِ بِغَيْرِ تَعَاطٍ كَالْمِيرَاثِ. وَكَأَنَّهُ ذَكَرَ الْكَسْبَ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِي تَحْصِيلِ الْمَالِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّيِّبِ الْحَلَالُ، لِأَنَّهُ صِفَةُ الْكَسْبِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَصْلُ الطَّيِّبِ الْمُسْتَلَذُّ بِالطَّبْعِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمُطْلَقِ بِالشَّرْعِ وَهُوَ الْحَلَالُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: الصَّدَقَةُ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ. فَقَدِ اعْتَرَضَهُ ابْنُ التِّينِ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ تَكْثِيرَ أَجْرِ الصَّدَقَةِ لَيْسَ عِلَّةً لِكَوْنِ الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، بَلِ الْأَمْرُ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ سَبَبٌ لِتَكْثِيرِ الْأَجْرِ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَكَانَ الْأَبْيَنُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وَقَالَ ابنُ بَطَّالٍ: لَمَّا كَانَتِ الْآيَةُ مُشْتَمِلَةً عَلَى أَنَّ الرِّبَا يَمْحَقُهُ اللَّهُ لِأَنَّهُ حَرَامٌ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الَّتِي تُتَقَبَّلُ لَا تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَمْحُوقِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَفْظُ الصَّدَقَاتِ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ وَمِنْ غَيْرِهِ، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالصَّدَقَاتِ الَّتِي مِنَ الْكَسْبِ الطَّيِّبِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، نَحْوَ: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قَوْلُهُ: (بِعَدْلِ تَمْرَةٍ) أَيْ بِقِيمَتِهَا، لِأَنَّهُ بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ، وَبِالْكَسْرِ الْحِمْلُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ، هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: بِالْفَتْحِ الْمِثْلُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَبِالْكَسْرِ مِنْ جِنْسِهِ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ مِثْلُهُ فِي الْقِيمَةِ، وَبِالْكَسْرِ فِي النَّظَرِ. وَأَنْكَرَ الْبَصْرِيُّونَ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: هُمَا بِمَعْنًى كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْمِثْلِ لَا يَخْتَلِفُ. وَضُبِطَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ) فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ الْآتِي ذِكْرُهَا: وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّا الطَّيِّبُ. وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ لِتَقْرِيرِ مَا قَبْلَهُ، زَادَ سُهَيْلٌ فِي رِوَايَتِهِ الْآتِي ذِكْرُهَا: فَيَضَعُهَا فِي حَقِّهَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَإِنَّمَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّدَقَةَ بِالْحَرَامِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمُتَصَدِّقِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَالْمُتَصَدَّقُ بِهِ مُتَصَرَّفٌ فِيهِ، فَلَوْ قُبِلَ مِنْهُ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَأْمُورًا مَنْهِيًّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحَالٌ. قَوْلُهُ: (يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ) فِي رِوَايَةِ سُهَيْلٍ: إِلَّا أَخَذَهَا بِيَمِينِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْآتِي ذِكْرُهَا: فَيَقْبِضُهَا وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ: فَيَتَلَقَّاهَا الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ. قَوْلُهُ: (فَلُوَّهُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَهُوَ الْمُهْرُ لِأَنَّهُ يُفْلَى أَيْ: يُفْطَمُ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ فَطِيمٍ مِنْ ذَاتِ حَافِرٍ، وَالْجَمْعُ أَفْلَاءٌ كَعَدُوٍّ وَأَعْدَاءٍ. وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ: إِذَا فَتَحْتَ الْفَاءَ شَدَّدْتَ الْوَاوَ، وَإِذَا كَسَرْتَهَا سَكَّنْتَ اللَّامَ كَجِرْوٍ. وَضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ لِأَنَّهُ يَزِيدُ زِيَادَةً بَيِّنَةً، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ نِتَاجُ الْعَمَلِ، وَأَحْوَجُ مَا يَكُونُ النِّتَاجُ إِلَى التَّرْبِيَةِ إِذَا كَانَ فَطِيمًا، فَإِذَا أَحْسَنَ الْعِنَايَةَ بِهِ انْتَهَى إِلَى حَدِّ الْكَمَالِ، وَكَذَلِكَ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ - لَا سِيَّمَا _________ (^١) كذا في الأصل الذي بأيدينا، ولعله "لا بأن يتصدق به" فتأمل، والله أعلم الصَّدَقَةُ - فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَصَدَّقَ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لَا يَزَالُ نَظَرُ اللَّهِ إِلَيْهَا يُكْسِبُهَا نَعْتَ الْكَمَالِ حَتَّى تَنْتَهِيَ بِالتَّضْعِيفِ إِلَى نِصَابٍ تَقَعُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَدَّمَ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ التَّمْرَةِ إِلَى الْجَبَلِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: فَلُوَّهُ أَوْ مُهْرَهُ، وَلِعَبْدِ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ: مُهْرَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عِنْدَ الْبَزَّارِ: مُهْرَهُ أَوْ رَضِيعَهُ أَوْ فَصِيلَهُ، وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: فَلُوَّهُ أَوْ قَالَ: فَصِيلَهُ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَوْ لِلشَّكِّ. قَالَ الْمَازِرِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَشِبْهُهُ إِنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَلَى مَا اعْتَادُوا فِي خِطَابِهِمْ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ فَكَنَّى عَنْ قَبُولِ الصَّدَقَةِ بِالْيَمِينِ، وَعَنْ تَضْعِيفِ أَجْرِهَا بِالتَّرْبِيَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَمَّا كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُرْتَضَى يُتَلَقَّى بِالْيَمِينِ، وَيُؤْخَذُ بِهَا اسْتُعْمِلَ فِي مِثْلِ هَذَا، وَاسْتُعِيرَ لِلْقَبُولِ لِقَوْلِ الْقَائِلِ: تَلَقَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِينِ أَيْ هُوَ مُؤَهَّلٌ لِلْمَجْدِ وَالشَّرَفِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْجَارِحَةَ (^١)، وَقِيلَ: عَبَّرَ بِالْيَمِينِ عَنْ جِهَةِ الْقَبُولِ، إِذِ الشِّمَالُ بِضِدِّهِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ يَمِينُ الَّذِي تُدْفَعُ إِلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَأَضَافَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةَ مِلْكٍ وَاخْتِصَاصٍ لِوَضْعِ هَذِهِ الصَّدَقَةِ فِي يَمِينِ الْآخِذِ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ سُرْعَةُ الْقَبُولِ، وَقِيلَ: حُسْنُهُ. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: الْكِنَايَةُ عَنِ الرِّضَا وَالْقَبُولِ بِالتَّلَقِّي بِالْيَمِينِ لِتَثْبِيتِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ مِنَ الْأَذْهَانِ وَتَحْقِيقِهَا فِي النُّفُوسِ تَحْقِيقَ الْمَحْسُوسَاتِ، أَيْ لَا يَتَشَكَّكُ فِي الْقَبُولِ كَمَا لَا يَتَشَكَّكُ مَنْ عَايَنَ التَّلَقِّيَ لِلشَّيْءِ بِيَمِينِهِ، لَا أَنَّ التَّنَاوُلَ كَالتَّنَاوُلِ الْمَعْهُودِ، وَلَا أَنَّ الْمُتَنَاوِلَ بِهِ جَارِحَةٌ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ نُؤْمِنُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَلَا نَتَوَهَّمُ فِيهَا تَشْبِيهًا وَلَا نَقُولُ كَيْفَ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الرَّدُّ عَلَيْهِمْ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ. وَلِابْنِ جَرِيرٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ: حَتَّى يُوَافِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ. يَعْنِي التَّمْرَةَ. وَهِيَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ: حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ، قَالَ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ تِلَاوَةَ الْآيَةِ مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ أَيْضًا: فَتَصَدَّقُوا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعِظَمِهَا أَنَّ عَيْنَهَا تَعْظُمُ لِتَثْقُلَ فِي الْمِيزَانِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُعَبَّرًا بِهِ عَنْ ثَوَابِهَا. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ) هُوَ ابْنُ بِلَالٍ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ) أَيْ: عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهَذِهِ الْمُتَابَعَةُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْحِيدِ فَقَالَ: وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ فَسَاقَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةً فِي اللَّفْظِ يَسِيرَةً، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَالْجَوْزَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ. وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ كُلَّهُ، وَهَذَا إِنْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ حَفِظَهُ فَلِسُلَيْمَانَ فِيهِ شَيْخَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَقَدْ غَفَلَ صَاحِبُ الْأَطْرَافِ فَسَوَّى بَيْنَ رِوَايَتَيِ الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ وَرْقَاءُ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ (عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) يَعْنِي أَنَّ وَرْقَاءَ خَالَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ، فَجَعَلَ شَيْخَ ابْنِ دِينَارٍ فِيهِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ بَدَلَ أَبِي صَالِحٍ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ وَرْقَاءَ هَذِهِ مَوْصُولَةً، وَقَدْ أَشَارَ الدَّاوُدِيُّ _________ (^١) هذ التأويلات ليس لها وجه، والصواب إجراء الحديث على ظاهره، وليس في ذلك بحمد الله محذوف عند أهل السنة والجماعة لأن عقيدتهم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة من أسماء الله سبحانه وصفاته، وإثبات ذلك لله على وجه الكمال مع تنزيهه تعالى عن مشابهة المخلوقات، وهذا هو الحق الذي لا يجوز العدول عنه. وفي هذا الحديث دلالة على إثبات اليمين لله سبحانه وعلى أنه يقبل الصدقة عن الكسب الطيب ويضاعفها. وانظر ما يأتي من كلام الإمام الترمذي يتضح لك ما ذكرته آنفا. والله الموفق إِلَى أَنَّهَا وَهَمٌ لِتَوَارُدِ الرُّوَاةِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ دُونَ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، وَلَيْسَ مَا قَالَ بِجَيِّدٍ، لِأَنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا.