قَوْلُهُ: (ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَالْجُرْجَانِيِّ، وَلِغَيْرِهِمَا: طَوَافًا وَاحِدًا. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ، قَالَهُ عِيَاضٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اسْتَشْكَلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَمْرَهُ لَهَا بِنَقْضِ رَأْسِهَا ثُمَّ بِالِامْتِشَاطِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَتَأَوَّلُهُ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَدَعَ الْعُمْرَةَ وَتُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَتَصِيرَ قَارِنَةً. قَالَ: وَهَذَا لَا يُشَاكِلُ الْقِصَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّ مَذْهَبَهَا أَنَّ الْمُعْتَمِرَ إِذَا دَخَلَ مَكَّةَ اسْتَبَاحَ مَا يَسْتَبِيحُهُ الْحَاجُّ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ، قَالَ: وَهَذَا لَا يُعْلَمُ وَجْهُهُ. وَقِيلَ: كَانَتْ مُضْطَرَّةً إِلَى ذَلِكَ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَقْضُ رَأْسِهَا كَانَ لِأَجْلِ الْغُسْلِ لِتُهِلَّ بِالْحَجِّ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتْ مُلَبِّدَةً فَتَحْتَاجُ إِلَى نَقْضِ الضَّفْرِ. وَأَمَّا الِامْتِشَاطُ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ تَسْرِيحُهَا شَعْرَهَا بِأَصَابِعِهَا بِرِفْقٍ حَتَّى لَا يَسْقُطَ مِنْهُ شَيْءٌ، ثُمَّ تُضَفِّرُهُ كَمَا كَانَ.
٣٢ - بَاب مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
١٥٥٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ ﵁: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا ﵁ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَذَكَرَ قَوْلَ سُرَاقَةَ.
[الحديث ١٥٥٧ - أطرافه في: ١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١، ١٧٨٥، ٢٥٠٦، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧]
١٥٥٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ الْهُذَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ الْأَصْفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ مَعِي الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. وزاد محمد بن بكر عن ابن جريج: قال له النبي ﷺ: بما أهللت يا علي؟ قال: بما أهل به النبي ﷺ. قال: فأهد، وامكث حراما كما أنت.
١٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمٍ بِالْيَمَنِ، فَجِئْتُ وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ، فَقَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟ قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ قُلْتُ: لَا. فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْتُ، فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي، فَقَدِمَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ؛ قَالَ اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى نَحَرَ الْهَدْيَ.
[الحديث ١٥٥٨ - أطرافه في: ١٥٦٥، ١٧٤٣، ١٧٩٥، ٤٣٤٦، ٤٣٩٧]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ أَهَلَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَيْ فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَجَازَ الْإِحْرَامُ عَلَى الْإِبْهَامِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ جَوَازُ تَعْلِيقِهِ إِلَّا عَلَى فِعْلِ مَنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَعْرِفُهُ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثَيِ الْبَابِ، وَأَمَّا مُطْلَقُ الْإِحْرَامِ عَلَى الْإِبْهَامِ فَهُوَ جَائِزٌ، ثُمَّ يَصْرِفُهُ الْمُحْرِمُ لِمَا شَاءَ لِكَوْنِهِ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ؛ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ
لَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ عَلَى الْإِبْهَامِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ. قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: وَكَأَنَّهُ مَذْهَبُ الْبُخَارِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ بِالتَّرْجَمَةِ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِذَلِكَ الزَّمَنِ، لِأَنَّ عَلِيًّا، وَأَبَا مُوسَى لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمَا أَصْلٌ يَرْجِعَانِ إِلَيْهِ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِحْرَامِ، فَأَحَالَاهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدِ اسْتَقَرَّتِ الْأَحْكَامُ وَعُرِفَتْ مَرَاتِبُ الْإِحْرَامِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَ الْإِشَارَةَ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِزَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يُشِيرُ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ مَوْصُولًا فِي بَابِ بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي مِنْ طَرِيقِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثًا: فَقَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: بِمَا أَهْلَلْتَ فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ؟ قَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْحَدِيثَ. وإِنَّمَا قَالَ لَهُ: فَإِنَّ مَعَنَا أَهْلَكَ لِأَنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ قَدْ تَمَتَّعَتْ بِالْعُمْرَةِ وَأَحَلَّتْ كَمَا بَيَّنَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَمَرْوَانُ الْأَصْفَرُ يُقَالُ: اسْمُ أَبِيهِ خَاقَانَ، وَهُوَ أَبُو خَلَفٍ الْبَصْرِيُّ، وَرَوَى أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَهُوَ مِنْ أَفْرَادِ الصَّحِيحِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ: لَا أَعْلَمُ رُوَاةً عَنْ سَلِيمِ بْنِ حَيَّانَ غَيْرَ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ.
قَوْلُهُ: (قَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ) سَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي ذِكْرُ سَبَبِ بَعْثِ عَلِيٍّ إِلَى الْيَمَنِ وَأَنَّ ذَلِكَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ.
قوله (وزاد محمد بن بكر عن ابن جريج)؛ يعني عن عطاء عن جابر، ثبت هذا التعليق في رواية أبي ذر. وقد وصله الإسماعيلي من طريق محمد بن بشار، وأبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء؛ كلاهما عن محمد بن بكر به. وسيأتي معلقا أيضا في المغازي من هذا الوجه مقرونا بطريق مكي بن إبراهيم أيضا هناك أتم، والمذكور في كل من الموضعين قطعة من الحديث، وأورد بقيته بهذين السندين معلقا وموصولا في كتاب الاعتصام. والمراد بقوله في طريق مكي: وذكر قول سراقة أي سؤاله أعمرتنا لعامنا هذا أو للأبد؟ قال: بل للأبد. وسيأتي موصولا في أبواب العمرة من وجه آخر عن عطاء عن جابر.
قوله: (وامكث حراما كما أنت) في حديث ابن عمر المشار إليه قال: فأمسك، فإن معنا هديا.
قَوْلُهُ: (عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ: سَمِعَتُ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِي مُوسَى) هُوَ الْأَشْعَرِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ الْمَذْكُورَةِ: حَدَّثَنِي أَبُو مُوسَى.
قَوْلُهُ: (بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمِي بِالْيَمَنِ) سَيَأْتِي تَحْرِيرُ وَقْتِ ذَلِكَ وَسَبَبُهُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي.
قَوْلُهُ: (وَهُوَ بِالْبَطْحَاءِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ قَيْسٍ الْآتِيَةِ فِي بَاب مَتَى يُحِلُّ الْمُعْتَمِرُ؟ مُنِيخٌ؛ أَيْ نَازِلٌ بِهَا، وَذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ قُدُومِهِ.
قَوْلُهُ: (بِمَا أَهْلَلْتَ؟) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ فَقَالَ: أَحَجَجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِمَا أَهْلَلْتَ؟.
قَوْلُهُ: (قُلْتُ: أَهْلَلْتُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: أَحْسَنْتَ.
قَوْلُهُ: (فَأَمَرَنِي فَطُفْتُ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
قَوْلُهُ: (فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ: امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ، وَالْمتُبَادَرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنْ هَذَا الْإِطْلَاقِ أَنَّهَا مِنْ قَيْسِ عيلَانَ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَشْعَرِيِّينَ نِسْبَةٌ، لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ عَائِذٍ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ، وَظَهَرَ لِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَيْسٍ، قَيْسُ بْنُ سُلَيْمٍ وَالِدُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ زَوْجُ بَعْضِ إِخْوَتِهِ، وَكَانَ لِأَبِي مُوسَى مِنَ الْإِخْوَةِ أَبُو رُهْمٍ، وَأَبُو بُرْدَةَ، قِيلَ: وَمُحَمَّدٌ.
قَوْلُهُ: (أَوْ غَسَلَتْ رَأْسِي) كَذَا فِيهِ بِالشَّكِّ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ بِلَفْظِ: وَغَسَلَتْ رَأْسِي؛ بِوَاوِ الْعَطْفِ.
قَوْلُهُ: (فَقَدِمَ عُمَرُ) ظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ قُدُومَ عُمَرَ كَانَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْبُخَارِيُّ اخْتَصَرَهُ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَيْضًا بَعْدَ قَوْلِهِ:
وَغَسَلَتْ رَأْسِي، فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِذَاكَ فِي إِمَارَةِ أَبِي بَكْرٍ وَإِمَارَةِ عُمَرَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ بِالْمَوْسِمِ إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ، فَذَكَرَ القصة؛ وَفِيهِ: فَلَمَّا قَدِمَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هَذَا الَّذِي أَحْدَثْتَ فِي شَأْنِ النُّسُكِ؟ فَذَكَرَ جَوَابَهُ. وَقَدِ اخْتَصَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، لَكِنَّهُ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا، وَلَفْظُهُ: فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ حَتَّى كَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنْ أَخَذْنَا، الْحَدِيثَ. وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بِبَعْضِ فُتْيَاكَ، الْحَدِيثَ. وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَبْيِينُ عُمَرَ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا كَرِهَ التَّمَتُّعَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، وَلَكِنْ كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا مُعَرِّسِينَ بِهِنَّ - أَيْ بِالنِّسَاءِ - ثُمَّ يَرُوحُوا فِي الْحَجِّ تَقْطُرُ رُءُوسُهُمْ، انْتَهَى. وَكَانَ مِنْ رَأْيِ عُمَرَ عَدَمُ التَّرَفُّهِ لِلْحَجِّ بِكُلِّ طَرِيقٍ، فَكَرِهَ لَهُمْ قُرْبَ عَهْدِهِمْ بِالنِّسَاءِ لِئَلَّا يَسْتَمِرَّ الْمَيْلُ إِلَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِهِ، وَمَنْ يُفْطَمْ يَنْفَطِمْ.
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: افْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ، فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ نَأْخُذَ بِكِتَابِ اللَّهِ. . . إِلَخْ) مُحَصَّلُ جَوَابِ عُمَرَ فِي مَنْعِهِ النَّاسَ مِنْ التَّحَلُّلِ بِالْعُمْرَةِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ دَالٌّ عَلَى مَنْعِ التَّحَلُّلِ لِأَمْرِهِ بِالْإِتْمَامِ، فَيَقْتَضِي اسْتِمْرَارَ الْإِحْرَامِ إِلَى فَرَاغِ الْحَجِّ، وَأَنَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، لَكِنَّ الْجَوَابَ عَنْ ذَلِكَ مَا أَجَابَ بِهِ هُوَ ﷺ، حَيْثُ قَالَ: وَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ. فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِحْلَالِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَتَبَيَّنَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَ مِنْهُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ. وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: قِيلَ: إِنَّ الْمُتْعَةَ الَّتِي نَهَى عَنْهَا عُمَرُ فَسْخُ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَقِيلَ: الْعُمْرَةُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ، وَعَلَى الثَّانِي إِنَّمَا نَهَى عَنْهَا تَرْغِيبًا فِي الْإِفْرَادِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهَا وَتَحْرِيمَهَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْفَسْخِ، وَلِهَذَا كَانَ يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَيْهَا كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِنَاءً عَلَى مُعْتَقَدِهِ أَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي هِيَ الِاعْتِمَارُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ الْحَجُّ مِنْ عَامِهِ، وَهُوَ عَلَى التَّنْزِيهِ لِلتَّرْغِيبِ فِي الْإِفْرَادِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّمَتُّعِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَنَفْيِ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَفْضَلِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَتَمَسَّكَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْفَسْخِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ مُسْلِمٍ: إِنَّ اللَّهَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي قِصَّةِ أَبِي مُوسَى وَعَلِيٍّ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيقِ الْإِحْرَامِ بِإِحْرَامِ الْغَيْرِ مَعَ اخْتِلَافِ آخِرِ الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّحَلُّلِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى لَمْ يَكُنْ مِعهُ هَدْيٌ، فَصَارَ لَهُ حُكْمُ النَّبِيِّ ﷺ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، وَقَدْ قَالَ: لَوْلَا الْهَدْيُ لَأَحْلَلْتُ؛ أَيْ وَفَسَخْتُ الْحَجَّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَمَا فَعَلَهُ أَصْحَابُهُ بِأَمْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَكَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِالْبَقَاءِ عَلَى إِحْرَامِهِ وَصَارَ مِثْلُهُ قَارِنًا. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَعِيَاضٌ بِتَأْوِيلَيْنِ غَيْرِ مُرْضِيَّيْنِ، انْتَهَى. فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْخَطَّابِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: فِعْلُ أَبِي مُوسَى يُخَالِفُ فِعْلَ عَلِيٍّ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ ﷺ؛ أَيْ كَمَا يُبَيِّنُهُ لِي وَيُعَيِّنُهُ لِي مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُحْرِمُ بِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُحِلَّ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ.
وَأَمَّا تَأْوِيلُ عِيَاضٍ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَكُنْتُ أُفْتِي النَّاسَ بِالْمُتْعَةِ؛ أَيْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَالْحَامِلُ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُهُمَا أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُفْرِدًا مَعَ قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ؛ أن فَسَخْتُ الْحَجَّ وَجَعَلْتُهُ عُمْرَةً، فَلِهَذَا أَمَرَ أَبَا مُوسَى بِالتَّحَلُّلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، بِخِلَافِ عَلِيٍّ. قَالَ عِيَاضٌ: وَجُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ كَانَ خَاصًّا بِالصَّحَابَةِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: ظَاهِرُ كَلَامِ عُمَرَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ
وَدَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ أَرَادَ إِبْطَالَ وَهَمِ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ خَالَفَ السُّنَّةَ، حَيْثُ مَنَعَ مِنَ الْفَسْخِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مُتَوَافِقَانِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْإِتْمَامِ، وَأَنَّ الْفَسْخَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ السَّنَةِ لِإِبْطَالِ اعْتِقَادِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَصِحُّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، انْتَهَى.