HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب النزول بين عرفة وجمع

رقم الحديث 1670

قَالَ كُرَيْبٌ : فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ الْفَضْلِ : «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ».
ج 2 ص 164

سلسلة الرواة

فتح الباري · ابن حجر · ج3 ص519
قَوْلُهُ: (فَجْوَةً) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ الْمَكَانُ الْمُتَّسِعُ كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي آخِرِ الْبَابِ وَرَوَاهُ أَبُو مُصْعَبٍ، وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: فُرْجَةً بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَهُوَ بِمَعْنَى الْفَجْوَةِ. قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ. (فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ وَالْجَمْعُ فَجَوَاتٌ) أَيْ بِفَتْحَتَيْنِ. (وَفِجَاءٌ) أَيْ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ. (وَكَذَلِكَ رَكْوَةٌ وَرِكَاءٌ) وَرَكَوَاتٌ. قَوْلُهُ: (مَنَاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ) أَيْ هَرَبَ أَيْ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا الْحَرْفَ هُنَا لِقَوْلِهِ نَصَّ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ إِلَّا لِدَفْعِ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُشْتَقٌّ مِنَ الْآخَرِ وَإِلَّا فَمَادَّةُ نَصَّ غَيْرُ مَادَّةِ نَاصَ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي: الْمَجَازِ: الْمَنَاصُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِ نَاصَ يَنُوصُ. ٩٣ - باب النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ ١٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشِّعْبِ فَقَضَى حَاجَتَهُ فَتَوَضَّأَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ. ١٦٦٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بِالشِّعْبِ الَّذِي أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيَتَوَضَّأُ وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ. ١٦٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ "رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا فَقُلْتُ: "الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الصَّلَاةُ أَمَامَكَ" فَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ ١٦٧٠ - قَالَ كُرَيْبٌ "فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ الْفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ" قَوْلُهُ: (بَابُ النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْعٍ) أَيْ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَنَحْوِهَا وَلَيْسَ مِنَ الْمَنَاسِكِ. قَوْلُهُ: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَرِوَايَتُهُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَقْرَانِ لِأَنَّهُمَا تَابِعِيَّانِ صَغِيرَانِ وَقَدْ حَمَلَهُ مُوسَى، عَنْ كُرَيْبٍ فَصَارَ فِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. قَوْلُهُ: (حَيْثُ أَفَاضَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ حِينَ وهِيَ أَوْلَى لِأَنَّهَا ظَرْفُ زَمَانٍ وَحَيْثُ ظَرْفُ مَكَانٍ. (نُكْتَةٌ): فِي حَيْثُ سِتُّ لُغَاتٍ ضَمُّ آخِرِهَا وَفَتْحُهُ وَكَسْرُهُ وَبِالْوَاوِ بَدَلَ الْيَاءِ مَعَ الْحَرَكَاتِ. قَوْلُهُ: (مَالَ إِلَى الشِّعْبِ) بَيَّنَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ فِي رِوَايَتِهِ الْآتِيَةِ بَعْدَ حَدِيثٍ عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّهُ قُرْبَ الْمُزْدَلِفَةِ وَأَرْدَفَ الْمُصَنِّفُ بِهَذَا الْحَدِيثِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْتَدِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ فِي كَوْنِهِ يَقْضِي الْحَاجَةَ بِالشِّعْبِ وَيَتَوَضَّأُ لَكِنَّهُ لَا يُصَلِّي إِلَّا بِالْمُزْدَلِفَةِ وَقَوْلُهُ: فَيَنْتَفِضُ بِفَاءٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ يَسْتَجْمِرُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَأَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ دَفَعْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا وَازَيْنَا الشِّعْبَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْخُلَفَاءُ الْمَغْرِبَ دَخَلَهُ ابْنُ عُمَرَ فَتَنَفَّضَ فِيهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَكَبَّرَ فَانْطَلَقَ حَتَّى جَاءَ جَمْعًا فَأَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: الصَّلَاةُ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ وَأَصْلُهُ فِي الْجَمْعِ بِجَمْعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ فَلَمَّا جَاءَ الشِّعْبَ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الْخُلَفَاءُ الْآنَ الْمَغْرِبَ نَزَلَ فَاهْرَاقَ الْمَاءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَظَاهِرُ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ عِنْدَ الشِّعْبِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِمُزْدَلِفَةَ. وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ لَمَّا أَتَى الشِّعْبَ الَّذِي يَنْزِلُهُ الْأُمَرَاءُ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ الشِّعْبُ الَّذِي يُنِيخُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمَغْرِبِ وَالْمُرَادُ بِالْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَنُو أُمَيَّةَ فَلَمْ يُوَافِقْهُمُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ عِكْرِمَةَ إِنْكَارُ ذَلِكَ. وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: اتَّخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَبَالًا وَاتَّخَذْتُمُوهُ مُصَلًّى. وَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ وَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ: لَا صَلَاةَ إِلَّا بِجَمْعٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَنُقِلَ عَنِ الْكُوفِيِّينَ، وَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ صَاحِبِ مَالِكٍ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ إِنْ صَلَّى أَجْزَأَهُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَالْجُمْهُورِ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَرْمَلَةَ) هُوَ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى آلِ حُوَيْطِبٍ وَلَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِيهِ وَكَانَ خُصَيْفٌ يَرْوِي عَنْهُ فَيَقُولُ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُوَيْطِبٍ فَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ خُصَيْفًا كَانَ يَنْسُبُهُ إِلَى جَدِّ مَوَالِيهِ وَالْإِسْنَادُ مِنْ شَيْخِ قُتَيْبَةَ إِلَخْ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ. قَوْلُهُ: (رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ رَكِبْتُ وَرَاءَهُ، وَفِيهِ الرُّكُوبُ حَالَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ وَالِارْتِدَافُ عَلَى الدَّابَّةِ وَمَحَلُّهُ إِذَا كَانَتْ مُطِيقَةً، وَارْتِدَافُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَيُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِهِمْ لِلرَّدِيفِ لَا مِنْ سُوءِ أَدَبِهِ. قَوْلُهُ: (فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ) بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيِ الْمَاءَ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ الِاسْتِعَانَةُ فِي الْوُضُوءِ وَلِلْفُقَهَاءِ فِيهَا تَفْصِيلٌ لِأَنَّهَا إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِي إِحْضَارِ الْمَاءِ مَثَلًا أَوْ فِي صَبِّهِ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ أَوْ مُبَاشَرَةِ غَسْلِ أَعْضَائِهِ، فَالْأَوَّلُ جَائِزٌ وَالثَّالِثُ مَكْرُوهٌ إِلَّا إِنْ كَانَ لِعُذْرٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِي وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى فَأَمَّا وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهُوَ إِمَّا لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَهُوَ حِينَئِذٍ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ أَوْ لِلضَّرُورَةِ. قَوْلُهُ: (وُضُوءًا خَفِيفًا) أَيْ خَفَّفَهُ بِأَنْ تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَخَفَّفَ اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالِبِ عَادَتِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ: فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ وَأَغْرَبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ فَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ أَيِ اسْتَنْجَى بِهِ وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْوُضُوءِ اللُّغَوِيِّ لِأَنَّهُ مِنَ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ وَمَعْنَى الْإِسْبَاغِ الْإِكْمَالُ أَيْ لَمْ يُكْمِلْ وُضُوءَهُ فَيَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، وَلَكِنَّ الْأُصُولَ تَدْفَعُ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ. ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ أَيْ لَمْ يَتَوَضَّأْ فِي جَمِيعِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا وَاسْتَضْعَفَهُ اهـ. وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ عِيسَى بْنَ دِينَارٍ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِهِمْ سَبَقَ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ إِلَى مَا اخْتَارَهُ أَوَّلًا وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّرِيحَةِ وَقَدْ تَابَعَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حَرْمَلَةَ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ أَخُو مُوسَى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِمِثْلِ لَفْظِهِ وَتَابَعَهُمَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُقْبَةَ أَخُو مُوسَى أَيْضًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا بِلَفْظِ: فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا لَيْسَ بِالْبَالِغِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِلَفْظِ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ وَلَمْ تَكُنْ عَادَتُهُ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُ حَالَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَيُوَضِّحُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ مَوْلَى ابْنِ سِبَاعٍ، عَنْ أُسَامَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهَا أَيْضًا ذَهَبَ إِلَى الْغَائِطِ فَلَمَّا رَجَعَ صَبَبْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَ الشُّرَّاحُ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ هَلِ الْمُرَادُ بِهِ اقْتَصَرَ بِهِ عَلَى بَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَيَكُونُ وُضُوءًا لُغَوِيًّا أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْعَدَدِ فَيَكُونُ وُضُوءًا شَرْعِيًّا؟ قَالَ: وَكِلَاهُمَا مُحْتَمَلٌ، لَكِنْ يُعَضِّدُ مَنْ قَالَ بِالثَّانِي قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وُضُوءًا خَفِيفًا لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي النَّاقِصِ خَفِيفٌ وَمِنْ مُوضِحَاتِ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ أُسَامَةَ لَهُ الصَّلَاةُ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ أَتُصَلِّي؟ كَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ أَنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَتُرِيدُ الصَّلَاةَ فَلِمَ لَمْ تَتَوَضَّأْ وُضُوءَهَا؟ وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ أَمَامَكَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُصَلَّى هُنَا فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى وُضُوءِ الصَّلَاةِ وَكَأَنَّ أُسَامَةَ ظَنَّ أَنَّهُ ﷺ نَسِيَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَرَأَى وَقْتَهَا قَدْ كَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَوْ خَرَجَ فَأَعْلَمُهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ يُشْرَعُ تَأْخِيرُهَا لِتُجْمَعَ مَعَ الْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَلَمْ يَكُنْ أُسَامَةُ يَعْرِفُ تِلْكَ السُّنَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَمَّا اعْتِلَالُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الْوُضُوءَ لَا يُشْرَعُ مَرَّتَيْنِ لِصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثَانِيًا عَنْ حَدَثٍ طَارِئٍ وَلَيْسَ الشَّرْطُ بِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ إِلَّا لِمَنْ أَدَّى بِهِ صَلَاةً فَرْضًا أَوْ نَفْلًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى جَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ خِلَافَهُ وَإِنَّمَا تَوَضَّأَ أَوَّلًا لِيَسْتَدِيمَ الطَّهَارَةَ وَلَا سِيَّمَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ حِينَئِذٍ وَخَفَّفَ الْوُضُوءَ لِقِلَّةِ الْمَاءِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فِي أَوَائِلِ الطَّهَارَةِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا تَرَكَ إِسْبَاغَهُ حِينَ نَزَلَ الشِّعْبَ لِيَكُونَ مُسْتَصْحِبًا لِلطَّهَارَةِ فِي طَرِيقِهِ وَتَجُوزُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَلَمَّا نَزَلَ وَأَرَادَهَا أَسْبَغَهُ. وَقَوْلُ أُسَامَةَ الصَّلَاةُ بِالنَّصْبِ عَلَى إِضْمَارِ الْفِعْلِ أَيْ تَذَكَّرِ الصَّلَاةَ أَوْ صَلِّ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى تَقْدِيرِ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ مَثَلًا. وقَوْلُهُ (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ) بِالرَّفْعِ وَأَمَامَكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَيِ الصَّلَاةُ سَتُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْكَ أَوْ أَطْلَقَ الصَّلَاةَ عَلَى مَكَانِهَا أَيِ الْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْكَ أَوْ مَعْنَى أَمَامَكَ لَا تَفُوتُكَ وَسَتُدْرِكُهَا، وَفِيهِ تَذْكِيرُ التَّابِعِ بِمَا تَرَكَهُ مَتْبُوعُهُ لِيَفْعَلَهُ أَوْ يَعْتَذِرَ عَنْهُ أَوْ يُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ صَوَابِهِ. قَوْلُهُ: (حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى) أَيْ لَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ سَارَ حَتَّى بَلَغَ جَمْعًا فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بَعْدَ بَابٍ بِلَفْظِ: حَتَّى جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ فَتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا وَبَيَّنَ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَزِيدُوا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ عَلَى الْإِنَاخَةِ، وَلَفْظُهُ: فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَنَاخَ النَّاسُ وَلَمْ يَحُلُّوا حَتَّى أَقَامَ الْعِشَاءَ فَصَلُّوا ثُمَّ حَلُّوا وَكَأَنَّهُمْ صَنَعُوا ذَلِكَ رِفْقًا بِالدَّوَابِّ أَوْ لِلْأَمْنِ مِنْ تَشْوِيشِهِمْ بِهَا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ خَفَّفَ الْقِرَاءَةَ فِي الصَّلَاتَيْنِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ الْجَمْعَ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ. وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا أَيْ لَمْ يَتَنَفَّلْ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ بَعْدَ بَابَيْنِ.