HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا حيا لم يقبل

رقم الحديث 1825

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ : «أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج3 ص13
ج 3 ص 13

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في 7 مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, سنن النسائي وغيرها
فتح الباري · ابن حجر · ج4 ص31
قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كُلُوا؛ فَهُوَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ فَأَشْعَرَ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْهَا غَيْرُ الْعَضُدِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي حُكْمِ مَا يَصِيدُهُ الْحَلَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُحْرِمِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ أَنَّ تَمَنِّي الْمُحْرِمِ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْحَلَالِ الصَّيْدُ لِيَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي إِحْرَامِهِ، وَأَنَّ الْحَلَالَ إِذَا صَادَ لِنَفْسِهِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ الْأَكْلُ مِنْ صَيْدِهِ، وَهَذَا يُقَوِّي مِنْ حَمْلِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ عَلَى الِاصْطِيَادِ، وَفِيهِ الِاسْتِيهَابُ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ وَقَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِنَ الصَّدِيقِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: عِنْدِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَبَ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ ذَلِكَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ أَكَلَ مِنْهُ؛ بَيَانًا لِلْجَوَازِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ، وَفِيهِ تَسْمِيَةُ الْفَرَسِ، وَأَلْحَقَ الْمُصَنِّفُ بِهِ الْحِمَارَ فَتَرْجَمَ لَهُ فِي الْجِهَادِ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالُوا: تَجُوزُ التَّسْمِيَةُ لِمَا لَا يَعْقِلُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ وَلَا يُجِيبُ إِذَا نُودِيَ، مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْحَيَوَانَاتِ رُبَّمَا أَدْمَنَ عَلَى ذَلِكَ بِحَيْثُ يَصِيرُ يُمَيِّزُ اسْمَهُ إِذَا دُعِيَ بِهِ. وَفِيهِ إِمْسَاكُ نَصِيبِ الرَّفِيقِ الْغَائِبِ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ احْتِرَامُهُ أَوْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ أَوْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ ظُهُورُ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ بِخُصُوصِهَا. وَفِيهِ تَفْرِيقُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ لِلْمَصْلَحَةِ، وَاسْتِعْمَالُ الطَّلِيعَةِ فِي الْغَزْوِ، وَتَبْلِيغُ السَّلَامِ عَنْ قُرْبٍ وَعَنْ بُعْدٍ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ رَدِّ السَّلَامِ مِمَّنْ بَلَغَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَنْفِيهِ. وَفِيهِ أَنَّ عَقْرَ الصَّيْدِ ذَكَاتُهُ، وَجَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هُوَ اجْتِهَادٌ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَا فِي حَضْرَتِهِ. وَفِيهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ تَضَادَّ الْمُجْتَهِدَانِ، وَلَا يُعَابُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَكَأَنَّ الْآكِلَ تَمَسَّكَ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَالْمُمْتَنِعَ نَظَرَ إِلَى الْأَمْرِ الطَّارِئِ. وَفِيهِ الرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَرَكْضُ الْفَرَسِ فِي الِاصْطِيَادِ، وَالتَّصَيُّدُ فِي الْأَمَاكِنِ الْوَعِرَةِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِالْفَارِسِ، وَحَمْلُ الزَّادِ فِي السَّفَرِ، وَالرِّفْقُ بِالْأَصْحَابِ وَالرُّفَقَاءِ فِي السَّيْرِ، وَاسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الضَّحِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِشَارَةِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَحِلُّ. وَفِيهِ جَوَازُ سَوْقِ الْفَرَسِ لِلْحَاجَةِ وَالرِّفْقُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: وَأَسِيرُ شَأْوًا وَنُزُولُ الْمُسَافِرِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ. (تَكْمِلَةٌ) لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ الصَّيْدِ إِلَّا إِنْ صَالَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ دَفْعًا فَيَجُوزُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ٦ - بَاب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ ١٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ - أَوْ بِوَدَّانَ - فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ. [الحديث ١٨٢٥ - طرفاه في: ٢٥٧٣، ٢٥٩٦] قَوْلُهُ: (بَابٌ إِذَا أَهْدَى) أَيِ: الْحَلَالُ (لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ) كَذَا قَيَّدَهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِكَوْنِهِ حَيًّا، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَذْبُوحًا مُوَهَّمَةٌ، وَسَأُبَيِّنُ مَا فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. . . إِلَخْ) لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَى مَالِكٍ فِي سِيَاقِهِ مُعَنْعَنًا، وَأَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ الصَّعْبِ، إِلَّا مَا وَقَعَ فِي مُوَطَّأِ ابْنِ وَهْبٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْمُوَطَّآتِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ وَالْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ الْأَوَّلُ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَةِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَى وَالصَّعْبُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَأَبُوهُ جَثَّامَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَثْقِيلِ الْمُثَلَّثَةِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ. قَوْلُهُ: (حِمَارًا وَحْشِيًّا) لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَتَابَعَهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَخَالَفَهُمُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: لَحْمُ حِمَارِ وَحْشٍ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، لَكِنْ بَيَّنَ الْحُمَيْدِيُّ صَاحِبُ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: حِمَارُ وَحْشٍ ثُمَّ صَارَ يَقُولُ: لَحْمُ حِمَارِ وَحْشٍ فَدَلَّ عَلَى اضْطِرَابِهِ فِيهِ، وَقَدْ تُوبِعَ عَلَى قَوْلِهِ: لَحْمُ حِمَارِ وَحْشٍ مِنْ أَوْجُهٍ فِيهَا مَقَالٌ، مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ لَكِنَّ إِسْنَادَهُ ضَعِيفٌ، وَقَالَ إِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَقَالَ: لَحْمُ حِمَارٍ وَقَدْ خَالَفَهُ خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَقَالَ: حِمَارُ وَحْشٍ كَالْأَكْثَرِ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: رِجْلُ حِمَارِ وَحْشٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ حَسَنُ الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ إِذَا خُولِفَ، وَيَدُلُّ عَلَى وَهَمِ مَنْ قَالَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: الْحِمَارُ عَقِيرٌ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ عَوَانَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الَّذِي أَهْدَاهُ الصَّعْبُ لَحْمُ حِمَارٍ، فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَاكِمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَهْدَى الصَّعْبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجْلَ حِمَارٍ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَهُ: عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ يَقْطُرُ دَمًا وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدٍ قَالَ تَارَةً: حِمَارُ وَحْشٍ وَتَارَةً: شِقُّ حِمَارٍ وَيُقَوِّي ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَذْكِرُهُ: كَيْفَ أَخْبَرْتَنِي عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ حَرَامٌ؟ قَالَ: أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ فَرَدَّهُ وَقَالَ: إِنَّا لَا نَأْكُلُهُ، إِنَّا حُرُمٌ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا زَيْدُ بْنَ أَرْقَمَ، هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَهُ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ، إِلَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ عَجُزَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ بِالْجُحْفَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ وَأَكَلَ الْقَوْمُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ رَدَّ الْحَيَّ وَقَبِلَ اللَّحْمَ. قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْجَمْعِ نَظَرٌ لِمَا بَيَّنْتُهُ، فَإِنْ كَانَتِ الطُّرُقُ كُلُّهَا مَحْفُوظَةً فَلَعَلَّهُ رَدَّهُ حَيًّا لِكَوْنِهِ صِيدَ لِأَجْلِهِ، وَرَدَّ اللَّحْمَ تَارَةً لِذَلِكَ، وَقَبِلَهُ تَارَةً أُخْرَى، حَيْثُ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُصَدْ لِأَجْلِهِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: إِنْ كَانَ الصَّعْبُ أَهْدَى لَهُ حِمَارًا حَيًّا، فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَذْبَحَ حِمَارَ وَحْشٍ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ أَهْدَى لَهُ لَحْمًا فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَ أَنَّهُ صِيدَ لَهُ. وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَدَّهُ لِظَنِّهِ أَنَّهُ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ فَتَرَكَهُ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ الْقَبُولُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى وَقْتٍ آخَرَ وَهُوَ حَالُ رُجُوعِهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ جَازِمٌ فِيهِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ بِالْجُحْفَةِ، وَفِي غَيْرِهَا مِنَ الرِّوَايَاتِ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الصَّعْبُ أَحْضَرَ الْحِمَارَ مَذْبُوحًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ عُضْوًا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدَّمَهُ لَهُ، فَمَنْ قَالَ: أَهْدَى حِمَارًا، أَرَادَ بِتَمَامِهِ مَذْبُوحًا حَيًّا، وَمَنْ قَالَ: لَحْمُ حِمَارٍ أَرَادَ مَا قَدَّمَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَالَ: حِمَارًا أَطْلَقَ وَأَرَادَ بَعْضَهُ مَجَازًا. قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَهْدَاهُ لَهُ حَيًّا، فَلَمَّا رَدَّهُ عَلَيْهِ ذَكَّاهُ وَأَتَاهُ بِعُضْوٍ مِنْهُ ظَانًّا أَنَّهُ إِنَّمَا رَدَّهُ عَلَيْهِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِجُمْلَتِهِ، فَأَعْلَمَهُ بِامْتِنَاعِهِ أَنَّ حُكْمَ الْجُزْءِ مِنَ الصَّيْدِ حُكْمُ الْكُلِّ، قَالَ: وَالْجَمْعُ مَهْمَا أَمْكَنَ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ بِكَوْنِ الْحِمَارِ حَيًّا، وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ، وَكَذَا نَقَلُوا هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ مَالِكٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ مَذْبُوحٌ. انْتَهَى. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا تَقَدَّمَ لَمْ يَحْسُنْ إِطْلَاقُهُ بُطْلَانَ التَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ وَلَا سِيَّمَا فِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ الَّتِي هِيَ عُمْدَةُ هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: حَدِيثُ مَالِكٍ أَنَّ الصَّعْبَ أَهْدَى حِمَارًا أَثْبَتُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَهْدَى لَحْمَ حِمَارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الصَّعْبِ: لَحْمَ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ. قَوْلُهُ: (بِالْأَبْوَاءِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْمَدِّ: جَبَلٌ مِنْ عَمَلِ الْفُرُعِ بِضَمِّ الْفَاءِ وَالرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ، قِيلَ: سُمِّيَ الْأَبْوَاءُ لِوَبَائِهِ عَلَى الْقَلْبِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ السُّيُولَ تَتَبَوَّؤُهُ، أَيْ: تحمله. قَوْلُهُ: (أَوْ بِوَدَّانَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ وَآخِرَهَا نُونٌ مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْجُحْفَةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ كَانَ بِالْجُحْفَةِ، وَوَدَّانُ أَقْرَبُ إِلَى الْجُحْفَةِ مِنَ الْأَبْوَاءِ فَإِنَّ مِنَ الْأَبْوَاءِ إِلَى الْجُحْفَةِ لِلْآتِي مِنَ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ مِيلًا، وَمِنْ وَدَّانَ إِلَى الْجُحْفَةِ ثَمَانِيَةَ أَمْيَالٍ، وَبِالشَّكِّ جَزَمَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ، وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِوَدَّانَ، وَجَزَمَ مَعْمَرٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو بِالْأَبْوَاءِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ الطَّبَرَانِيَّ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنْهُ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي. وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ وَكَذَا لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورَةِ. قَوْلُهُ: (إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ: لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ: إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ كَرَاهِيَةً لَهُ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ. قَالَ عِيَاض: ضَبَطْنَاهُ فِي الرِّوَايَاتِ: لَمْ نَرُدَّهُ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَأَبَى ذَلِكَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقَالُوا: الصَّوَابُ أَنَّهُ بِضَمِّ الدَّالِ؛ لِأَنَّ الْمُضَاعَفَ مِنَ الْمَجْزُومِ يُرَاعَى فِيهِ الْوَاوُ الَّتِي تُوجِبُهَا لَهُ ضَمَّةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا. قَالَ: وَلَيْسَ الْفَتْحُ بِغَلَطٍ، بَلْ ذَكَرَهُ ثَعْلَبٌ فِي الْفَصِيحِ. نَعَمْ تَعَقَّبُوهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ، وَأَوْهَمَ صَنِيعُهُ أَنَّهُ فَصِيحٌ، وَأَجَازُوا أَيْضًا الْكَسْرَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَوْجُهِ. قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِفَكِّ الْإِدْغَامِ لَمْ نَرْدُدْهُ بِضَمِّ الْأُولَى وَسُكُونِ الثَّانِيَةِ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ) زَادَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنَدَ النَّسَائِيِّ: لَا نَأْكُلُ الصَّيْدَ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَوْلَا أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ مِنْ لَحْمِ الصَّيْدِ عَلَى الْمُحْرِمِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي التَّعْلِيلِ عَلَى كَوْنِهِ مُحْرِمًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبُ الِامْتِنَاعِ خَاصَّةً، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَاللَّيْثِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، لِحَدِيثِ الصَّعْبِ هَذَا، وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّهُ قَالَ لِنَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ رِجْلُ حِمَارِ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ لَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا الظَّاهِرَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ أَنَّهُ: أُهْدِيَ لَهُ لَحْمُ طَيْرٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَقَفَ مَنْ أَكَلَهُ وَقَالَ: أَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَحَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ: أَنَّ الْبَهْزِيَّ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ ظَبْيًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَقْسِمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ، وَبِالْجَوَازِ مُطْلَقًا، قَالَ الْكُوفِيُّونَ وَطَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ، وَجَمَعَ الْجُمْهُورُ بَيْنَ مَا اخْتَلَفَ مِنْ ذَلِكَ بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْقَبُولِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا يَصِيدُهُ الْحَلَالُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ يُهْدِي مِنْهُ لِلْمُحْرِمِ، وَأَحَادِيثُ الرَّدِّ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِ الْمُحْرِمِ. قَالُوا: وَالسَّبَبُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْإِحْرَامِ عِنْدَ الِاعْتِذَارِ لِلصَّعْبِ أَنَّ الصَّيْدَ لَا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْءِ إِذَا صِيدَ لَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُحْرِمًا، فَبَيَّنَ الشَّرْطَ الْأَصْلِيَّ وَسَكَتَ عَمَّا عَدَاهُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِهِ، وَقَدْ بَيَّنَهُ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ.