١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ"
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ رَغِبَ عَنِ الْمَدِينَةِ) أَيْ: فَهُوَ مَذْمُومٌ، أَوْ بَابُ حُكْمِ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا.
قَوْلُهُ: (تَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِتَاءِ الْخِطَابِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ غَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ، لَكِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ نَسْلِ الْمُخَاطَبِينَ أَوْ مِنْ نَوْعِهِمْ، وَرُوِيَ يَتْرُكُونَ بِتَحْتَانِيَّةٍ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ) أَيْ: عَلَى أَحْسَنِ حَالٍ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حَيْثُ صَارَتْ مَعْدِنَ الْخِلَافَةِ وَمَقْصِدَ النَّاسِ وَمَلْجَأَهُمْ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهَا خَيْرَاتُ الْأَرْضِ وَصَارَتْ مِنْ أَعْمَرِ الْبِلَادِ، فَلَمَّا انْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ عَنْهَا إِلَى الشَّامِ ثُمَّ إِلَى الْعِرَاقِ وَتَغَلَّبَتْ عَلَيْهَا الْأَعْرَابُ تَعَاوَرَتْهَا الْفِتَنُ وَخَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا فَقَصَدَتْهَا عَوَافِي الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. وَالْعَوَافِي جَمْعُ عَافِيَةٍ وَهِيَ الَّتِي تَطْلُبُ أَقْوَاتِهَا، وَيُقَالُ لِلذَّكَرِ عَافٍ.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اجْتَمَعَ فِي الْعَوَافِي شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا طَالِبَةٌ لِأَقْوَاتِهَا مِنْ قَوْلِكَ عَفَوْتُ فُلَانًا أَعْفُوهُ فَأَنَا عَافٍ، وَالْجَمْعُ عُفَاةٌ، أَيْ: أَتَيْتُ أَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ، وَالثَّانِي مِنَ الْعَفَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْخَالِي الَّذِي لَا أَنِيسَ بِهِ، فَإِنَّ الطَّيْرَ وَالْوَحْشَ تَقْصِدُهُ لِأَمْنِهَا عَلَى نَفْسِهَا فِيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُخْتَارُ أَنَّ هَذَا التَّرْكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِصَّةُ الرَّاعِيَيْنِ، فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: ثُمَّ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُمَا آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ.
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ حَمَاسٍ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَتَخْفِيفٍ، عَنْ عَمِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَتَتْرُكُنَّ الْمَدِينَةَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَتْ حَتَّى يَدْخُلَ الذِّئْبُ فَيَعْوِيَ عَلَى بَعْضِ سَوَارِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَلَى الْمِنْبَرِ. قَالُوا: فَلِمَنْ تَكُونُ ثِمَارُهَا؟ قَالَ: لِلْعَوَافِي: الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. أَخْرَجَهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الثِّقَاتِ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، وَيَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ مِحْجَنِ بْنِ الْأَدْرَعِ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ لَقِيَنِي وَأَنَا خَارِجٌ مِنْ بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَتَيْنَا أُحُدًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: وَيْلَ أُمِّهَا قَرْيَةٌ يَوْمَ يَدَعُهَا أَهْلُهَا كَأَيْنَعِ مَا يَكُونُ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يَأْكُلُ ثِمَارَهَا؟ قَالَ: عَافِيَةُ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَيَدَعَنَّهَا أَهْلُهَا مُذَلَّلَةً أَرْبَعِينَ عَامًا لِلْعَوَافِي، أَتَدْرُونَ مَا الْعَوَافِي؟ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ. قُلْتُ: وَهَذَا لَمْ يَقَعْ قَطْعًا. وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَدِينَةَ تُسْكَنُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ خَلَتْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِقَصْدِ الرَّاعِيَيْنِ بِغَنَمِهِمَا إِلَى الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ) هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثًا آخَرَ مُسْتَقِلًّا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالَّذِي قَبْلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ يَتَرَتَّبُ الِاخْتِلَافُ الَّذِي حَكَيْتُهُ عَنِ الْقُرْطُبِيِّ، وَالنَّوَوِيِّ، وَالثَّانِي أَظْهَرُ
كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (يَنْعِقَانِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا قَافٌ، النَّعِيقُ زَجْرُ الْغَنَمِ، يُقَالُ نَعَقَ يَنْعِقُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِهَا نَعِيقًا وَنُعَاقًا وَنَعَقَانًا إِذَا صَاحَ بِالْغَنَمِ، وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ: مَعْنَاهُ يَطْلُبُ الْكَلَأَ، وَكَأَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَقْصُودِ مِنَ الزَّجْرِ؛ لِأَنَّهُ يَزْجُرُهَا عَنِ الْمَرْعَى الْوَبِيلِ إِلَى الْمَرْعَى الْوَسِيمِ.
قَوْلُهُ: (فَيَجِدَانِهَا وُحُوشًا) أَوْ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وَحْشٍ، أَوْ يَجِدَانِ أَهْلَهَا قَدْ صَارُوا وُحُوشًا، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: يَجِدَانِهَا خَالِيَةً، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، أَيْ: خَالِيَةً لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ، وَالْوَحْشُ مِنَ الْأَرْضِ الْخَلَاءُ، أَوْ كَثْرَةُ الْوَحْشِ لَمَّا خَلَتْ مِنْ سُكَّانِهَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ يَجِدَانِهَا ذَاتَ وُحُوشٍ، قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ وَحْشًا بِمَعْنَى وُحُوشٍ، وَأَصْلُ الْوَحْشِ كُلُّ شَيْءٍ تَوَحَّشَ مِنَ الْحَيَوَانِ وَجَمْعُهُ وُحُوشٌ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِوَاحِدِهِ عَنْ جَمْعِهِ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُرَابِطِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ غَنَمَ الرَّاعِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ تَصِيرُ وُحُوشًا، إِمَّا بِأَنْ تَنْقَلِبَ ذَاتُهَا، وَإِمَّا أَنْ تَتَوَحَّشَ وَتَنْفِرَ مِنْهُمَا، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي يَجِدَانِهَا يَعُودُ عَلَى الْغَنَمِ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْقُدْرَةُ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ. انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا يَخِرَّانِ عَلَى وُجُوهِهِمَا إِذَا وَصَلَا إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ قَبْلَ دُخُولِهِمَا الْمَدِينَةَ بِلَا شَكٍّ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا وَجَدَا التَّوَحُّشَ الْمَذْكُورَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ فَيَقْوَى أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى غَنَمِهِمَا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ قِيَامِ السَّاعَةِ. وَيُوَضِّحُ هَذَا رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا قَالَ: آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ وَآخَرُ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَيَقُولَانِ: أَيْنَ النَّاسُ؟ فَيَأْتِيَانِ الْمَدِينَةَ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا الثَّعَالِبَ، فَيَنْزِلُ إِلَيْهِمَا مَلَكَانِ فَيَسْحَبَانِهِمَا عَلَى وُجُوهِهِمَا حَتَّى يُلْحِقَاهُمَا بِالنَّاسِ.
قَوْلُهُ: وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ حَشْرَهُمَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُقَدِّمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْحَشْرَ إِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَذَكَرَ سَبَبَ مَوْتِهِمَا وَالْحَشْرُ يَعْقُبُهُ. وَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا: خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ: سَقَطَا مَيِّتَيْنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا أَيْ: سَقَطَا بِمَنْ أَسْقَطَهُمَا، وَهُوَ الْمَلَكُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْعُقَيْلِيِّ: أَنَّهُمَا كَانَا يَنْزِلَانِ بِجَبَلِ وَرْقَانَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ: أَنَّهُمَا يَفْقِدَانِ النَّاسَ فَيَقُولَانِ: نَنْطَلِقُ إِلَى بَنِي فُلَانٍ، فَيَأْتِيَانِهِمْ فَلَا يَجِدَانِ أَحَدًا فَيَقُولَانِ: نَنْطَلِقُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيَنْطَلِقَانِ فَلَا يَجِدَانِ بِهَا أَحَدًا، فَيَنْطَلِقَانِ إِلَى الْبَقِيعِ فَلَا يَرَيَانِ إِلَّا السِّبَاعَ وَالثَّعَالِبَ وَهَذَا يُوَضِّحُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ آخِرُ قَرْيَةٍ فِي الْإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ وَهُوَ يُنَاسِبُ كَوْنَ آخِرِ مَنْ يُحْشَرُ يَكُونُ مِنْهَا.
(تَنْبِيهٌ): أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ تَعْبِيرَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: خَيْرِ مَا كَانَتْ وَقَالَ: إِنَّ الصَّوَابَ أَعْمَرِ مَا كَانَتْ، أَخْرَجَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مُسَاحِقِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَرُدُّ عَلَيَّ حَدِيثِي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ فِي بَيْتٍ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ مِنْهَا أَهْلُهَا خَيْرَ مَا كَانَتْ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَجَلْ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ: خَيْرَ مَا كَانَتْ، إِنَّمَا قَالَ: أَعْمَرَ مَا كَانَتْ، وَلَوْ قَالَ: خَيْرَ مَا كَانَتْ لَكَانَ ذَلِكَ وَهُوَ حَيٌّ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقْتَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَمَّنْ يُخْرِجُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَلِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَنْ يُخْرِجُهُمْ؟ قَالَ: أُمَرَاءُ السُّوءِ
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخُوهُ. وَفِي الْإِسْنَادِ صَحَابِيٌّ عَنْ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٌّ عَنْ تَابِعِيٍّ؛ لِأَنَّ هِشَامًا قَدْ لَقِيَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَرَوَاهُ
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: قَالَ عُرْوَةُ ثُمَّ لَقِيتُ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَخْبَرَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هِشَامٍ اخْتِلَافًا آخَرَ، فَقَالَ وُهَيْبٌ وَجَمَاعَةٌ كَمَا قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ، وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ بِسَنَدِهِ: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قُلْتُ: قَدْ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ عَلَى الصَّوَابِ، وَرَوَاهُ أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ جَرِيرٍ فَقَالَ: سُفْيَانُ بْنُ أَبِي قِلَابَةَ، كَأَنَّهُ عَرَفَ خَطَأَ جَرِيرٍ فَكَنَّى عَنْهُ، وَاسْمُ أَبِي زُهَيْرٍ الْقَرِدُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ وَقِيلَ: نُمَيْرٌ، وَهُوَ الشَّنُوئِيُّ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ، وَبَعْدَ الْوَاوِ هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ، وَفِي النَّسَبِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: بِفَتْحِ النُّونِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ بِلَا وَاوٍ، وَشَنُوءَةُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَضْرِ بْنِ الْأَزْدِ، وَسُمِّيَ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ.
قَوْلُهُ: (تُفْتَحُ الْيَمَنُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: افْتُتِحَتِ الْيَمَنُ فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ، وَافْتُتِحَتِ الشَّامُ بَعْدَهَا، وَالْعِرَاقُ بَعْدَهَا. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ وَقَعَ عَلَى وَفْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلَى تَرْتِيبِهِ، وَوَقَعَ تَفَرُّقُ النَّاسِ فِي الْبِلَادِ لِمَا فِيهَا مِنَ السَّعَةِ وَالرَّخَاءِ، وَلَوْ صَبَرُوا عَلَى الْإِقَامَةِ بِالْمَدِينَةِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْبِقَاعِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ لِلْمَدِينَةِ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ: (يَبُسُّونَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبِكَسْرِهَا مِنْ بَسَّ يَبُسُّ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ رَوَاهُ بِضَمِّهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَعْنَاهُ يَسُوقُونَ دَوَابَّهُمْ، وَالْبَسُّ سَوْقُ الْإِبِلِ، تَقُولُ: بِسْ بِسْ، عِنْدَ السَّوْقِ وَإِرَادَةِ السُّرْعَةِ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: مَعْنَاهُ يَزْجُرُونَ دَوَابَّهُمْ فَيَبُسُّونَ مَا يَطَئُونَهُ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ شِدَّةِ السَّيْرِ فَيَصِيرُ غُبَارًا. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ أَيْ: سَالَتْ سَيْلًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ سَارَتْ سَيْرًا، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْبَسُّ الْمُبَالَغَةُ فِي الْفَتِّ وَمِنْهُ قِيلَ: لِلدَّقِيقِ الْمَصْنُوعِ بِالدُّهْنِ: بَسِيسٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَقِيلَ: مَعْنَى يَبُسُّونَ يَسْأَلُونَ عَنِ الْبِلَادِ وَيَسْتَقْرِئُونَ أَخْبَارَهَا لِيَسِيرُوا إِلَيْهَا. قَالَ: وَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمُ الْبِلَادَ الَّتِي تُفْتَحُ وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى سُكْنَاهَا فَيَتَحَمَّلُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الْمَدِينَةِ رَاحِلِينَ إِلَيْهَا، وَيَشْهَدُ لِهَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَعَلَى هَذَا فَالَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ غَيْرَ الَّذِينَ يَبُسُّونَ، كَأَنَّ الَّذِي حَضَرَ الْفَتْحَ أَعْجَبَهُ حُسْنُ الْبَلَدِ وَرَخَاؤُهَا فَدَعَا قَرِيبَهُ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَيْهَا لِذَلِكَ، فَيَتَحَمَّلُ الْمَدْعُوُّ بِأَهْلِهِ وَأَتْبَاعِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِيَ يُبِسُّونَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ مِنْ أَبَسَّ إِبْسَاسًا، وَمَعْنَاهُ يُزَيِّنُونَ لِأَهْلِهِمُ الْبَلَدَ الَّتِي يَقْصِدُونَهَا، وَأَصْلُ الْإِبْسَاسِ لِلَّتِي تُحْلَبُ حَتَّى تَدِرَّ بِاللَّبَنِ، وَهُوَ أَنْ يُجْرِيَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهَا وَصَفْحَةِ عُنُقِهَا كَأَنَّهُ يُزَيِّنُ لَهَا ذَلِكَ وَيُحَسِّنُهُ لَهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ ابْنُ وَهْبٍ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ مَالِكٍ يُبِسُّونَ مِنَ الرُّبَاعِيِّ، وَفَسَّرَهُ بِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَأَنْكَرَ الْأَوَّلَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَمَّنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُتَحَمِّلًا بِأَهْلِهِ بَاسًّا فِي سَيْرِهِ مُسْرِعًا إِلَى الرَّخَاءِ وَالْأَمْصَارِ الْمُفْتَتَحَةِ. قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِلَفْظِ: تُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَخْرُجُ النَّاسُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا يُبِسُّونَ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا رَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ زَمَانٌ يَنْطَلِقُ النَّاسُ مِنْهَا إِلَى الْأَرْيَافِ يَلْتَمِسُونَ الرَّخَاءَ فَيَجِدُونَ رَخَاءً، ثُمَّ يَأْتُونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ إِلَى الرَّخَاءِ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ.