١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ) أَيْ: أَرَادَ بِأَهْلِهَا سُوءًا، وَالْكَيْدُ الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ فِي الْمَسَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ) هُوَ ابْنُ مُوسَى، وَالْجُعَيْدُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ سَعْدٍ أَيْ: ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، (قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا) تَعْنِي أَبَاهَا.
قَوْلُهُ: (إِلَّا انْمَاعَ) أَيْ: ذَابَ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَّاظِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدٍ جَمِيعًا، فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ: مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَفِي هَذِهِ الطَّرِيقِ تَعَقُّبٌ عَلَى الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، نَعَمْ فِي أَفْرَادِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ: وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ قَالَ عِيَاضٌ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ تَدْفَعُ إِشْكَالَ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ، وَتُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا حُكْمُهُ فِي الْآخِرَةِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ أَرَادَهَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسُوءٍ اضْمَحَلَّ أَمْرُهُ كَمَا يَضْمَحِلُّ الرَّصَاصُ فِي النَّارِ، فَيَكُونُ فِي اللَّفْظِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لِمَنْ أَرَادَهَا فِي الدُّنْيَا بِسُوءٍ، وَأَنَّهُ لَا يُمْهَلُ بَلْ يَذْهَبُ سُلْطَانُهُ عَنْ قُرْبٍ كَمَا وَقَعَ لِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ عُوجِلَ عَنْ قُرْبٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي أَرْسَلَهُ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ كَادَهَا اغْتِيَالًا وَطَلَبًا لِغِرَّتِهَا فِي غَفْلَةٍ فَلَا يَتِمُّ لَهُ أَمْرٌ، بِخِلَافِ مَنْ أَتَى ذَلِكَ جِهَارًا كَمَا اسْتَبَاحَهَا مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ رَفَعَهُ: مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظَالِمًا لَهُمْ أَخَافَهُ اللَّهُ، وَكَانَتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ الْحَدِيثَ. وَلِابْنِ حِبَّانَ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ.
٨ - بَاب آطَامِ الْمَدِينَةِ
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى، إِنِّي لَأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ، تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ.
[الحديث ١٨٧٨ - أطرافه في ٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠]
_________
(^١) كان وجه تقديم الصلاة في المسجد ليوافق كلامه النصوص قَوْلُهُ: (بَابُ آطَامِ الْمَدِينَةِ) بِالْمَدِّ، جَمْعُ أُطُمٍ بِضَمَّتَيْنِ، وَهِيَ الْحُصُونُ الَّتِي تُبْنَى بِالْحِجَارَةِ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ بَيْتٍ مُرَبَّعٍ مُسَطَّحٍ، وَالْآطَامُ جَمْعُ قِلَّةٍ وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ أُطُومٌ، وَالْوَاحِدَةُ أَطَمَةٌ كَأَكَمَةٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْآطَامِ قَبْلَ حُلُولِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِهَا، ثُمَّ مَا كَانَ بِهَا بَعْدَ حُلُولِهِمْ، وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (أَشْرَفَ) أَيْ: نَظَرَ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ. قَوْلُهُ: (مَوَاقِعُ) أَيْ: مَوَاضِعُ السُّقُوطِ، وَ(خِلَالَ) أَيْ: نَوَاحِيهَا، شَبَّهَ سُقُوطَ الْفِتَنِ وَكَثْرَتَهَا بِسُقُوطِ الْقَطْرِ فِي الْكَثْرَةِ وَالْعُمُومِ، وَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ لِإِخْبَارِهِ بِمَا سَيَكُونُ، وَقَدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ وَهَلُمَّ جَرًّا، وَلَا سِيَّمَا يَوْمُ الْحَرَّةِ، وَالرُّؤْيَةُ الْمَذْكُورَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ أَوْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ بِأَنْ تَكُونَ الْفِتَنُ مُثِّلَتْ لَهُ حَتَّى رَآهَا، كَمَا مُثِّلَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فِي الْقِبْلَةِ حَتَّى رَآهُمَا وَهُوَ يُصَلِّي. قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ) أَمَّا رِوَايَةُ مَعْمَرٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي الْفِتَنِ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ فَوَصَلَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لَهُ خَارِجَ الصَّحِيحِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ. ٩ - بَاب لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ ١٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ. [الحديث ١٨٧٩ - طرفاه في: ٧١٢٥، ٧١٢٦] ١٨٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ" [الحديث ١٨٨٠ - طرفاه في: ٥٧٣١، ٧١٣٣] ١٨٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلاَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلاَّ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونَهَا ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ فَيُخْرِجُ اللَّهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ". [الحديث ١٨٨١ - أطرافه في: ٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣] ١٨٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْ الدَّجَّالِ فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ فَيَقُولُ الدَّجَّالُ أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ. فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فَلَا أُسَلَّطُ عَلَيْهِ. [الحديث ١٨٨٢ - طرفه في: ٧١٣٢] قَوْلُهُ: (بَابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ) أَوْرَدَ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ، الْأَوَّلُ: حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْفِتَنِ. قَوْلُهُ: (عَنْ جَدِّهِ) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ بَابٍ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: لِكُلِّ بَابٍ. الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَوْلُهُ: (عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ) جَمْعُ نَقَبٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْقَافِ، بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ اللَّذَيْنِ بَعْدَهُ عَلَى نِقَابِهَا جَمْعُ نَقْبٍ بِالسُّكُونِ وَهُمَا بِمَعْنًى. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: الْمُرَادُ بِهَا الْمَدَاخِلُ، وَقِيلَ: الْأَبْوَابُ. وَأَصْلُ النَّقْبِ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَقِيلَ: الْأَنْقَابُ الطُّرُقُ الَّتِي يَسْلُكُهَا النَّاسُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ﴾ قَوْلُهُ: (لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ) سَيَأْتِي فِي الطِّبِّ بَيَانُ مَنْ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَكَّةَ. الثَّالِثُ حَدِيثُ أَنَسٍ: قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو) هُوَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. قَوْلُهُ: (لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ) هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَعُمُومِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ: الْمُرَادُ ألَّا يَدْخُلُهُ بَعْثُهُ وَجُنُودُهُ، وَكَأَنَّهُ اسْتَبْعَدَ إِمْكَانَ دُخُولِ الدَّجَّالِ جَمِيعَ الْبِلَادِ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، وَغَفَلَ عَمَّا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ بَعْضَ أَيَّامِهِ يَكُونُ قَدْرَ السَّنَةِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ تَرْجُفُ الْمَدِينَةُ) أَيْ: يَحْصُلُ لَهَا زَلْزَلَةٌ بَعْدَ أُخْرَى ثُمَّ ثَالِثَةٌ حَتَّى يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ لَيْسَ مُخْلِصًا فِي إِيمَانِهِ وَيَبْقَى بِهَا الْمُؤْمِنُ الْخَالِصُ، فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ الدَّجَّالُ. وَلَا يُعَارِضُ هَذَا مَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الْمَاضِي أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الدَّجَّالِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّعْبِ مَا يَحْدُثُ مِنَ الْفَزَعِ مِنْ ذِكْرِهِ وَالْخَوْفِ مِنْ عُتُوِّهُ، لَا الرَّجْفَةُ الَّتِي تَقَعُ بِالزَّلْزَلَةِ لِإِخْرَاجِ مَنْ لَيْسَ بِمُخْلِصٍ. وَحَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ أَنَّهَا تَنْفِي الْخَبَثَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ دُونَ غَيْرِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَاصٌّ بِنَاسٍ وَبِزَمَانٍ، فَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الزَّمَانُ هُوَ الْمُرَادَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ مُرَادًا نَفْيُ غَيْرِهِ. الْحَدِيثُ الرَّابِعُ: حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: قَوْلُهُ: (بَعْضُ السِّبَاخِ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ الْخَفِيفَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِي الْفِتَنِ. وَحَاصِلُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِعْلَامُهُ ﷺ أَنَّ الدَّجَّالَ لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا الرُّعْبُ مِنْهُ كَمَا مَضَى. ١٠ - بَاب الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ ١٨٨٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلى النَّبِيّ ﷺ فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ: أَقِلْنِي. فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا. [الحديث ١٨٨٣ - أطرافه في: ٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢] ١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ يَقُولُ لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَتْ فِرْقَةٌ نَقْتُلُهُمْ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ لَا نَقْتُلُهُمْ فَنَزَلَتْ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَقال النبي ﷺ: "إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ. قَوْلُهُ: (بَابٌ) بِالتَّنْوِينِ (الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ) أَيْ: بِإِخْرَاجِهِ وَإِظْهَارِهِ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ) بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ جَابِرٍ) وَقَعَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا قَوْلُهُ: (جَاءَ أَعْرَابِيٌّ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، إِلَّا أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ذَكَرَ فِي رَبِيعِ الْأَبْرَارِ أَنَّهُ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ مَشْهُورٌ، صَرَّحُوا بِأَنَّهُ هَاجَرَ فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ آخَرُ وَافَقَ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ. وَفِي الذَّيْلِ لِأَبِي مُوسَى فِي الصَّحَابَةِ قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ الْمِنْقَرِيُّ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا. قَوْلُهُ: (فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُومًا فَقَالَ أَقِلْنِي) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِقَالَةَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَبِهِ جَزَمَ عِيَاضٌ، وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا اسْتَقَالَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ وَإِلَّا لَكَانَ قَتَلَهُ عَلَى الرِّدَّةِ، سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَوْلُهُ: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) يَتَعَلَّقُ بِأَقِلْنِي، وَيُقَالُ مَعًا (^١). قَوْلُهُ: (تَنْفِي خَبَثَهَا) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَوَائِلِ الْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: (وَتنْصَعُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ وَبِالْمُهْمَلَتَيْنِ مِنَ النُّصُوعِ وَهُوَ الْخُلُوصُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا إِذَا نَفَتِ الْخَبَثَ تَمَيَّزَ الطَّيِّبُ وَاسْتَقَرَّ فِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ: (طِيِّبُهَا) فَضَبَطَهُ الْأَكْثَرُ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوَّلَهُ وَرَفَعَ طَيِّبَهَا عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ وَطَيِّبُهَا لِلْجَمِيعِ بِالتَّشْدِيدِ، وَضَبَطَهُ الْقَزَّازُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَالتَّخْفِيفِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ فَقَالَ: لَمْ أَرَ لِلنُّصُوعِ فِي الطَّيِّبِ ذِكْرًا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ يَتَضَوَّعُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَزِيَادَةِ الْوَاوِ الثَّقِيلَةِ. قَالَ: وَيُرْوَى وَتَنْضَخُ بِمُعْجَمَتَيْنِ، وَأَغْرَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ فَضَبَطَهُ بِمُوَحَّدَةٍ وَضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ، وَقَالَ: هُوَ مِنْ أَبْضَعَهُ بِضَاعَةً إِذَا دَفَعَهَا إِلَيْهِ، يَعْنِي: أَنَّ الْمَدِينَةَ تُعْطِي طَيِّبَهَا لِمَنْ سَكَنَهَا. وَتَعَقَّبَهُ الصَّغَانِيُّ بِأَنَّهُ خَالَفَ جَمِيعَ الرُّوَاةِ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْمَشْهُورُ بِالنُّونِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) هُوَ الْخَطْمِيُّ، وَفِي الْإِسْنَادِ صَحَابِيَّانِ أَنْصَارِيَّانِ فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ. قَوْلُهُ: (رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ) هُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا بَيَانُ ابْتِدَاءِ قَوْلِهِ: تَنْفِي الرِّجَالَ وَأَنَّهُ كَانَ فِي أُحُدٍ. قَوْلُهُ: (الرِّجَالُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ، الدَّجَّالُ بِالدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَوَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ تَنْفِي الذُّنُوبَ وَفِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ تَنْفِي الْخَبَثَ وَأَخْرَجَهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ بِاللَّفْظِ الَّذِي أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ غُنْدَرٍ، وَغُنْدَرٌ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي شُعْبَةَ، وَرِوَايَتُهُ تُوَافِقُ رِوَايَةَ حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي قَبْلَهُ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: تَنْفِي خَبَثَهَا وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: تُخْرِجُ الْخَبَثَ وَمَضَى فِي أَوَّلِ فَضَائِلِ الْمَدِينَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: تَنْفِي النَّاسَ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي هُنَا بِلَفْظِ: تَنْفِي الرِّجَالَ لَا تُنَافِي الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ الْخَبَثِ بَلْ هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، بِخِلَافِ تَنْفِي الذُّنُوبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَهْلَ الذُّنُوبِ فَيَلْتَئِمُ مَعَ بَاقِي الرِّوَايَاتِ.