كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا
[الحديث ١٩٦٥ - أطرافه في: ١٩٦٦، ٦٨٥١، ٧٢٤٢، ٧٢٩٩]
١٩٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ مَرَّتَيْنِ قِيلَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ قَالَ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ "
قَوْلُهُ: (بَابُ التَّنْكِيلِ لِمَنْ أَكْثَرَ الْوِصَالَ) التَّقْيِيدُ بأَكْثَرَ قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ قَلل مِنْهُ لَا نَكَالَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقْلِيلَ مِنْهُ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ التَّنْكِيلِ ثُبُوتُ الْجَوَازِ.
قَوْلُهُ: (رَوَاهُ أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هَكَذَا رَوَاهُ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَتَابَعَهُ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ التَّعْزِيرِ، وَمَعْمَرٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّمَنِّي، وَيُونُسُ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَآخَرُونَ. وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَلَّقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُحَارِبِينَ وَفِي التَّمَنِّي، وَلَيْسَ اخْتِلَافًا ضَارًّا فَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ هَذَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَمِرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ الزُّبَيْدِيَّ تَابَعَ ابْنَ نُمَيْرٍ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ لَهُ رِجَالٌ.
قَوْلُهُ: (عَنِ الْوِصَالِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: مِنَ الْوِصَالِ.
قَوْلُهُ: (وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ قَدْرَ الْمُوَاصَلَةِ بِهِمْ كَانَتْ يَوْمَيْنِ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ الْمُشَارِ إِلَيْهَا.
قَوْلُهُ: (لَوْ تَأَخَّرَ) أَيِ: الشَّهْرُ (لَزِدْتُكُمْ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ قَوْلِ لَوْ، وَحَمْلِ النَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي كِتَابِ التَّمَنِّي فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ أَيْ: فِي الْوِصَالِ إِلَى أَنْ تَعْجِزُوا عَنْهُ فَتَسْأَلُوا التَّخْفِيفَ عَنْكُمْ بِتَرْكِهِ، وَهَذَا كَمَا أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا مِنْ حِصَارِ الطَّائِفِ فَلَمْ يُعْجِبُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِمُبَاكَرَةِ الْقِتَالِ مِنَ الْغَدِ فَأَصَابَتْهُمْ جِرَاحٌ وَشِدَّةٌ وَأَحَبُّوا الرُّجُوعَ فَأَصْبَحَ رَاجِعًا بِهِمْ فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ مُوَضَّحًا فِي كِتَابِ الْمَغَازِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ) فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ: كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ وَوَقَعَ فِيهَا عِنْدَ الْمُسْتَمْلِي كَالْمُنْكِرِ بِالرَّاءِ وَسُكُونِ النُّونِ مِنَ الْإِنْكَارِ، وَلِلْحَمَوِيِّ كَالْمُنْكِي بِتَحْتَانِيَّةِ سَاكِنَةٍ قَبْلَهَا كَافٌ مَكْسُورَةٌ خفِيفَةٌ مِنَ النِّكَايَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي تَضَافَرَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ خَارِجَ هَذَا الْكِتَابِ، وَالتَّنْكِيلُ الْمُعَاقَبَةُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) كَذَا لِلْأَكْثَرِ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَلِأَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى.
قَوْلُهُ: (إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ مَرَّتَيْنِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ، إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مَرَّتَيْنِ اخْتِصَارٌ مِنَ الْبُخَارِيِّ أَوْ شَيْخِهِ، وَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِ قَوْلُهُ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ) كَذَا فِي الطَّرِيقَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ مِنْ رِوَايَةٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ بِلَفْظِ: أَظَلُّ وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَهِيَ
مَحْمُولَةٌ عَلَى مُطْلَقِ الْكَوْنِ لَا عَلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْمُتَحَدَّثَ عَنْهُ هُوَ الْإِمْسَاكُ لَيْلًا لَا نَهَارًا; وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَبِيتُ وَكَأَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ عَبَّرَ عَنْهَا بِـ أَظَلُّ نَظَرًا إِلَى اشْتِرَاكِهِمَا فِي مُطْلَقِ الْكَوْنِ، يَقُولُونَ كَثِيرًا: أَضْحَى فُلَانٌ كَذَا. مَثَلًا، وَلَا يُرِيدُونَ تَخْصِيصَ ذَلِكَ بِوَقْتِ الضُّحَى، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾). فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَلَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِنَهَارٍ دُونَ لَيْلٍ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي فَيُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ كَذَلِكَ، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ كَذَلِكَ، وَوَقَعَ لِمُسْلِمٍ فِيهِ شَيْءٌ غَرِيبٌ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ بِمِثْلِ حَدِيثِ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَلَفْظُ عُمَارَةَ الْمَذْكُورُ عِنْدَهُ: إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي.
وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ نُمَيْرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ فِيهَا: عِنْدَ رَبِّي وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا الْأَعْمَشُ فَقَدْ أَخْرَجَهَا أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَوَقَعَتْ فِي حَدِيثِ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ الْمَاضِي فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا بِلَفْظِ: أَظَلُّ عِنْدَ اللَّهِ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بِلَفْظِ: عِنْدَ رَبِّي وَوَقَعَتْ أَيْضًا كَذَلِكَ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَسَنِ بِلَفْظِ: إِنِّي أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِطَعَامِ وَشَرَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَرَامَةً لَهُ فِي لَيَالِي صِيَامِهِ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا، وَبِأَنَّ قَوْلَهَ: يَظَلُّ يَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ، فَلَوْ كَانَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ صَائِمًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّاجِحَ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَفْظُ أَبِيتُ دُونَ أَظَلُّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الثُّبُوتِ فَلَيْسَ حَمْلُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى الْمَجَازِ بِأَوْلَى لَهُ مِنْ حَمْلِ لَفْظِ أَظَلُّ عَلَى الْمَجَازِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَا يُؤْتَى بِهِ الرَّسُولُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَامَةِ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ وَشَرَابِهَا لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُكَلَّفِينَ فِيهِ كَمَا غُسِلَ صَدْرُهُ ﷺ فِي طَسْتِ
الذَّهَبِ، مَعَ أَنَّ اسْتِعْمَالَ أَوَانِي الذَّهَبِ الدُّنْيَوِيَّةِ حَرَامٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: الَّذِي يُفْطِرُ شَرْعًا إِنَّمَا هُوَ الطَّعَامُ الْمُعْتَادُ، وَأَمَّا الْخَارِقُ لِلْعَادَةِ كَالْمُحْضَرِ مِنَ الْجَنَّةِ فَعَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَيْسَ تَعَاطِيهِ مِنْ جِنْسِ الْأَعْمَالِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِنْسِ الثَّوَابِ، كَأَكْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ، وَالْكَرَامَةُ لَا تُبْطِلُ الْعِبَادَةَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ عَلَى حَقِيقَتِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، بَلِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ: أَبِيتُ، وَأَكْلُهُ وَشُرْبُهُ فِي اللَّيْلِ مِمَّا يُؤْتَى بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، لَا يَقْطَعُ وِصَالَهُ؛ خُصُوصِيَّةً لَهُ بِذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ فِي ذَلِكَ كَهَيْئَتِكُمْ، أَيْ: عَلَى صِفَتِكُمْ فِي أَنَّ مَنْ أَكَلَ مِنْكُمْ أَوْ شَرِبَ انْقَطَعَ وِصَالُهُ، بَلْ إِنَّمَا يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي، وَلَا تَنْقَطِعُ بِذَلِكَ مُوَاصَلَتِي، فَطَعَامِي وَشَرَابِي عَلَى غَيْرِ طَعَامِكُمْ وَشَرَابِكُمْ؛ صُورَةً وَمَعْنًى. وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ أَكْلَهُ وَشُرْبَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَحَالِ النَّائِمِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الشِّبَعُ وَالرِّيُّ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَيَسْتَمِرُّ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَلَا يَبْطُلُ بِذَلِكَ صَوْمُهُ، وَلَا يَنْقَطِعُ وِصَالُهُ وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حَالَةِ اسْتِغْرَاقِهِ ﷺ فِي أَحْوَالِهِ الشَّرِيفَةِ حَتَّى لَا يُؤَثِّرَ فِيهِ حِينَئِذٍ شَيْءٌ مِنَ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: قَوْلُهُ: يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي مَجَازٌ عَنْ لَازِمِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَهُوَ الْقُوَّةُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يُعْطِينِي قُوَّةَ الْآكِلِ وَالشَّارِبِ، وَيُفِيضُ عَلَيَّ مَا يَسُدُّ مَسَدَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيُقَوِّي
عَلَى أَنْوَاعِ الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ فِي الْقُوَّةِ وَلَا كَلَالٍ فِي الْإِحْسَاسِ، أَوِ الْمَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهِ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَا يُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُعْطَى الْقُوَّةَ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ مَعَ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ، وَعَلَى الثَّانِي يُعْطَى الْقُوَّةَ مَعَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ، وَرُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الثَّانِي يُنَافِي حَالَ الصَّائِمِ، وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّيَامِ وَالْوِصَالِ؛ لِأَنَّ الْجُوعَ هُوَ رُوحُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِخُصُوصِهَا.