HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر

رقم الحديث 2159

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ صَبَّاحٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ»، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ.
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج3 ص72
ج 3 ص 72

سلسلة الرواة

فتح الباري · ابن حجر · ج4 ص372
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مِمَّا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فَمُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الظُّهُورِ وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ظُهُورِ السَّعَةِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَفْوِيتِ الرِّبْحِ وَالرِّزْقِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْعِلْمِ بِالنَّهْيِ فَلَا إِشْكَالَ فِيهِ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ: شَرْطُ حَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ مُعْتَبَرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ عُمُومَهَا، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْبَغَوِيِّ وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ هَلْ يَصِحُّ مَعَ التَّحْرِيمِ أَوْ لَا يَصِحُّ؟ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ. ٦٩ - بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ ٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ) وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَيْ: حَيْثُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِالسِّمْسَارِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) كَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ فِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْأَجْرِ كَمَا فِي التَّرْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ بَيْعَ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي لَا يَجُوزُ بِأَجْرٍ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ قَيَّدَ بِهِ مُطْلَقَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وَقَدْ أَجَازَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنْ يُشِيرَ الْحَاضِرُ عَلَى الْبَادِي وَقَالَ: لَيْسَتِ الْإِشَارَةُ بَيْعًا. وَعَنِ اللَّيْثِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا أَشَارَ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاعَهُ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، وَالرَّاجِحُ مِنْهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْبَيْعِ لَهُ وَلَيْسَتِ الْإِشَارَةُ بَيْعًا، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِنُصْحِهِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْإِشَارَةِ. (تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فَرْدٌ غَرِيبٌ لَمْ أَرَهُ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَقَدْ ضَاقَ مَخْرَجُهُ عَلَى الْإِسْمَاعِيلِيِّ، وَعَلَى أَبِي نُعَيْمٍ فَلَمْ يُخَرِّجَاهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ، وَلَهُ أَصْلٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: عَدُّوهُ فِي أَفْرَادِ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ تَابَعَهُ الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، ثُمَّ سَاقَهُ بِإِسْنَادَيْنِ إِلَى الْقَعْنَبِيِّ. ٧٠ - بَاب لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ، وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَلِلْمُشْتَرِي وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ ٢١٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَبْتَعِ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. ٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قَوْلُهُ: (بَابٌ لَا يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ) أَيْ: قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ لَهُ أَوِ اسْتِعْمَالًا لِلَفْظِ الْبَيْعِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ: الثَّرَاءُ لِلْبَادِي مِثْلُ الْبَيْعِ، لِقَوْلِهِ ﵊: لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الشِّرَاءُ. وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ. قَوْلُهُ: (وَكَرِهَهُ ابْنُ سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي) أَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ فَوَصَلَهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَقِيتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَقُلْتُ: لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، أَنُهِيتُمْ أَنْ تَبِيعُوا أَوْ تَبْتَاعُوا لَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ مُحَمَّدٌ: وَصَدَقَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بِلَالٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: كَانَ يُقَالُ لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَهِيَ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لَا يَبِيعُ لَهُ شَيْئًا وَلَا يَبْتَاعُ لَهُ شَيْئًا، وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَهُوَ النَّخَعِيُّ فَلَمْ أَقِفْ عَنْهُ كَذَلِكَ صَرِيحًا. قَوْلُهُ: (قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثُوبَا، وَهِيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ) هَذَا قَالَهُ إِبْرَاهِيمُ اسْتِدْلَالًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْكَرَاهَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ. قَوْلُهُ: (لَا يَبْتَعِ الْمَرْءُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ لَا يَبْتَاعُ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ: وَقَدْ تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلُ بِأَبْوَابٍ، وَكَذَا عَلَى قَوْلِهِ: لَا تَنَاجَشُوا. ثَانِيهِمَا حَدِيثُ أَنَسٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدٍ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ. قَوْلُهُ: (نُهِينَا أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ) زَادَ مُسْلِمٌ وَالْنَسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسٍ: وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ أَوْ أَبَاهُ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَهُ، وَعُرِفَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ النَّاهِي الْمُبْهَمَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى هُوَ النَّبِيُّ ﷺ، وَهُوَ يُقَوِّي الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ أَنَّ لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ: نُهِينَا عَنْ كَذَا حُكْمَ الرَّفْعِ وَأَنَّهُ فِي قُوَّةِ قَوْلِهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ. ٧١ - بَاب النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوزُ ٢١٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ التَّلَقِّي، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. ٢١٦٣ - حَدَّثَنِي عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَبِيعَنَّ حَاضِرٌ لِبَادٍ فَقَالَ لَا يَكُنْ لَهُ سِمْسَارًا" ٢١٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنِي التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ مَنْ اشْتَرَى مُحَفَّلَةً فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا قَالَ وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ" ٢١٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَلَا تَلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ" قَوْلُهُ: (بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَهُوَ خِدَاعٌ فِي الْبَيْعِ، وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوزُ) جَزَمَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، لَكِنْ مَحَلُّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا مَا إِذَا كَانَ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ بِشَرْطِهِ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبِهِ عَاصِيًا آثِمًا وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ خِدَاعًا فَصَحِيحٌ، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ مَرْدُودًا؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ الْعَقْدِ، وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِهِ وَشَرَائِطِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْإِضْرَارِ بِالرُّكْبَانِ، وَالْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ صَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْبَيْعَ مَرْدُودٌ عَلَى مَا إِذَا اخْتَارَ الْبَائِعُ رَدَّهُ فَلَا يُخَالِفُ الرَّاجِحَ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَلْزَمَهُ التَّنَاقُضَ بِبَيْعِ الْمُصَرَّاةِ، فَإِنَّ فِيهِ خِدَاعًا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَبْطُلِ الْبَيْعُ، وَبِكَوْنِهِ فَصَلَ فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي بَيْنَ أَنْ يَبِيعَ لَهُ بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْمَاضِي فِي بَيْعِ الْخِيَارِ فَفِيهِ: فَإِنْ كَذَّبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا قَالَ: فَلَمْ يَبْطُلْ بَيْعُهُمَا بِالْكَذِبِ وَالْكِتْمَانِ لِلْعَيْبِ، وَقَدْ وَرَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: أَنَّ صَاحِبَ السِّلْعَةِ إِذَا بَاعَهَا لِمَنْ تَلَقَّاهُ يَصِيرُ بِالْخِيَارِ إِذَا دَخَلَ السُّوقَ ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ التَّلَقِّيَ وَكَرِهَهُ الْجُمْهُورُ. قُلْتُ: الَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ يُكْرَهُ التَّلَقِّي فِي حَالَتَيْنِ: أَنْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَنْ يَلْتَبِسَ السِّعْرُ عَلَى الْوَارِدِينَ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ تَلَقَّاهُ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَاحِبُ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ تَلَقِّي الْجَلَبِ، فَإِنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إِذَا أَتَى السُّوقَ. قُلْتُ: وَهُوَ حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ بِلَفْظِ: لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ وَقَوْلُهُ: فَهُوَ بِالْخِيَارِ أَيْ: إِذَا قَدِمَ السُّوقَ وَعَلِمَ السِّعْرَ، وَهَلْ يَثْبُتُ لَهُ مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ أَنْ يَقَعَ لَهُ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ، وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ مَنْفَعَةِ الْبَائِعِ وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَصِيَانَتِهِ مِمَّنْ يَخْدَعُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَحَمَلَهُ مَالِكٌ عَلَى نَفْعِ أَهْلِ السُّوقِ لَا عَلَى نَفْعِ رَبِّ السِّلْعَةِ، وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ لَا لِأَهْلِ السُّوقِ. انْتَهَى. وَاحْتَجَّ مَالِكٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْبَابِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ: أَوَّلُها حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ) هُوَ الْمَقْبُرِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنِ التَّلَقِّي) ظَاهِرُهُ مَنْعُ التَّلَقِّي مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا، سَوَاءٌ كَانَ لِأَجْلِ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَمْ لَا، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ. ثَانِيهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى) هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى. قَوْلُهُ: (سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ) كَذَا رَوَاهُ مُخْتَصَرًا وَلَيْسَ فِيهِ لِلتَّلَقِّي ذِكْرٌ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ عَلَى عَادَتِهِ إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ، فَقَدْ سَبَقَ قَبْلَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ وَفِي أَوَّلِهِ: لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مَعْمَرٍ، وَالْقَوْلُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالْقَوْلِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَوْلُهُ: لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ مَنْ يَجْلِبُ الطَّعَامَ يَكُونُونَ عَدَدًا رُكْبَانًا، وَلَا مَفْهُومَ لَهُ بَلْ لَوْ كَانَ الْجَالِبُ عَدَدًا مُشَاةً أَوْ وَاحِدًا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا لَمْ يَخْتَلِفِ الْحُكْمُ. وَقَوْلُهُ: لِلْبَيْعِ يَشْمَلُ الْبَيْعَ لَهُمْ وَالْبَيْعَ مِنْهُمْ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ اشْتِرَاطُ قَصْدِ ذَلِكَ بِالتَّلَقِّي، فَلَوْ تَلَقَّى الرُّكْبَانَ أَحَدٌ لِلسَّلَامِ أَوِ الْفُرْجَةِ أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ لَهُ فَوَجَدَهُمْ فَبَايَعَهُمْ هَلْ يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ، فَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمَعْنَى لَمْ يَفْتَرِقْ عِنْدَهُ الْحُكْمُ بِذَلِكَ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَشَرَطَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي النَّهْيِ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُتَلَقِّي فَيَطْلُبَ مِنَ الْجَالِبِ الْبَيْعَ، فَلَوِ ابْتَدَأَ الْجَالِبُ بِطَلَبِ الْبَيْعِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْمُتَلَقِّي لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ، وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي صُورَةِ التَّلَقِّي الْمُحَرَّمِ أَنْ يَكْذِبَ فِي سِعْرِ الْبَلَدِ وَيَشْتَرِيَ مِنْهُمْ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِيهَا أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّخُولِ، وَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقِ الشِّيرَازِيُّ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِكَسَادِ مَا مَعَهُمْ لِيَغْبِنَهُمْ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ التَّقْيِيدَاتِ إِثْبَاتُ الْخِيَارِ لِمَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَلَقٍّ، لَكِنْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ كَوْنَ إِخْبَارِهِ كَذِبًا لَيْسَ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا ظَهَرَ الْغَبْنُ فَهُوَ الْمُعْتَبَرُ وُجُودًا وَعَدَمًا. ثَالِثُهَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْمُصَرَّاةِ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: وَنَهَى عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي تَقْيِيدَ النَّهْيِ الْمُطْلَقِ فِي التَّلَقِّي بِمَا إِذَا كَانَ لِأَجْلِ الْمُبَايَعَةِ. رَابِعُهَا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. فَدَلَّتِ الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ - وَهِيَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ - أَنَّ الْوُصُولَ إِلَى أَوَّلِ السُّوقِ لَا يُلَقَّى حَتَّى يَدْخُلَ السُّوقَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ مُنْتَهَى النَّهْيِ عَنِ التَّلَقِّي لَا يَدْخُلُ الْبَلَدَ سَوَاءٌ وَصَلَ إِلَى السُّوقِ أَمْ لَا، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ فِي حَدِّ التَّلَقِّي. قَوْلُهُ: (وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ وَضَمِّ الْوَاوِ أَيْ: تَتَلَقَّوُا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ. ثُمَّ إِنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ عَنِ التَّلَقِّي يَتَنَاوَلُ طُولَ الْمَسَافَةِ وَقِصَرِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَيَّدَ الْمَالِكِيَّةُ مَحَلَّ النَّهْيِ بِحَدٍّ مَخْصُوصٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقِيلَ: مِيلٌ وَقِيلَ: فَرْسَخَانِ وَقِيلَ: يَوْمَانِ وَقِيلَ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَمَّا ابْتِدَاؤُهَا فَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. ٧٢ - بَاب مُنْتَهَى التَّلَقِّي