وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى الْقِيمَةِ مُطْلَقًا، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ كَالْأَوَّلِ، وَعَنْهُ مَا صَنَعَهُ الْآدَمِيُّ فَالْمِثْلُ، وَأَمَّا الْحَيَوَانُ فَالْقِيمَةُ. وَعَنْهُ مَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا فَالْقِيمَةُ وَإِلَّا فَالْمِثْلُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ. وَمَا أَطْلَقَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا يُحْكَمُ فِي الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ مُتَشَابِهَ الْأَجْزَاءِ وَأَمَّا الْقَصْعَةُ فَهِيَ مِنَ الْمُتَقَوَّمَاتِ لِاخْتِلَافِ أَجْزَائِهَا. وَالْجَوَابُ مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْقَصْعَتَيْنِ كَانَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي بَيْتَيْ زَوْجَتَيْهِ فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِجَعْلِ الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ فِي بَيْتِهَا وَجَعْلِ الصَّحِيحَةِ فِي بَيْتِ صَاحِبَتِهَا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ تَضْمِينٌ، وَيُحْتَمَلُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ الْقَصْعَتَانِ لَهُمَا أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ سَدَادًا بَيْنَهُمَا فَرَضِيَتَا بِذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الزَّمَانِ الَّذِي كَانَتِ الْعُقُوبَةُ فِيهِ بِالْمَالِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، فَعَاقَبَ الْكَاسِرَةَ بِإِعْطَاءِ قَصْعَتِهَا لِلْأُخْرَى.
قُلْتُ: وَيَبْعُدُ هَذَا التَّصْرِيحُ بِقَوْلِهِ: إِنَاءٌ كَإِنَاءٍ، وَأَمَّا التَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ فَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: مَنْ كَسَرَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: فَصَارَتْ قَضِيَّةً، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمًا عَامًّا لِكُلِّ مَنْ وَقَعَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيَبْقَى دَعْوَى مَنِ اعْتَذَرَ عَنِ الْقَوْلِ بِهِ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، لَكِنَّ مَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا أَفْسَدَ الْمَكْسُورَ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْكَسْرُ خَفِيفًا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ فَعَلَى الْجَانِي أَرْشُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الطَّعَامِ فَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَعُونَةِ وَالْإِصْلَاحِ دُونَ بَتِّ الْحُكْمِ بِوُجُوبِ الْمِثْلِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ مَعْلُومٌ، وَفِي طُرُقِ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الطَّعَامَيْنِ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاحْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِمْ إِذَا تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَغْصُوبَةُ بِفِعْلِ الْغَاصِبِ حَتَّى زَالَ اسْمُهَا وَعِظَمُ مَنَافِعِهَا زَالَ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ عَنْهَا وَمَلَكَهَا الْغَاصِبُ وَضَمِنَهَا، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ لِذَلِكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا وُصِفَتِ الْمُرْسِلَةُ بِأَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إِيذَانًا بِسَبَبِ الْغَيْرَةِ الَّتِي صَدَرَتْ مِنْ عَائِشَةَ وَإِشَارَةً إِلَى غَيْرَةِ الْأُخْرَى حَيْثُ أَهْدَتْ إِلَى بَيْتِ ضَرَّتِهَا. وَقَوْلُهُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ اعْتِذَارٌ مِنْهُ ﷺ لِئَلَّا يُحْمَلَ صَنِيعُهَا عَلَى مَا يُذَمُّ، بَلْ يَجْرِي عَلَى عَادَةِ الضَّرَائِرِ مِنَ الْغَيْرَةِ، فَإِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ فِي النَّفْسِ بِحَيْثُ لَا يُقْدَرُ عَلَى دَفْعِهَا. وَسَيَأْتِي مَزِيدٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَيْرَةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَفِي الْحَدِيثِ حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ وَإِنْصَافُهُ وَحِلْمُهُ، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا لَمْ يُؤَدِّبِ الْكَاسِرَةَ وَلَوْ بِالْكَلَامِ لِمَا وَقَعَ مِنْهَا مِنَ التَّعَدِّي لِمَا فَهِمَ مِنْ أَنَّ الَّتِي أَهْدَتْ أَرَادَتْ بِذَلِكَ أَذَى الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا وَالْمُظَاهَرَةَ عَلَيْهَا، فَاقْتَصَرَ عَلَى تَغْرِيمِهَا لِلْقَصْعَةِ. قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يُغَرِّمْهَا الطَّعَامَ لِأَنَّهُ كَانَ مُهْدًى، فَإِتْلَافُهُمْ لَهُ قَبُولٌ أَوْ فِي حُكْمِ الْقَبُولِ، وَغَفَلَ ﵀ عَمَّا وَرَدَ فِي الطُّرُقِ الْأُخْرَى، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ سَعِيدٌ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ بَيَانَ التَّصْرِيحِ بِتَحْدِيثِ أَنَسٍ، لِحُمَيْدٍ، وَقَدْ وَقَعَ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا مِنْ عِنْدِ ابْنِ حَزْمٍ.
٣٥ - بَاب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ
٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ - يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى. فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا،
فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ)؛ أَيْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَوْرَدَ فيه الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ مُخْتَصَرًا، وَسَاقَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُطَوَّلًا، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ هُنَاكَ مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ مِنْهُ هُنَا قَوْلُهُ: فَقَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ: فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ. وَتَوْجِيهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا، وَهُوَ كَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْتِ شَرْعُنَا بِخِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ، لَكِنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقِصَّةِ جُرَيْجٍ فِيمَا تَرْجَمَ بِهِ نَظَرٌ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ ; لِأَنَّهُمْ عَرَضُوا عَلَيْهِ مَا لَا يَلْزَمُهُمُ اتِّفَاقًا وَهُوَ بِنَاؤُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَا أَجَابَهُمْ جُرَيْجٌ إِلَّا بِقَوْلِهِ: مِنْ طِينٍ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا. قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْهَادِمَ لَوِ الْتَزَمَ الْإِعَادَةَ وَرَضِيَ صَاحِبُهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ لَا يَجُوزَ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِمَا وَجَبَ نَاجِزًا - وَهُوَ الْقِيمَةُ - إِلى مَا يَتَأَخَّرُ - وَهُوَ الْبُنْيَانُ. قَالَ ابْنُ مَالِكٍ: فِي قَوْلِهِ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ شَاهِدٌ عَلَى حَذْفِ الْمَجْزُومِ بِلَا؛ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: لَا تَبْنُوهَا إِلَّا مِنْ طِينٍ.
(خَاتِمَةٌ): اشْتَمَلَ كِتَابُ الْمَظَالِمِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا؛ الْمُعَلَّقُ مِنْهَا سِتَّةٌ، الْمُكَرَّرُ مِنْهَا فِيهِ وَفِيمَا مَضَى ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا، وَافَقَهُ مُسْلِمٌ عَلَى تَخْرِيجِهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ: انْصُرْ أَخَاكَ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ، وَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ، وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فِي النَّهْيِ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الْقَصْعَةِ الْمَكْسُورَةِ. وَفِيهِ مِنَ الْآثَارِ سَبْعَةُ آثَارٍ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
﷽
٤٧ - كِتَاب الشَّرِكَة
١ - باب الشرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالْعُرُوضِ
وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً، لَمَّا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا، وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ.