٢٠ - بَاب إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ
٢٥٥٩ - حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.
وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ) الْعَبْدَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، وَذِكْرُ الْعَبْدِ لَيْسَ قَيْدًا بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلِينَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خُصَّ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا بَيَانُ حُكْمِ الرَّقِيقِ، كَذَا قَرَّرَهُ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَأَظُنُّ الْمُصَنِّفُ أَشَارَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِلَفْظِ إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ.
قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ) هُوَ أبو ثَابِتٍ الْمَدَنِيُّ ; وَرِجَالُ الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ مَدَنِيُّونَ، وَكَأَنَّ أَبَا ثَابِتٍ تَفَرَّدَ بِهِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، فَإِنِّي لَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُصَنَّفَاتِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ) قَائِلُ ذَلِكَ هُوَ أَبُو ثَابِتٍ فَهُوَ مَوْصُولٌ وَلَيْسَ بِمُعَلَّقٍ، وَفَاعِلُ قَالَ هُوَ ابْنُ وَهْبٍ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ وَبِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْآخَرِ. وَكَانَ ابْنُ وَهْبٍ حَرِيصًا عَلَى تَمْيِيزِ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ فُلَانٍ فَقَالَ الْمِزِّيُّ: يُقَالُ هُوَ ابْنُ سَمْعَانَ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَمْعَانَ الْمَدَنِيَّ، وَهُوَ يُوهِمُ تَضْعِيفَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْكَلَابَاذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَهُ قَبْلَهُ بَعْضُ الْقُدَمَاءِ أَيْضًا ; فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْمُسْتَمْلِي: قَالَ أَبُو حَرْبٍ: الَّذِي قَالَ ابْنُ فُلَانٍ هُوَ ابْنُ وَهْبٍ، وَابْنُ فُلَانٍ هُوَ ابْنُ سَمْعَانَ.
قُلْتُ: وَأَبُو حَرْبٍ هَذَا هُوَ بَيَانٌ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خِرَاشٍ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ لَكِنْ قَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: ابْنُ فُلَانٍ: ابْنُ سَمْعَانَ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ كَنَّى عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ عَمْدًا لِضَعْفِهِ، وَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ خَارِجَ الصَّحِيحِ نَسَبَهُ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ بِمَا خَرَّجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ وَقَالَ فِيهِ ابْنُ سَمْعَانَ وَقَالَ بَعْدَهُ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي ثَابِتٍ فَقَالَ: ابْنُ فُلَانٍ، وَأَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ: ابْنُ سَمْعَانَ، وَابْنُ سَمْعَانَ الْمَذْكُورُ مَشْهُورٌ بِالضَّعْفِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ كَذَّبَهُ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا، وَمَا لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ شَيْءٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، ثُمَّ إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَسُقِ الْمَتْنَ مِنْ طَرِيقِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَقْرُونًا بِمَالِكٍ، بَلْ سَاقَهُ عَلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ فَلْيَتَّقِ بَدَلَ فَلْيَجْتَنِبْ وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي نُعَيْمٍ الْمَذْكُورَةُ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ إِذَا ضَرَبَ وَمِثْلُهُ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَجْلَانَ، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ قَاتَلَ بِمَعْنَى قَتَلَ، وَأَنَّ الْمُفَاعَلَةَ فِيهِ لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهَا لِيَتَنَاوَلَ مَا يَقَعُ عِنْدَ دَفْعِ الصَّائِلِ مَثَلًا
فَيَنْهَى دَافِعَهُ عَنِ الْقَصْدِ بِالضَّرْبِ إِلَى وَجْهِهِ، وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ كُلُّ مَنْ ضُرِبَ فِي حَدٍّ أَوْ تَعْزِيرٍ أَوْ تَأْدِيبٍ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَغَيْرِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ الَّتِي زَنَتْ فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجْمِهَا وَقَالَ: ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ تَعَيَّنَ إِهْلَاكُهُ فَمَنْ دُونَهُ أَوْلَى. قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا نَهَى عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ لِأَنَّهُ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ، وَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ الْإِدْرَاكُ بِأَعْضَائِهِ، فَيُخْشَى مِنْ ضَرْبِهِ أَنْ تَبْطُلَ أَوْ تَتَشَوَّهَ كُلُّهَا أَوْ بَعْضُهَا، وَالشَّيْنُ فِيهَا فَاحِشٌ لِظُهُورِهَا وَبُرُوزِهَا، بَلْ لَا يَسْلَمُ إِذَا ضَرَبَهُ غَالِبًا مِنْ شَيْنٍ اهـ.
وَالتَّعْلِيلُ الْمَذْكُورٌ حَسَنٌ، لَكِنْ ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ تَعْلِيلٌ آخَرُ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَزَادَ: فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ. وَاخْتُلِفَ فِي الضَّمِيرِ عَلَى مَنْ يَعُودُ؟ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الْمَضْرُوبِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِإِكْرَامِ وَجْهِهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمُرَادَ التَّعْلِيلُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ارْتِبَاطٌ بِمَا قَبْلَهَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَعَادَ بَعْضُهُمُ الضَّمِيرَ عَلَى اللَّهِ مُتَمَسِّكًا بِمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَكَأَنَّ مَنْ رَوَاهُ أَوْرَدَهُ بِالْمَعْنَى مُتَمَسِّكًا بِمَا تَوَهَّمَهُ فَغَلِطَ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ أَنْكَرَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ صِحَّةَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالْبَارِي ﷾. قُلْتُ: الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ وَأَخْرَجَهَا ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ يَرُدُّ التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ صُورَةَ وَجْهِ الْإِنْسَانِ عَلَى صُورَةِ وَجْهِ الرَّحْمَنِ فَتَعَيَّنَ إِجْرَاءُ مَا فِي ذَلِكَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ إِمْرَارِهِ كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادِ تَشْبِيهٍ، أَوْ مِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالرَّحْمَنِ ﷻ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَّلِ كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ .. الْحَدِيثَ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى آدَمَ أَيْ عَلَى صِفَتِهِ أَيْ خَلَقَهُ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الَّذِي فَضَلَ بِهِ الْحَيَوَانَ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ: غَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فَأَجْرَى هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَالَ: صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ انْتَهَى. وَقَالَ حَرْبٌ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: صَحَّ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ الْكَوْسَجِ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ - أَيْ صُورَةِ الرَّجُلِ - فَقَالَ: كَذَبَ هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ انْتَهَى.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: لَا تَقُولَنَّ: قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَكَ وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَكَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْنِبِ الْوَجْهَ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ وَجْهِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضِ النَّوَوِيُّ لِحُكْمِ هَذَا. انتهى. وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ. وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ الصَّحَابِيِّ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَطَمَ غُلَامَهُ فَقَالَ: أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحْتَرَمَةٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.
﷽
٥٠ - كِتَابُ الْمُكَاتَبِ
قَوْلُهُ: (بَابٌ فِي الْمُكَاتَبِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ كِتَابُ الْمُكَاتَبِ؛ وَأَثْبَتُوا كُلُّهُمُ الْبَسْمَلَةَ. وَالْمُكَاتَبُ بِالْفَتْحِ مَنْ تَقَعُ لَهُ الْكِتَابَةُ، وَبِالْكَسْرِ مَنْ تَقَعُ مِنْهُ، وَكَافُ الْكِتَابَةِ تُكْسَرُ وَتُفْتَحُ كَعَيْنِ الْعِتَاقَةِ، قَالَ الرَّاغِبُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ كَتَبَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ - ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أَوْ بِمَعْنَى جَمَعَ وَضَمَّ، وَمِنْهُ كَتَبْتُ الْخَطَّ، وَعَلَى الْأَوَّلِ تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنْ مَعْنَى الِالْتِزَامِ، وَعَلَى الثَّانِي تَكُونُ مَأْخُوذَةً مِنَ الْخَطِّ لِوُجُودِهِ عِنْدَ عَقْدِهَا غَالِبًا.
قَالَ الرُّويَانِيُّ: الْكِتَابَةُ إِسْلَامِيَّةٌ وَلَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَذَا قَالَ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَأْبَاهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ التِّينِ: كَانَتِ الْكِتَابَةُ مُتَعَارَفَةٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَأَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كَلَامِهِ عَلَى حَدِيثِ بَرِيرَةَ: قِيلَ: إِنَّ بَرِيرَةَ أَوَّلُ مُكَاتَبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَانُوا يُكَاتِبُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ مِنَ الرِّجَالِ فِي الْإِسْلَامِ سَلْمَانُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي الْبُيُوعِ فِي بَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ أَبُو الْمُؤَمِّلِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَعِينُوهُ، وَأَوَّلَ مَنْ كُوتِبَ مِنَ النِّسَاءِ بَرِيرَةُ، كَمَا سَيَأْتِي حَدِيثُهَا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ، وَأَوَّلُ مَنْ كُوتِبَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو أُمَيَّةَ مَوْلَى عُمَرَ، ثُمَّ سِيرِينُ مَوْلَى أَنَسٍ. وَاخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْكِتَابَةِ، وَأَحْسَنُهُ: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بِصِفَةٍ عَلَى مُعَاوَضَةٍ مَخْصُوصَةٍ. وَالْكِتَابَةُ خَارِجَةٌ عَنِ الْقِيَاسِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ، وَهِيَ لَازِمَةٌ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ إِلَّا إِنْ عَجَزَ الْعَبْدُ، وَجَائِزَةٌ لَهُ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِيهَا.
بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ
قَوْلُهُ: (بَابُ إِثْمِ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ) كَذَا لِلْجَمِيعِ هُنَا إِلَّا النَّسَفِيَّ وَأَبَا ذَرٍّ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَثْبَتَ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ فِيهَا حَدِيثًا، وَلَا أَعْرِفُ لِدُخُولِهَا فِي أَبْوَابِ الْمُكَاتَبِ مَعْنًى. ثُمَّ وَجَدْتُهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ شَبَّوَيْهِ مُقَدَّمَةً قَبْلَ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فَهَذَا هُوَ الْمُتَّجَهُ، وَعَلَى هَذَا فَكَأنَ الْمُصَنِّفُ تَرْجَمَ بِهَا وَأَخْلَى بَيَاضًا لِيَكْتُبَ فِيهَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَكْتُبْ كَمَا وَقَعَ لَهُ فِي غَيْرِهَا. وَقَدْ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ بَابُ قَذْفِ الْعَبْدِ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ، وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ - جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. الْحَدِيثَ، فَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ.
١ - بَاب الْمُكَاتِبِ وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ
وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وَقَالَ رَوْحٌ: عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أتَأْثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا الْمُكَاتَبَةَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْمَالِ، فَأَبَى فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ ﵁، فَقَالَ: كَاتِبْهُ، فَأَبَى فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وَيَتْلُو عُمَرُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتَبَهُ.
٢٥٦٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْس أَوَاقي نُجِّمَتْ عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ وَنَفِسَتْ فِيهَا: أَرَأَيْتِ إِنْ عَدَدْتُ لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ فَأُعْتِقَكِ فَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي؟