- اسْتُنْفِرْتُمْ
- ( نَفَرَ ) ( س ) فِيهِ : بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ، أَيْ لَا تَلْقَوْهُمْ بِمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى النُّفُورِ . يُقَالُ : نَفَرَ يَنْفِرُ نُفُورًا وَنِفَارًا ، إِذَا فَرَّ وَذَهَبَ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ، أَيْ مِنْ يَلْقَى النَّاسَ بِالْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ ، فَيَنْفِرُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " لَا تُنَفِّرِ النَّاسَ " . ( س ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ : أنَّهُ اشْتَرَطَ لِمَنْ أَقْطَعُهُ أَرْضًا أَلَّا يُنَفَّرَ مَالُهُ ، أَيْ لَا يُزْجَرُ مَا يَرْعَى فِيهَا مِنْ مَالِهِ ، وَلَا يُدْفَعُ عَنِ الرَّعْيِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَجِّ : يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ . هُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَالنَّفْرُ الْآخِرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ . * وَفِيهِ : وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . الِاسْتِنْفَارُ : الِاسْتِنْجَادُ وَالِاسْتِنْصَارُ : أَيْ إِذَا طُلِبَ مِنْكُمُ النُّصْرَةَ فَأَجِيبُوا وَانْفِرُوا خَارِجِينَ إِلَى الْإِعَانَةِ . وَنَفِيرُ الْقَوْمِ : جَمَاعَتُهُمُ الَّذِينَ يُنْفِرُونَ فِي الْأَمْرِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " أَنَّهُ بَعَثَ جَمَاعَةً إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، فَنَفَرَتْ لَهُمْ هُذَيْلٌ ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِهِمْ لَجَأوا إِلَى قَرْدَدٍ " أَيْ خَرَجُوا لِقِتَالِهِمْ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " غَلَبَتْ نُفُورَتُنَا نُفُورَتَهُمْ " يُقَالُ لِأَصْحَابِ الرَّجُلِ وَالَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ : نَفْرَتُهُ وَنَفْرُهُ ، وَنَافِرَتُهُ وَنُفُورَتُهُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ " أُنْفِرَ بِنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " [5/93] يُقَالُ : أَنْفَرْنَا : أَيْ تَفَرَّقَتْ إِبِلُنَا ، وَأُنْفِرَ بِنَا : أَيْ جُعِلْنَا مُنْفِرِينَ ذَوِي إِبِلٍ نَافِرَةٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَأَنْفَرَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ بَعِيرَهَا حَتَّى سَقَطَتْ " . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ : لَا تُنْفِرُوا " أَيْ لَا تُنْفِرُوا إِبِلَنَا . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ " لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا " أَيْ مِنْ قَوْمِنَا ، جَمْعُ نَفَرٍ ، وَهُمْ رَهْطُ الْإِنْسَانِ وَعَشِيرَتُهُ ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ ، يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " وَنَفَرُنَا خُلُوفٌ " أَيْ رِجَالُنَا ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " أَنَّ رَجُلًا تَخَلَّلَ بِالْقَصَبِ ، فَنَفَرَ فُوهُ ، فَنَهَى عَنِ التَّخَلُّلِ بِالْقَصَبِ " أَيْ وَرِمَ . وَأَصْلُهُ مِنَ النِّفَارِ ; لِأَنَّ الْجِلْدَ يَنْفِرُ عَنِ اللَّحْمِ ، لِلدَّاءِ الْحَادِثِ بَيْنَهُمَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ غَزْوَانَ " أَنَّهُ لَطَمَ عَيْنَهُ فَنَفَرَتْ " ، أَيْ وَرِمَتْ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ " نَافَرَ أَخِي أُنَيْسٌ فُلَانًا الشَّاعِرَ " تَنَافَرَ الرَّجُلَانِ ، إِذَا تَفَاخَرَا ثُمَّ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا وَاحِدًا ، أَرَادَ أَنَّهُمَا تَفَاخَرَا أَيُّهُمَا أَجْوَدُ شِعْرًا . وَالْمُنَافَرَةُ : الْمُفَاخَرَةُ وَالْمُحَاكَمَةُ ، يُقَالُ : نَافَرَهُ فَنَفَرَهُ يَنْفُرُهُ ، بِالضَّمِّ ، إِذَا غَلَبَهُ . وَنَفَّرَهُ وَأَنْفَرَهُ ، إِذَا حَكَمَ لَهُ بِالْغَلَبَةِ . * وَفِيهِ : إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْعِفْرِيَةَ النِّفْرِيَةَ ، أَيِ الْمُنْكَرَ الْخَبِيثَ . وَقِيلَ : النِّفْرِيَةُ وَالنِّفْرِيتُ : إِتْبَاعٌ لِلْعِفْرِيَةِ وَالْعِفْرِيتِ .
- الْإِذْخِرَ
- بَابُ الْهَمْزَةِ مَعَ الذَّالِ ( إِذْخِرٌ ) * فِي حَدِيثِ الْفَتْحِ وَتَحْرِيمِ مَكَّةَ " فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا " الْإِذْخِرُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ : حَشِيشَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ تُسَقَّفُ بِهَا الْبُيُوتُ فَوْقَ الْخَشَبِ ، وَهَمْزَتُهَا زَائِدَةٌ . وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ مَكَّةَ " وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا " أَيْ صَارَ لَهُ أَعْذَاقٌ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . * وَفِيهِ : " حَتَّى إِذَا كُنَّا بِثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ " هِيَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَكَأَنَّهَا مُسَمَّاةٌ بِجَمْعِ الْإِذْخِرِ .
- الْإِذْخِرَ .
- بَابُ الْهَمْزَةِ مَعَ الذَّالِ ( إِذْخِرٌ ) * فِي حَدِيثِ الْفَتْحِ وَتَحْرِيمِ مَكَّةَ " فَقَالَ الْعَبَّاسُ : إِلَّا الْإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِبُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا " الْإِذْخِرُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ : حَشِيشَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ تُسَقَّفُ بِهَا الْبُيُوتُ فَوْقَ الْخَشَبِ ، وَهَمْزَتُهَا زَائِدَةٌ . وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا هَاهُنَا حَمْلًا عَلَى ظَاهِرِ لَفْظِهَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ مَكَّةَ " وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا " أَيْ صَارَ لَهُ أَعْذَاقٌ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . * وَفِيهِ : " حَتَّى إِذَا كُنَّا بِثَنِيَّةِ أَذَاخِرَ " هِيَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَكَأَنَّهَا مُسَمَّاةٌ بِجَمْعِ الْإِذْخِرِ .
- بِحُرْمَةِ
- ( حَرَمَ ) [ هـ ] فِيهِ كُلُّ مُسْلِمٍ عَنْ مُسْلِمٍ مُحْرِمٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمُحْرِمٌ عَنْكَ : أَيْ يَحْرُمُ أَذَاكَ عَلَيْهِ . وَيُقَالُ : مُسْلِمٌ مُحْرِمٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُعْتَصِمٌ بِالْإِسْلَامِ مُمْتَنِعٌ بِحُرْمَتِهِ مِمَّنْ أَرَادَهُ أَوْ أَرَادَ مَالَهُ . [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " الصِّيَامُ إِحْرَامٌ " لِاجْتِنَابِ الصَّائِمِ مَا يَثْلِمُ صَوْمَهُ . وَيُقَالُ لِلصَّائِمِ مُحْرِمٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي : قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًا وَقِيلَ : أَرَادَ لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . وَيُقَالُ لِلْحَالِفِ مُحْرِمٌ لِتَحَرُّمِهِ بِهِ . * وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ " فِي الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي الْغَضَبِ " أَيْ يَحْلِفُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " فِي الْحَرَامِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " هُوَ أَنْ يَقُولَ : حَرَامُ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا ، [1/373] كَمَا يَقُولُ يَمِينَ اللَّهِ ، وَهِيَ لُغَةُ الْعُقَيْلِيِّينَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ثُمَّ قَالَ : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا تَعْنِي مَا كَانَ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِ بِالْإِيلَاءِ عَادَ أَحَلَّهُ وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ الْكَفَّارَةَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلِيَّ حَرَامٌ . * وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . * وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ الْحُرْمُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ ، وَبِالْكَسْرِ : الرَّجُلُ الْمُحْرِمُ . يُقَالَ : أَنْتَ حِلٌّ ، وَأَنْتَ حِرْمٌ . وَالْإِحْرَامُ : مَصْدَرُ أَحْرَمَ الرَّجُلُ يُحْرِمُ إِحْرَامًا إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ وَبَاشَرَ أَسْبَابَهُمَا وَشُرُوطَهُمَا مِنْ خَلْعِ الْمَخِيطِ وَاجْتِنَابِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْهَا كَالطِّيبِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمَنْعُ . فَكَأَنَّ الْمُحْرِمَ مُمْتَنِعٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . وَأَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ، وَفِي الشُّهُورِ الْحُرُمِ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَرَجَبٌ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّلَاةِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنَ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا ، فَقِيلَ لِلتَّكْبِيرِ : تَحْرِيمٌ ; لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّيَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ : أَيِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ . * وَفِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا الْحُرُمَاتُ : جَمْعُ حُرْمَةٍ ، كَظُلْمَةٍ وَظُلُمَاتٍ ، يُرِيدُ حُرْمَةَ الْحَرَمِ ، وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ ، وَحُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ . وَالْحُرْمَةُ : مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةٍ مَعَ ذِي حُرْمَةٍ مِنْهَا ذُو الْمَحْرَمِ : مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْأَقَارِبِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ . [1/374] [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ " إِذَا اجْتَمَعَتْ حُرْمَتَانِ طُرِحَتِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى " أَيْ إِذَا كَانَ أَمْرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِعَامَّةِ النَّاسِ ، وَمَضَرَّةٌ عَلَى الْخَاصَّةِ قُدِّمَتْ مَنْفَعَةُ الْعَامَّةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ أَيْ مُحَرَّمَةُ الضَّرْبِ ، أَوْ ذَاتُ حُرْمَةٍ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي أَيْ تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ عَلَى النَّاسِ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ أَيْ بِتَحْرِيمِهِ . وَقِيلَ الْحُرْمَةُ الْحَقُّ : أَيْ بِالْحَقِّ الْمَانِعِ مِنْ تَحْلِيلِهِ . * وَحَدِيثُ الرَّضَاعِ فَتَحَرَّمَ بِلَبَنِهَا أَيْ صَارَ عَلَيْهَا حَرَامًا . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَتَيْنِ الْأُخْتَيْنِ " حَرَّمَتْهُنَّ آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُنَّ آيَةٌ " فَقَالَ : " تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَتِي مِنْهُنَّ ، وَلَا تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَةُ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ " أَرَادَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يُخْبِرَ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَقَعَ مِنْ أَجْلِهَا تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْحُرَّتَيْنِ ، فَقَالَ : لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِقَرَابَةِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ الثَّانِيَةِ بَعْدَ وَطْءِ الْأُولَى ، كَمَا يَجْرِي فِي الْأُمِّ مَعَ الْبِنْتِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ أَجْلِ قَرَابَةِ الرَّجُلِ مِنْهُمَا ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ الْأُخْتَ إِلَى الْأُخْتِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَصْهَارِهِ ، وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَدْ أَخْرَجَ الْإِمَاءَ مِنْ حُكْمِ الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ إِمَائِهِ . وَالْفُقَهَاءُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ . فَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحَرِّمَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحِلَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً الْمُحَرَّمَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تُرْكَبُ وَلَمْ تُذَلَّلْ . ( هـ ) وَفِيهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ تُبْعَثُ عَلَيْهِمُ الْحِرْمَةُ هِيَ بِالْكَسْرِ الْغُلْمَةُ وَطَلَبُ الْجِمَاعِ ، وَكَأَنَّهَا بِغَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنَ الْحَيَوَانِ أَخَصُّ . يُقَالُ اسْتَحْرَمَتِ الشَّاةُ إِذَا طَلَبَتِ الْفَحْلَ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ اسْتَحْرَمَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِهِ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ ، وَلَيْسَ مِنِ اسْتِحْرَامِ الشَّاةِ . [1/375] ( هـ ) وَفِيهِ إِنَّ عِيَاضَ بْنَ حَمَّادٍ الْمُجَاشِعِيَّ كَانَ حِرْمَيَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ إِذَا حَجَّ طَافَ فِي ثِيَابِهِ . كَانَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَمَّسُونَ فِي دِينِهِمْ - أَيْ يَتَشَدَّدُونَ - إِذَا حَجَّ أَحَدُهُمْ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ رَجُلٍ مِنَ الْحَرَمِ ، وَلَمْ يَطُفْ إِلَّا فِي ثِيَابِهِ ، فَكَانَ لِكُلِّ شَرِيفٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِرْمَيَّ صَاحِبِهِ ، كَمَا يُقَالُ كَرِيٌّ لِلْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي . وَالنَّسَبُ فِي النَّاسِ إِلَى الْحَرَمِ حِرْمِيٌّ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . يُقَالُ رَجُلٌ حِرْمِيٌّ ، فَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ النَّاسِ قَالُوا ثَوْبٌ حِرْمِيٌّ . ( هـ ) وَفِيهِ حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُحِيطُ بِهَا الَّذِي يُلْقَى فِيهِ تُرَابِهَا : أَيْ إِنَّ الْبِئْرَ الَّتِي يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ وَلَا يُنَازِعَهُ عَلَيْهِ . وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ .
- جِهَادٌ
- ( جُهْدٌ ) * فِيهِ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ الْجِهَادُ : مُحَارَبَةُ الْكُفَّارِ ، وَهُوَ الْمُبَالَغَةُ وَاسْتِفْرَاغُ مَا فِي الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ . يُقَالُ جَهَدَ الرَّجُلُ فِي الشَّيْءِ : أَيْ جَدَّ فِيهِ وَبَالَغَ ، وَجَاهَدَ فِي الْحَرْبِ مُجَاهَدَةً وَجِهَادًا . وَالْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ تَعَالَى : أَيْ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ هِجْرَةٌ ; لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْإِخْلَاصُ فِي الْجِهَادِ وَقِتَالُ الْكُفَّارِ . * وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " أَجْتَهِدُ رَأْيِي " الِاجْتِهَادُ : بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْأَمْرِ ، [1/320] وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْجُهْدِ : الطَّاقَةُ . وَالْمُرَادُ بِهِ : رَدُّ الْقَضِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَلَمْ يُرِدِ الرَّأْيَ الَّذِي يَرَاهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حَمْلٍ عَلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ . * وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ : " شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ " قَدْ تَكَرَّرَ لَفْظُ الْجَهْدِ وَالْجُهْدُ فِي الْحَدِيثِ كَثِيرًا ، وَهُوَ بِالضَّمِّ : الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ ، وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ . وَقِيلَ الْمُبَالَغَةُ وَالْغَايَةُ . وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ فِي الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ ، فَأَمَّا فِي الْمَشَقَّةِ وَالْغَايَةِ فَالْفَتْحُ لَا غَيْرَ . وَيُرِيدُ بِهِ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ : الْهُزَالَ . * وَمِنَ الْمَضْمُومِ حَدِيثُ الصَّدَقَةِ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : جُهْدُ الْمُقِلِّ أَيْ قَدْرَ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُ الْقَلِيلِ الْمَالِ . ( هـ ) وَمِنَ الْمَفْتُوحِ حَدِيثُ الدُّعَاءِ : أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ أَيِ الْحَالَةِ الشَّاقَّةِ . * وَحَدِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالنَّاسُ فِي جَيْشِ الْعُسْرَةِ مُجْهِدُونَ مُعْسِرُونَ " يُقَالُ جُهِدَ الرَّجُلُ فَهُوَ مَجْهُودٌ : إِذَا وَجَدَ مَشَقَّةً . وَجُهِدَ النَّاسُ فَهُمْ مَجْهُودُونَ : إِذَا أَجْدَبُوا . فَأَمَّا أَجْهَدَ فَهُوَ مُجْهِدٌ بِالْكَسْرِ : فَمَعْنَاهُ ذُو جَهْدٍ وَمَشَقَّةٍ ، وَهُوَ مِنْ أَجْهَدَ دَابَّتَهُ إِذَا حَمَلَ عَلَيْهَا فِي السَّيْرِ فَوْقَ طَاقَتِهَا . وَرَجُلٌ مُجْهِدٌ : إِذَا كَانَ ذَا دَابَّةٍ ضَعِيفَةٍ مِنَ التَّعَبِ . فَاسْتَعَارَهُ لِلْحَالِ فِي قِلَّةِ الْمَالِ . وَأُجْهِدَ فَهُوَ مُجْهَدٌ بِالْفَتْحِ : أَيْ أَنَّهُ أُوقِعَ فِي الْجَهْدِ : الْمَشَقَّةِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ الْغُسْلِ : إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا أَيْ دَفَعَهَا وَحَفَزَهَا . يُقَالُ جَهَدَ الرَّجُلُ فِي الْأَمْرِ : إِذَا جَدَّ فِيهِ وَبَالَغَ . * وَفِي حَدِيثِ الْأَقْرَعِ وَالْأَبْرَصِ : فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ أَيْ لَا أَشُقُّ عَلَيْكَ وَأَرُدُّكَ فِي شَيْءٍ تَأْخُذُهُ مِنْ مَالِي لِلَّهِ تَعَالَى . وَقِيلَ : الْجَهْدُ مِنْ أَسْمَاءِ النِّكَاحِ . [ هـ ] وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ : " لَا يُجْهِدُ الرَّجُلُ مَالَهُ ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْأَلُ النَّاسَ " أَيْ يُفَرِّقُهُ جَمِيعَهُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا . ( هـ ) وَفِيهِ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بِأَرْضِ جَهَادٍ هِيَ بِالْفَتْحِ : الصُّلْبَةُ . وَقِيلَ : الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا .
- حَرَامٌ
- ( حَرَمَ ) [ هـ ] فِيهِ كُلُّ مُسْلِمٍ عَنْ مُسْلِمٍ مُحْرِمٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمُحْرِمٌ عَنْكَ : أَيْ يَحْرُمُ أَذَاكَ عَلَيْهِ . وَيُقَالُ : مُسْلِمٌ مُحْرِمٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُعْتَصِمٌ بِالْإِسْلَامِ مُمْتَنِعٌ بِحُرْمَتِهِ مِمَّنْ أَرَادَهُ أَوْ أَرَادَ مَالَهُ . [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " الصِّيَامُ إِحْرَامٌ " لِاجْتِنَابِ الصَّائِمِ مَا يَثْلِمُ صَوْمَهُ . وَيُقَالُ لِلصَّائِمِ مُحْرِمٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي : قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًا وَقِيلَ : أَرَادَ لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . وَيُقَالُ لِلْحَالِفِ مُحْرِمٌ لِتَحَرُّمِهِ بِهِ . * وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ " فِي الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي الْغَضَبِ " أَيْ يَحْلِفُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " فِي الْحَرَامِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " هُوَ أَنْ يَقُولَ : حَرَامُ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا ، [1/373] كَمَا يَقُولُ يَمِينَ اللَّهِ ، وَهِيَ لُغَةُ الْعُقَيْلِيِّينَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ثُمَّ قَالَ : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا تَعْنِي مَا كَانَ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِ بِالْإِيلَاءِ عَادَ أَحَلَّهُ وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ الْكَفَّارَةَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلِيَّ حَرَامٌ . * وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . * وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ الْحُرْمُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ ، وَبِالْكَسْرِ : الرَّجُلُ الْمُحْرِمُ . يُقَالَ : أَنْتَ حِلٌّ ، وَأَنْتَ حِرْمٌ . وَالْإِحْرَامُ : مَصْدَرُ أَحْرَمَ الرَّجُلُ يُحْرِمُ إِحْرَامًا إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ وَبَاشَرَ أَسْبَابَهُمَا وَشُرُوطَهُمَا مِنْ خَلْعِ الْمَخِيطِ وَاجْتِنَابِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْهَا كَالطِّيبِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمَنْعُ . فَكَأَنَّ الْمُحْرِمَ مُمْتَنِعٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . وَأَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ، وَفِي الشُّهُورِ الْحُرُمِ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَرَجَبٌ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّلَاةِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنَ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا ، فَقِيلَ لِلتَّكْبِيرِ : تَحْرِيمٌ ; لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّيَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ : أَيِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ . * وَفِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا الْحُرُمَاتُ : جَمْعُ حُرْمَةٍ ، كَظُلْمَةٍ وَظُلُمَاتٍ ، يُرِيدُ حُرْمَةَ الْحَرَمِ ، وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ ، وَحُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ . وَالْحُرْمَةُ : مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةٍ مَعَ ذِي حُرْمَةٍ مِنْهَا ذُو الْمَحْرَمِ : مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْأَقَارِبِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ . [1/374] [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ " إِذَا اجْتَمَعَتْ حُرْمَتَانِ طُرِحَتِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى " أَيْ إِذَا كَانَ أَمْرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِعَامَّةِ النَّاسِ ، وَمَضَرَّةٌ عَلَى الْخَاصَّةِ قُدِّمَتْ مَنْفَعَةُ الْعَامَّةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ أَيْ مُحَرَّمَةُ الضَّرْبِ ، أَوْ ذَاتُ حُرْمَةٍ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي أَيْ تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ عَلَى النَّاسِ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ أَيْ بِتَحْرِيمِهِ . وَقِيلَ الْحُرْمَةُ الْحَقُّ : أَيْ بِالْحَقِّ الْمَانِعِ مِنْ تَحْلِيلِهِ . * وَحَدِيثُ الرَّضَاعِ فَتَحَرَّمَ بِلَبَنِهَا أَيْ صَارَ عَلَيْهَا حَرَامًا . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَتَيْنِ الْأُخْتَيْنِ " حَرَّمَتْهُنَّ آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُنَّ آيَةٌ " فَقَالَ : " تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَتِي مِنْهُنَّ ، وَلَا تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَةُ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ " أَرَادَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يُخْبِرَ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَقَعَ مِنْ أَجْلِهَا تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْحُرَّتَيْنِ ، فَقَالَ : لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِقَرَابَةِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ الثَّانِيَةِ بَعْدَ وَطْءِ الْأُولَى ، كَمَا يَجْرِي فِي الْأُمِّ مَعَ الْبِنْتِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ أَجْلِ قَرَابَةِ الرَّجُلِ مِنْهُمَا ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ الْأُخْتَ إِلَى الْأُخْتِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَصْهَارِهِ ، وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَدْ أَخْرَجَ الْإِمَاءَ مِنْ حُكْمِ الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ إِمَائِهِ . وَالْفُقَهَاءُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ . فَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحَرِّمَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحِلَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً الْمُحَرَّمَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تُرْكَبُ وَلَمْ تُذَلَّلْ . ( هـ ) وَفِيهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ تُبْعَثُ عَلَيْهِمُ الْحِرْمَةُ هِيَ بِالْكَسْرِ الْغُلْمَةُ وَطَلَبُ الْجِمَاعِ ، وَكَأَنَّهَا بِغَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنَ الْحَيَوَانِ أَخَصُّ . يُقَالُ اسْتَحْرَمَتِ الشَّاةُ إِذَا طَلَبَتِ الْفَحْلَ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ اسْتَحْرَمَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِهِ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ ، وَلَيْسَ مِنِ اسْتِحْرَامِ الشَّاةِ . [1/375] ( هـ ) وَفِيهِ إِنَّ عِيَاضَ بْنَ حَمَّادٍ الْمُجَاشِعِيَّ كَانَ حِرْمَيَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ إِذَا حَجَّ طَافَ فِي ثِيَابِهِ . كَانَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَمَّسُونَ فِي دِينِهِمْ - أَيْ يَتَشَدَّدُونَ - إِذَا حَجَّ أَحَدُهُمْ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ رَجُلٍ مِنَ الْحَرَمِ ، وَلَمْ يَطُفْ إِلَّا فِي ثِيَابِهِ ، فَكَانَ لِكُلِّ شَرِيفٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِرْمَيَّ صَاحِبِهِ ، كَمَا يُقَالُ كَرِيٌّ لِلْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي . وَالنَّسَبُ فِي النَّاسِ إِلَى الْحَرَمِ حِرْمِيٌّ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . يُقَالُ رَجُلٌ حِرْمِيٌّ ، فَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ النَّاسِ قَالُوا ثَوْبٌ حِرْمِيٌّ . ( هـ ) وَفِيهِ حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُحِيطُ بِهَا الَّذِي يُلْقَى فِيهِ تُرَابِهَا : أَيْ إِنَّ الْبِئْرَ الَّتِي يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ وَلَا يُنَازِعَهُ عَلَيْهِ . وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ .
- هِجْرَةَ
- ( هَجَرَ ) ( س ) فِيهِ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ . ( س ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ " لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ " الْهِجْرَةُ فِي الْأَصْلِ : الِاسْمُ مِنَ الْهَجْرِ ، ضِدُّ الْوَصْلِ . وَقَدْ هَجَرَهُ هَجْرًا وَهِجْرَانًا ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ ، وَتَرْكِ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ . يُقَالُ مِنْهُ : هَاجَرَ مُهَاجَرَةً . وَالْهِجْرَةُ هِجْرَتَانِ : إِحْدَاهُمَا الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْجَنَّةَ فِي قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدَعُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ ، لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، وَيَنْقَطِعُ بِنَفْسِهِ إِلَى مُهَاجَرِهِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا ، فَمِنْ ثَمَّ قَالَ : " لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةً " ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ . وَقَالَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ : " اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مَنَايَانَا بِهَا " . فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ صَارَتْ دَارَ إِسْلَامٍ كَالْمَدِينَةِ ، وَانْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ . وَالْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ : مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَزَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَمْ يَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ الْهِجْرَةِ الْأُوْلَى ، فَهُوَ مُهَاجِرٌ ، وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي فَضْلِ مَنْ هَاجَرَ تِلْكَ الْهِجْرَةَ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : " لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ " . فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . وَإِذَا أُطْلِقَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْهِجْرَتَيْنِ فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِمَا هِجْرَةُ الْحَبَشَةِ وَهِجْرَةُ الْمَدِينَةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ " الْمُهَاجَرُ ، بِفَتْحِ الْجِيمِ : مَوْضِعُ الْمُهَاجَرَةِ ، وَيُرِيدُ بِهِ الشَّامَ ; لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَرَجَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ مَضَى إِلَى الشَّامِ وَأَقَامَ بِهِ . [5/245] ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " هَاجِرُوا وَلَا تَهَجَّرُوا " أَيْ أَخْلِصُوا الْهِجْرَةَ لِلَّهِ ، وَلَا تَتَشَبَّهُوا بِالْمُهَاجِرِينَ عَلَى غَيْرِ صِحَّةٍ مِنْكُمْ . يُقَالُ : تَهَجَّرَ وَتَمَهْجَرَ ، إِذَا تَشَبَّهَ بِالْمُهَاجِرِينَ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي الْحَدِيثِ ، اسْمًا وَفِعْلًا ، وَمُفْرَدًا وَجَمْعًا . ( س ) وَفِيهِ " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ " يُرِيدُ بِهِ الْهَجْرَ ضِدَّ الْوَصْلِ . يَعْنِي فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَتْبٍ وَمَوْجِدَةٍ ، أَوْ تَقْصِيرٍ يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ ، دُونَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الدِّينِ ، فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ دَائِمَةٌ عَلَى مَرِّ الْأَوْقَاتِ ، مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَافَ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ النِّفَاقَ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ بِهِجْرَانِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا . وَقَدْ هَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا ، وَهَجَرَتْ عَائِشَةُ ابْنَ الزُّبَيْرِ مُدَّةً وَهَجَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَمَاتُوا مُتَهَاجِرِينِ . وَلَعَلَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَنْسُوخٌ بِالْآخَرِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ إِلَّا مُهَاجِرًا " يُرِيدُ هِجْرَانَ الْقَلْبِ وَتَرْكَ الْإِخْلَاصِ فِي الذِّكْرِ . فَكَأَنَّ قَلْبَهُ مُهَاجِرٌ لِلِسَانِهِ غَيْرُ مُوَاصِلٍ لَهُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ " وَلَا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ إِلَّا هَجْرًا " يَرِيدُ التَّرْكَ لَهُ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ . يُقَالُ : هَجَرْتُ الشَّيْءَ هَجْرًا إِذَا تَرَكْتَهُ وَأَغْفَلْتَهُ . وَرَوَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ " وَلَا يَسْمَعُونَ الْقَوْلَ إِلَّا هُجْرًا " بِالضَّمِّ . وَقَالَ : هُوَ الْخَنَا وَالْقَبِيحُ مِنَ الْقَوْلِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَذَا غَلَطٌ فِي الرِّوَايَةِ وَالْمَعْنَى ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الرِّوَايَةِ " وَلَا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ " . وَمَنْ رَوَاهُ " الْقَوْلَ " فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْقُرْآنَ ، فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ قَوْلَ النَّاسِ . وَالْقُرْآنُ لَيْسَ مِنَ الْخَنَا وَالْقَبِيحِ مِنَ الْقَوْلِ . ( هـ ) وَفِيهِ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَلَا تَقُولُوا هُجْرًا ، أَيْ فُحْشًا . يُقَالُ : أَهْجَرَ فِي مَنْطِقِهِ يُهْجِرُ إِهْجَارًا ، إِذَا أَفْحَشَ . وَكَذَلِكَ إِذَا أَكْثَرَ الْكَلَامَ فِيمَا لَا يَنْبَغِي . وَالِاسْمُ : الْهُجْرُ ، بِالضَّمِّ . وَهَجَرَ يَهْجُرُ هَجْرًا ، بِالْفَتْحِ ، إِذَا خَلَطَ فِي كَلَامِهِ ، وَإِذَا هَذَى . [5/246] ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " إِذَا طُفْتُمْ بِالْبَيْتِ فَلَا تَلْغُوا وَلَا تَهْجِرُوا " يُرْوَى بِالضَّمِّ وَالْفَتْحِ ، مِنَ الْفُحْشِ وَالتَّخْلِيطِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالُوا : مَا شَأْنُهُ ؟ أَهَجَرَ ؟ " أَيِ اخْتَلَفَ كَلَامُهُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ ، عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ . أَيْ هَلْ تَغَيَّرَ كَلَامُهُ وَاخْتَلَطَ لِأَجْلِ مَا بِهِ مِنَ الْمَرَضِ ؟ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا يُقَالُ فِيهِ ، وَلَا يُجْعَلُ إِخْبَارًا ، فَيَكُونُ إِمَّا مِنَ الْفُحْشِ أَوِ الْهَذَيَانِ . وَالْقَائِلُ كَانَ عُمَرَ ، وَلَا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ . ( هـ ) وَفِيهِ " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ " التَّهْجِيرُ : التَّبْكِيرُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَيْهِ . يُقَالُ : هَجَّرَ يُهَجِّرُ تَهْجِيرًا ، فَهُوَ مُهَجِّرٌ ، وَهِيَ لُغَةٌ حِجَازِيَّةٌ ، أَرَادَ الْمُبَادَرَةَ إِلَى أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الْجُمُعَةِ " فَالْمُهَجِّرُ إِلَيْهَا كَالْمُهْدِي بَدَنَةً " أَيِ الْمُبَكِّرُ إِلَيْهَا . وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي الْحَدِيثِ . * وَفِيهِ " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ " أَرَادَ صَلَاةَ الْهَجِيرِ ، يَعْنِي الظُّهْرَ ، فَحَذَفَ الْمُضَافَ . وَالْهَجِيرُ وَالْهَاجِرَةُ : اشْتِدَادُ الْحَرِّ نِصْفَ النَّهَارِ . والتهجير ، وَالتَّهَجُّرُ ، وَالْإِهْجَارُ : السَّيْرُ فِي الْهَاجِرَةِ ، وَقَدْ هَجَّرَ النَّهَارُ ، وَهَجَّرَ الرَّاكِبُ ، فَهُوَ مُهَجِّرٌ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو " وَهَلْ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ ؟ " أَيْ هَلْ مَنْ سَارَ فِي الْهَاجِرَةِ كَمَنْ أَقَامَ فِي الْقَائِلَةِ ؟ وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ، عَلَى اخْتِلَافِ تَصَرُّفِهِ . * وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ " مَاءٌ نَمِيرٌ وَلَبَنٌ هَجِيرٌ " أَيْ فَائِقٌ فَاضِلٌ . يُقَالُ : هَذَا أَهْجَرُ مِنْ هَذَا : أَيْ أَفْضَلُ مِنْهُ . وَيُقَالُ فِي كُلِّ شَيْءٍ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " مَا لَهُ هِجِّيرَى غَيْرَهَا " الْهِجِّيرُ وَالْهِجِّيرَى : الدَّأْبُ وَالْعَادَةُ وَالدَّيْدَنُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا " عَجِبْتُ لِتَاجِرِ هَجَرٍ وَرَاكِبِ الْبَحْرِ " هَجَرٌ : اسْمُ بَلَدٍ مَعْرُوفٍ بِالْبَحْرَيْنِ ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا لِكَثْرَةِ وَبَائِهَا . أَيْ إِنَّ تَاجِرَهَا وَرَاكِبَ الْبَحْرِ سَوَاءٌ فِي الْخَطَرِ . [5/247] فَأَمَّا هَجَرُ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ الْهَجَرِيَّةُ فَهِيَ قرية من قُرَى الْمَدِينَةِ .
- يُعْضَدُ
- ( عَضَدَ ) ( هـ ) فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ نَهَى أَنْ يُعْضَدَ شَجَرُهَا أَيْ : يُقْطَعَ . يُقَالُ : عَضَدْتُ الشَّجَرَ أَعْضِدُهُ عَضْدًا . وَالْعَضَدُ بِالتَّحْرِيكِ : الْمَعْضُودُ . [3/252] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ . ( هـ ) وَحَدِيثُ طَهْفَةَ " وَنَسْتَعْضِدُ الْبَرِيرَ " أَيْ : نَقْطَعُهُ وَنَجْنِيهِ مِنْ شَجَرِهِ لِلْأَكْلِ . ( هـ ) وَحَدِيثُ ظَبْيَانَ " وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ مِنْ جَذِيمَةَ يَخْبِطُونَ عَضِيدَهَا ، وَيَأْكُلُونَ حَصِيدَهَا " الْعَضِيدُ وَالْعَضَدُ : مَا قُطِعَ مِنَ الشَّجَرِ : أَيْ يَضْرِبُونَهُ لِيَسْقُطَ وَرَقُهُ فَيَتَّخِذُوهُ عَلَفًا لِإِبِلِهِمْ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ : وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ ، الْعَضُدُ : مَا بَيْنَ الْكَتِفِ وَالْمِرْفَقِ ، وَلَمْ تُرِدْهُ خَاصَّةً ، وَلَكِنَّهَا أَرَادَتِ الْجَسَدَ كُلَّهُ ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِنَ الْعَضُدُ سَمِنَ سَائِرُ الْجَسَدِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَالْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ " فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا " يُرِيدُ كَتِفَهُ . * وَفِي صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ مُعَضَّدًا هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَهُوَ الْمُوَثَّقُ الْخَلْقِ ، وَالْمَحْفُوظُ فِي الرِّوَايَةِ " مُقَصَّدًا " . [ هـ ] وَفِيهِ " أَنَّ سَمُرَةَ كَانَ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ " أَرَادَ طَرِيقَةً مِنَ النَّخْلِ . وَقِيلَ : إِنَّمَا هُوَ " عَضِيدٌ مِنْ نَخْلٍ " ، وَإِذَا صَارَ لِلنَّخْلَةِ جِذْعٌ يُتَنَاوَلُ مِنْهُ فَهُوَ عَضِيدٌ .