HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب إسلام أبي ذر الغفاري ﵁

رقم الحديث 3861

حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ، وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلِيٌّ فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ، فَعَادَ عَلِيٌّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُحَدِّثُنِي مَا الَّذِي أَقْدَمَكَ، قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي، فَإِنِّي إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّي أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ: النَّبِيُّ ﷺ: ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ، وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ.»
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج5 ص47
ج 5 ص 47

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد صحيح مسلم
الْأَخْلَاقِ
( خَلَقَ ) * فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْخَالِقُ وَهُوَ الَّذِي أَوْجَدَ الْأَشْيَاءَ جَمِيعَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً . وَأَصْلُ الْخَلْقِ التَّقْدِيرُ ، فَهُوَ بِاعْتِبَارِ تَقْدِيرِ مَا مِنْهُ وُجُودُهَا ، وَبِاعْتِبَارِ الْإِيجَادِ عَلَى وَفْقِ التَّقْدِيرِ خَالِقٌ . * وَفِي حَدِيثِ الْخَوَارِجِ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ الْخَلْقُ : النَّاسُ . وَالْخَلِيقَةُ : الْبَهَائِمُ . وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَيُرِيدُ بِهِمَا جَمِيعَ الْخَلَائِقِ . * وَفِيهِ لَيْسَ شَيْءٌ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ الْخُلُقُ بِضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا : الدِّينُ وَالطَّبْعُ وَالسَّجِيَّةُ ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ لِصُورَةِ الْإِنْسَانِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ نَفْسُهُ وَأَوْصَافُهَا وَمَعَانِيهَا الْمُخْتَصَّةُ بِهَا بِمَنْزِلَةِ الْخَلْقِ لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَأَوْصَافِهَا وَمَعَانِيهَا ، وَلَهُمَا أَوْصَافٌ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ ، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الْبَاطِنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّقَانِ بِأَوْصَافِ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَلِهَذَا تَكَرَّرَتِ الْأَحَادِيثُ فِي مَدْحِ حُسْنِ الْخُلُقِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . ( س ) كَقَوْلِهِ : أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ . ( س ) وَقَوْلِهِ : أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا . ( س ) وَقَوْلِهِ : إِنَّ الْعَبْدَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ . * وَقَوْلِهِ : بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ . وَأَحَادِيثَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَثِيرَةٌ ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي ذَمِّ سُوءِ الْخُلُقِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ أَيْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِآدَابِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ . وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَكَارِمِ وَالْمَحَاسِنِ وَالْأَلْطَافِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ مَنْ تَخَلَّقَ لِلنَّاسِ بِمَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسِهِ شَانَهُ اللَّهُ أَيْ تَكَلَّفَ أَنْ يُظْهِرَ مِنْ خُلُقِهِ خِلَافَ مَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ ، مِثْلَ تَصَنَّعَ وَتَجَمَّلَ : إِذَا أَظْهَرَ الصَّنِيعَ وَالْجَمِيلَ . * وَفِيهِ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ الْخَلَاقُ بِالْفَتْحِ : الْحَظُّ وَالنَّصِيبُ . [2/71] * وَمِنْهُ حَدِيثُ أُبَيٍّ وَأَمَّا طَعَامٌ لَمْ يُصْنَعْ إِلَّا لَكَ فَإِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَهُ إِنَّمَا تَأْكُلُ مِنْهُ بِخَلَاقِكَ أَيْ بِحَظِّكَ وَنَصِيبِكَ مِنَ الدِّينِ . قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِي طَعَامِ مَنْ أَقْرَأَهُ الْقُرْآنَ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ . * وَفِي حَدِيثِ أَبِي طَالِبٍ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ أَيْ كَذِبٌ ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنَ الْخَلْقِ وَالْإِبْدَاعِ . كَأَنَّ الْكَاذِبَ يَخْلُقُ قَوْلَهُ . وَأَصْلُ الْخَلْقِ : التَّقْدِيرُ قَبْلَ الْقَطْعِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أُخْتِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ قَالَتْ : فَدَخَلَ عَلَيَّ وَأَنَا أَخْلُقُ أَدِيمًا أَيْ أُقَدِّرُهُ لِأَقْطَعَهُ . * وَفِي حَدِيثِ أُمِّ خَالِدٍ قَالَ لَهَا : أَبْلِي وَأَخْلِقِي يُرْوَى بِالْقَافِ وَالْفَاءِ ، فَبِالْقَافِ مِنْ إِخْلَاقِ الثَّوْبِ : تَقْطِيعُهُ ، وَقَدْ خَلُقَ الثَّوْبُ وَأَخْلَقَ . وَأَمَّا الْفَاءُ فَبِمَعْنَى الْعِوَضِ وَالْبَدَلِ ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ . وَقَدْ تَكَرَّرَ الْإِخْلَاقُ بِالْقَافِ فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ أَخْلَقُ مِنَ الْمَالِ أَيْ خِلْوٌ عَارٍ . يُقَالُ : حَجَرٌ أَخْلَقُ : أَيْ أَمْلَسُ مُصْمَتٌ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ لَيْسَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ ، إِنَّمَا الْفَقِيرُ الْأَخْلَقُ الْكَسْبِ . أَرَادَ أَنَّ الْفَقْرَ الْأَكْبَرَ إِنَّمَا هُوَ فَقْرُ الْآخِرَةِ ، وَأَنَّ فَقْرَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ الْفَقْرَيْنِ . وَمَعْنَى وَصْفِ الْكَسْبِ بِذَلِكَ أَنَّهُ وَافِرٌ مُنْتَظِمٌ لَا يَقَعُ فِيهِ وَكْسٌ وَلَا يَتَحَيَّفُهُ نَقْصٌ ، وَهُوَ مَثَلٌ لِلرَّجُلِ الَّذِي لَا يُصَابُ فِي مَالِهِ وَلَا يُنْكَبُ ، فَيُثَابُ عَلَى صَبْرِهِ ، فَإِذَا لَمْ يُصَبْ فِيهِ وَلَمْ يُنْكَبْ كَانَ فَقِيرًا مِنَ الثَّوَابِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كُتِبَ لَهُ فِي امْرَأَةٍ خَلْقَاءَ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنْ كَانُوا عَلِمُوا بِذَلِكَ - يَعْنِي أَوْلِيَاءَهَا - فَأَغْرِمْهُمْ صَدَاقَهَا لِزَوْجِهَا الْخَلْقَاءُ : هِيَ الرَّتْقَاءُ ، مِنَ الصَّخْرَةِ الْمَلْسَاءِ الْمُصْمَتَةِ . * وَفِيهِ ذِكْرُ الْخَلُوقِ قَدْ تَكَرَّرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَهُوَ طِيبٌ مَعْرُوفٌ مُرَكَّبٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ ، وَتَغْلِبُ عَلَيْهِ الْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ . وَقَدْ وَرَدَ تَارَةً بِإِبَاحَتِهِ وَتَارَةً بِالنَّهْيِ عَنْهُ ، وَالنَّهْيُ أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ . وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ طِيبِ النِّسَاءِ ، وَكُنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا لَهُ مِنْهُمْ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَحَادِيثَ النَّهْيِ نَاسِخَةٌ . [2/72] * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَتْلِهِ أَبَا جَهْلٍ ( وَهُوَ كَالْجَمَلِ الْمُخَلَّقِ أَيِ التَّامِّ الْخَلْقِ ) . ( س [ هـ ] ) وَفِي حَدِيثِ صِفَةِ السَّحَابِ وَاخْلَوْلَقَ بَعْدَ تَفَرُّقٍ أَيِ اجْتَمَعَ وَتَهَيَّأَ لِلْمَطَرِ وَصَارَ خَلِيقًا بِهِ . يُقَالُ : خَلُقَ بِالضَّمِّ ، وَهُوَ أَخْلَقُ بِهِ ، وَهَذَا مَخْلَقَةٌ لِذَلِكَ : أَيْ هُوَ أَجْدَرُ ، وَجَدِيرٌ بِهِ . ( هـ ) وَمِنْهُ خُطْبَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِنَّ الْمَوْتَ قَدْ تَغَشَّاكُمْ سَحَابُهُ ، وَأَحْدَقَ بِكُمْ رَبَابُهُ ، وَاخْلَوْلَقَ بَعْدَ تَفَرُّقٍ وَهَذَا الْبِنَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَهُوَ افْعَوْعَلَ ، كَاغْدَوْدَنَ ، وَاعْشَوْشَبَ .
ظَهْرَانَيْهِمْ
( بَابُ الظَّاءِ مَعَ الْهَاءِ ) ( ظَهَرَ ) * فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى " الظَّاهِرُ " هُوَ الَّذِي ظَهَرَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَا عَلَيْهِ . وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي عُرِفَ بِطُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ الْعَقْلِيِّ بِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ آثَارِ أَفْعَالِهِ وَأَوْصَافِهِ . ( س ) وَفِيهِ ذِكْرُ " صَلَاةِ الظُّهْرِ " وَهُوَ اسْمٌ لِنِصْفِ النَّهَارِ ، سُمِّيَ بِهِ مِنْ ظَهِيرَةِ الشَّمْسِ ، وَهُوَ شِدَّةُ حَرِّهَا . وَقِيلَ : أُضِيَفَتْ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لِلْأَبْصَارِ . وَقِيلَ : أَظْهَرُهَا حَرًّا وَقِيلَ : لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ أُظْهِرَتْ وَصُلِّيَتْ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ " الظَّهِيرَةِ " فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ نِصْفَ النَّهَارِ . وَلَا يُقَالُ فِي الشِّتَاءِ ظَهِيرَةٌ . وَأَظْهَرْنَا إِذَا دَخَلْنَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ ، كَأَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ . وَتُجْمَعُ الظَّهِيرَةُ عَلَى الظَّهَائِرِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ " أَتَاهُ رَجُلٌ يَشْكُو النِّقْرِسَ فَقَالَ : كَذَبَتْكَ الظَّهَائِرُ ؛ أَيْ : عَلَيْكَ بِالْمَشْيِ فِي حَرِّ الْهَوَاجِرِ . [3/165] * وَفِيهِ ذِكْرُ " الظِّهَارِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ . يُقَالُ : ظَاهَرَ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأَتِهِ ظِهَارًا . وَتَظَهَّرَ ، إِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي . وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَلَاقًا . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ أَرَادُوا : أَنْتِ عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي ؛ أَيْ : كَجِمَاعِهَا ، فَكَنَّوْا بِالظَّهْرِ عَنِ الْبَطْنِ لِلْمُجَاوَرَةِ . وَقِيلَ : إِنَّ إِتْيَانَ الْمَرْأَةِ وَظَهْرُهَا إِلَى السَّمَاءِ كَانَ حَرَامًا عِنْدَهُمْ . وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : إِذَا أَتَيْتَ الْمَرْأَةَ وَوَجْهُهَا إِلَى الْأَرْضِ جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ ، فَلِقَصْدِ الرَّجُلِ الْمُطَلِّقِ مِنْهُمْ إِلَى التَّغْلِيظِ فِي تَحْرِيمِ امْرَأَتِهِ عَلَيْهِ شَبَّهَهَا بِالظَّهْرِ ، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ حَتَّى جَعَلَهَا كَظَهْرِ أُمِّهِ . وَإِنَّمَا عُدِّيَ الظِّهَارُ بِمِنْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا ظَاهَرُوا الْمَرْأَةَ تَجَنَّبُوهَا كَمَا يَتَجَنَّبُونَ الْمُطَلَّقَةَ وَيَحْتَرِزُونَ مِنْهَا ، فَكَأَنَّ قَوْلَهُ : ظَاهَرَ مِنَ امْرَأَتِهِ ، أَيْ : بَعُدَ وَاحْتَرَزَ مِنْهَا ، كَمَا قِيلَ : آلَى مِنَ امْرَأَتِهِ ، لَمَّا ضُمِّنَ مَعْنَى التَّبَاعُدِ عُدِّيَ بِمِنْ . ( هـ ) وَفِيهِ ذِكْرُ " قُرَيْشٍ الظَّوَاهِرِ " وَهُمْ نَزَلُوا بِظُهُورِ جِبَالِ مَكَّةَ . وَالظَّوَاهِرُ : أَشْرَافُ الْأَرْضِ . وَقُرَيْشُ الْبِطَاحِ ، وَهُمُ الَّذِينَ نَزَلُوا بِطَاحَ مَكَّةَ . ( هـ ) وَمِنْهُ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : " فَاظْهَرْ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا " يَعْنِي إِلَى أَرْضٍ ذَكَرَهَا ؛ أَيِ : اخْرُجْ بِهِمْ إِلَى ظَاهِرِهَا . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْعَصْرَ وَلَمْ تَظْهَرِ الشَّمْسُ بَعْدُ مِنْ حُجْرَتِهَا ، أَيْ : لَمْ تَرْتَفِعْ وَلَمْ تَخْرُجْ إِلَى ظَهْرِهَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ " لَمَّا قِيلَ : يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ ، تَمَثَّلَ بِقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ : وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا يُقَالُ : ظَهَرَ عَنِّي هَذَا الْعَيْبُ ، إِذَا ارْتَفَعَ عَنْكَ ، وَلَمْ يَنَلْكَ مِنْهُ شَيْءٌ . أَرَادَ أَنَّ نِطَاقَهَا لَا يَغُضُّ مِنْهُ فَيُعَيَّرُ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ يَرْفَعُ مِنْهُ وَيَزِيدُهُ نُبْلًا . ( هـ ) وَفِيهِ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، أَيْ : مَا كَانَ عَفْوًا قَدْ فَضَلَ عَنْ غِنًى . وَقِيلَ : أَرَادَ مَا فَضَلَ عَنِ الْعِيالِ . وَالظَّهْرُ قَدْ يُزَادُ فِي مِثْلِ هَذَا إِشْبَاعًا لِلْكَلَامِ وَتَمْكِينًا ، كَأَنَّ صَدَقَتَهُ مُسْتَنِدَةٌ إِلَى ظَهْرٍ قَوِيٍّ مِنَ الْمَالِ . [3/166] * وَفِيهِ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ ، أَيْ : حَفِظَهُ . تَقُولُ : قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِي ، أَيْ : قَرَأْتُهُ مِنْ حِفْظِي . ( س ) وَفِيهِ " مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلَّا لَهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ " قِيلَ : ظَهْرُهَا : لَفْظُهَا ، وَبَطْنُهَا : مَعْنَاهَا . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالظَّهْرِ مَا ظَهَرَ تَأْوِيلُهُ وَعُرِفَ مَعْنَاهُ ، وَبِالْبَطْنِ مَا بَطَنَ تَفْسِيرُهُ . وَقِيلَ : قَصَصُهُ فِي الظَّاهِرِ أَخْبَارٌ ، وَفِي الْبَاطِنِ عِبَرٌ وَتَنْبِيهٌ وَتَحْذِيرٌ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ . قِيلَ : أَرَادَ بِالظَّهْرِ التِّلَاوَةَ ، وَبِالْبَطْنِ التَّفَهُّمَ وَالتَّعْظِيمَ . * وَفِي حَدِيثِ الْخَيْلِ : " وَلَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا " حَقُّ الظُّهُورِ : أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مُنْقَطَعًا بِهِ أَوْ يُجَاهِدَ عَلَيْهَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : " مِنْ حَقِّهَا إِفْقَارُ ظَهْرِهَا " . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عَرْفَجَةَ : " فَتَنَاوَلَ السَّيْفَ مِنَ الظَّهْرِ فَحَذَفَهُ بِهِ " الظَّهْرُ : الْإِبِلُ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا وَتُرْكَبُ . يُقَالُ : عِنْدَ فُلَانٍ ظَهْرٌ ، أَيْ : إِبِلٌ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : أَتَأْذَنُ لَنَا فِي نَحْرِ ظَهْرِنَا ؟ أَيْ : إِبِلِنَا الَّتِي نَرْكَبُهَا ، وَتُجْمَعُ عَلَى ظُهْرَانٍ ; بِالضَّمِّ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : " فَجَعَلَ رِجَالٌ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي ظُهْرَانِهِمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ " وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . ( س ) وَفِيهِ : " فَأَقَامُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ " ، قَدْ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْحَدِيثِ ، وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّهُمْ أَقَامُوا بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِظْهَارِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَيْهِمْ ، وَزِيدَتْ فِيهِ أَلِفٌ وَنُونٌ مَفْتُوحَةٌ تَأْكِيدًا ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ ظَهْرًا مِنْهُمْ قُدَّامَهُ وَظَهْرًا مِنْهُمْ وَرَاءَهُ ، فَهُوَ مَكْنُوفٌ مِنْ جَانِبَيْهِ ، وَمِنْ جَوَانِبِهِ إِذَا قِيلَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي الْإِقَامَةِ بَيْنَ الْقَوْمِ مُطْلَقًا . * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ : " اتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ " أَيْ جَعَلْتُمُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ، فَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الظَّهْرِ ، وَكَسْرُ الظَّاءِ مِنْ تَغْيِيرَاتِ النَّسَبِ . ( هـ ) وَفِيهِ : " فَعَمَدَ إِلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ فَأَمَرَ بِهِ فَرُحِلَ " يَعْنِي شَدِيدَ الظَّهْرِ قَوِيًّا عَلَى الرِّحْلَةِ . ( س ) وَفِيهِ : أَنَّهُ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ ، أَيْ : جَمَعَ وَلَبِسَ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى . وَكَأَنَّهُ مِنَ التَّظَاهُرِ : التَّعَاوُنِ وَالتَّسَاعُدِ . [3/167] * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ " أَنَّهُ بَارَزَ يَوْمَ بَدْرٍ وَظَاهَرَ " أَيْ : نَصَرَ وَأَعَانَ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : " فَظَهَرَ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهْدٌ ، فَقَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَيْهِمْ " أَيْ : غَلَبُوهُمْ . هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ . قَالُوا : وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مُغَيَّرًا ، كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى " فَغَدَرُوا بِهِمْ " . ( س ) وَفِيهِ : " أَنَّهُ أَمَرَ خُرَّاصَ النَّخْلِ أَنْ يَسْتَظْهِرُوا " : يَحْتَاطُوا وَيَدَعُوا لَهُمْ قَدْرَ مَا يَنُوبُهُمْ وَيَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ الْأَضْيَافِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى " أَنَّهُ كَسَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ثَوْبَيْنِ ظَهْرَانِيًّا وَمُعَقَّدًا " ، الظَّهْرَانِيُّ : ثَوْبٌ يُجَاءُ بِهِ مِنْ مَرِّ الظَّهْرَانِ . وَقِيلَ : هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى ظَهْرَانَ : قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ . وَالْمُعَقَّدُ : بُرْدٌ مِنْ بُرُودِ هَجَرَ . * وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ " مَرِّ الظَّهْرَانِ " فِي الْحَدِيثِ . وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ . وَاسْمُ الْقَرْيَةِ الْمُضَافَةِ إِلَيْهِ : مَرُّ ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ " أَنْشَدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدُنَا وَسَنَاؤُنَا وَإِنَّا لَنَرْجُوَ فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا فَغَضِبَ وَقَالَ لِي : أَيْنَ الْمَظْهَرُ يَا أَبَا لَيْلَى ؟ قَالَ : إِلَى الْجَنَّةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : أَجَلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ، الْمَظْهَرُ : الَمْصَعَدُ .