- بِخَرْبَةٍ
- ( خَرَبَ ) ( هـ ) فِيهِ الْحَرَمُ لَا يُعِيِذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِخَرَبَةٍ الْخَرَبَةُ : أَصْلُهَا الْعَيْبُ ، وَالْمُرَادُ بِهَا هَا هُنَا الَّذِي يَفِرُّ بِشَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ وَيَغْلِبَ عَلَيْهِ مِمَّا لَا تُجِيزُهُ الشَّرِيعَةُ . وَالْخَارِبُ أَيْضًا : سَارِقُ الْإِبِلِ خَاصَّةً ، ثُمَّ نُقِلَ إِلَى غَيْرِهَا اتِّسَاعًا . وَقَدْ جَاءَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْبُخَارِيِّ : أَنَّ الْخَرِبَةَ : الْجِنَايَةُ وَالْبَلِيَّةُ . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ بِخَزْيَةٍ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الْخَاءِ ، وَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يُسْتَحْيَا مِنْهُ ، أَوْ مِنَ الْهَوَانِ وَالْفَضِيحَةِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْفَعْلَةُ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا . ( س ) وَفِيهِ مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ إِخْرَابُ الْعَامِرِ وَعِمَارَةُ الْخَرَابِ الْإِخْرَابُ : أَنْ يُتْرَكَ الْمَوْضِعُ خَرِبًا ، وَالتَّخْرِيبُ الْهَدْمُ ، وَالْمُرَادُ مَا تُخَرِّبُهُ الْمُلُوكُ مِنَ الْعُمْرَانِ وَتَعْمُرُهُ مِنَ الْخَرَابِ شَهْوَةً لَا إِصْلَاحًا ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا يَعْمَلُهُ الْمُتْرَفُونَ مِنْ تَخْرِيبِ الْمَسَاكِنِ الْعَامِرَةِ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَإِنْشَاءِ عِمَارَتِهَا . [2/18] * وَفِي حَدِيثِ بِنَاءِ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ ، فَأَمَرَ بِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ الْخِرَبُ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعُ خَرِبَةٍ ، كَنَقِمَةٍ وَنِقَمٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جَمْعَ خِرْبَةٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ عَلَى التَّخْفِيفِ كَنِعْمَةٍ وَنِعَمٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَرِبُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ كَنَبِقَةٍ وَنَبِقٍ ، وَكَلِمَةٍ وَكَلِمٍ . وَقَدْ رُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، يُرِيدُ بِهِ الْمَوْضِعَ الْمَحْرُوثَ لِلزِّرَاعَةِ . ( هـ ) وَفِيهِ أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ ، فَقَالَ : فِي أَيِ الْخُرْبَتَيْنِ ، أَوْ فِي أَيِّ الْخُرْزَتَيْنِ ، أَوْ فِي أَيِ الْخُصْفَتَيْنِ يَعْنِي فِي أَيِّ الثُّقْبَيْنِ . وَالثَّلَاثَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَكُلُّهَا قَدْ رُوِيَتْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ كَأَنِّي بِحَبَشِيٍّ مُخَرَّبٍ عَلَى هَذِهِ الْكَعْبَةِ يُرِيدُ مَثْقُوبَ الْأُذُنِ . يُقَالُ : مُخَرَّبٌ وَمُخَرَّمٌ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ كَأَنَّهُ أَمَةٌ مُخَرَّبَةٌ أَيْ مَثْقُوبَةُ الْأُذُنِ . وَتِلْكَ الثُّقْبَةُ هِيَ الْخُرْبَةُ . ( هـ س ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الَّذِي يُقَلِّدُ بَدَنَتَهُ وَيَبْخَلُ بِالنَّعْلِ ، قَالَ : يُقَلِّدُهَا خُرَّابَةً يُرْوَى بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا ، يُرِيدُ عُرْوَةَ الْمَزَادَةَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ عُرْوَةَ الْمَزَادَةِ خُرْبَةٌ ، سُمِّيَتْ بِهَا لِاسْتِدَارَتِهَا ، وَكُلُّ ثُقْبٍ مُسْتَدِيرٍ خُرْبَةٌ . ( هـ س ) وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَا سَتَرْتَ الْخَرَبَةَ يَعْنِي الْعَوْرَةَ . يُقَالُ : مَا فِيهِ خَرَبَةٌ : أَيْ عَيْبٌ . * وَفِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَنْبُتُ فِي مُصَلَّاهُ كُلَّ يَوْمٍ شَجَرَةٌ ، فَيَسْأَلُهَا مَا أَنْتِ ؟ فَتَقُولُ : أَنَا شَجَرَةُ كَذَا أَنْبُتُ فِي أَرْضِ كَذَا ، أَنَا دَوَاءٌ مِنْ دَاءِ كَذَا ، فَيَأْمُرُ بِهَا فَتُقْطَعُ ، ثُمَّ تُصَرُّ وَيُكْتَبُ عَلَى الصُّرَّةِ اسْمُهَا وَدَوَاؤُهَا ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ ذَلِكَ نَبَتَتِ الْيَنْبُوتَةُ ، فَقَالَ : مَا أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا الْخَرُّوبَةُ . وَسَكَتَتْ ، فَقَالَ : الْآنَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ فِي خَرَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ وَذَهَابِ هَذَا الْمُلْكِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ . [2/19] ( هـ ) وَفِيهِ ذِكْرُ " الْخُرَيْبَةِ " هِيَ بِضَمِّ الْخَاءِ مُصَغَّرَةٌ : مَحِلَّةٌ مِنْ مَحَالِّ الْبَصْرَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ .
- حُرْمَتُهَا
- ( حَرَمَ ) [ هـ ] فِيهِ كُلُّ مُسْلِمٍ عَنْ مُسْلِمٍ مُحْرِمٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمُحْرِمٌ عَنْكَ : أَيْ يَحْرُمُ أَذَاكَ عَلَيْهِ . وَيُقَالُ : مُسْلِمٌ مُحْرِمٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُعْتَصِمٌ بِالْإِسْلَامِ مُمْتَنِعٌ بِحُرْمَتِهِ مِمَّنْ أَرَادَهُ أَوْ أَرَادَ مَالَهُ . [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " الصِّيَامُ إِحْرَامٌ " لِاجْتِنَابِ الصَّائِمِ مَا يَثْلِمُ صَوْمَهُ . وَيُقَالُ لِلصَّائِمِ مُحْرِمٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي : قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًا وَقِيلَ : أَرَادَ لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . وَيُقَالُ لِلْحَالِفِ مُحْرِمٌ لِتَحَرُّمِهِ بِهِ . * وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ " فِي الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي الْغَضَبِ " أَيْ يَحْلِفُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " فِي الْحَرَامِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " هُوَ أَنْ يَقُولَ : حَرَامُ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا ، [1/373] كَمَا يَقُولُ يَمِينَ اللَّهِ ، وَهِيَ لُغَةُ الْعُقَيْلِيِّينَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ثُمَّ قَالَ : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا تَعْنِي مَا كَانَ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِ بِالْإِيلَاءِ عَادَ أَحَلَّهُ وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ الْكَفَّارَةَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلِيَّ حَرَامٌ . * وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . * وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ الْحُرْمُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ ، وَبِالْكَسْرِ : الرَّجُلُ الْمُحْرِمُ . يُقَالَ : أَنْتَ حِلٌّ ، وَأَنْتَ حِرْمٌ . وَالْإِحْرَامُ : مَصْدَرُ أَحْرَمَ الرَّجُلُ يُحْرِمُ إِحْرَامًا إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ وَبَاشَرَ أَسْبَابَهُمَا وَشُرُوطَهُمَا مِنْ خَلْعِ الْمَخِيطِ وَاجْتِنَابِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْهَا كَالطِّيبِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمَنْعُ . فَكَأَنَّ الْمُحْرِمَ مُمْتَنِعٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . وَأَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ، وَفِي الشُّهُورِ الْحُرُمِ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَرَجَبٌ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّلَاةِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنَ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا ، فَقِيلَ لِلتَّكْبِيرِ : تَحْرِيمٌ ; لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّيَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ : أَيِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ . * وَفِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا الْحُرُمَاتُ : جَمْعُ حُرْمَةٍ ، كَظُلْمَةٍ وَظُلُمَاتٍ ، يُرِيدُ حُرْمَةَ الْحَرَمِ ، وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ ، وَحُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ . وَالْحُرْمَةُ : مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةٍ مَعَ ذِي حُرْمَةٍ مِنْهَا ذُو الْمَحْرَمِ : مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْأَقَارِبِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ . [1/374] [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ " إِذَا اجْتَمَعَتْ حُرْمَتَانِ طُرِحَتِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى " أَيْ إِذَا كَانَ أَمْرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِعَامَّةِ النَّاسِ ، وَمَضَرَّةٌ عَلَى الْخَاصَّةِ قُدِّمَتْ مَنْفَعَةُ الْعَامَّةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ أَيْ مُحَرَّمَةُ الضَّرْبِ ، أَوْ ذَاتُ حُرْمَةٍ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي أَيْ تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ عَلَى النَّاسِ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ أَيْ بِتَحْرِيمِهِ . وَقِيلَ الْحُرْمَةُ الْحَقُّ : أَيْ بِالْحَقِّ الْمَانِعِ مِنْ تَحْلِيلِهِ . * وَحَدِيثُ الرَّضَاعِ فَتَحَرَّمَ بِلَبَنِهَا أَيْ صَارَ عَلَيْهَا حَرَامًا . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَتَيْنِ الْأُخْتَيْنِ " حَرَّمَتْهُنَّ آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُنَّ آيَةٌ " فَقَالَ : " تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَتِي مِنْهُنَّ ، وَلَا تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَةُ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ " أَرَادَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يُخْبِرَ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَقَعَ مِنْ أَجْلِهَا تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْحُرَّتَيْنِ ، فَقَالَ : لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِقَرَابَةِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ الثَّانِيَةِ بَعْدَ وَطْءِ الْأُولَى ، كَمَا يَجْرِي فِي الْأُمِّ مَعَ الْبِنْتِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ أَجْلِ قَرَابَةِ الرَّجُلِ مِنْهُمَا ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ الْأُخْتَ إِلَى الْأُخْتِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَصْهَارِهِ ، وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَدْ أَخْرَجَ الْإِمَاءَ مِنْ حُكْمِ الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ إِمَائِهِ . وَالْفُقَهَاءُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ . فَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحَرِّمَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحِلَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً الْمُحَرَّمَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تُرْكَبُ وَلَمْ تُذَلَّلْ . ( هـ ) وَفِيهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ تُبْعَثُ عَلَيْهِمُ الْحِرْمَةُ هِيَ بِالْكَسْرِ الْغُلْمَةُ وَطَلَبُ الْجِمَاعِ ، وَكَأَنَّهَا بِغَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنَ الْحَيَوَانِ أَخَصُّ . يُقَالُ اسْتَحْرَمَتِ الشَّاةُ إِذَا طَلَبَتِ الْفَحْلَ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ اسْتَحْرَمَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِهِ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ ، وَلَيْسَ مِنِ اسْتِحْرَامِ الشَّاةِ . [1/375] ( هـ ) وَفِيهِ إِنَّ عِيَاضَ بْنَ حَمَّادٍ الْمُجَاشِعِيَّ كَانَ حِرْمَيَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ إِذَا حَجَّ طَافَ فِي ثِيَابِهِ . كَانَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَمَّسُونَ فِي دِينِهِمْ - أَيْ يَتَشَدَّدُونَ - إِذَا حَجَّ أَحَدُهُمْ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ رَجُلٍ مِنَ الْحَرَمِ ، وَلَمْ يَطُفْ إِلَّا فِي ثِيَابِهِ ، فَكَانَ لِكُلِّ شَرِيفٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِرْمَيَّ صَاحِبِهِ ، كَمَا يُقَالُ كَرِيٌّ لِلْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي . وَالنَّسَبُ فِي النَّاسِ إِلَى الْحَرَمِ حِرْمِيٌّ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . يُقَالُ رَجُلٌ حِرْمِيٌّ ، فَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ النَّاسِ قَالُوا ثَوْبٌ حِرْمِيٌّ . ( هـ ) وَفِيهِ حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُحِيطُ بِهَا الَّذِي يُلْقَى فِيهِ تُرَابِهَا : أَيْ إِنَّ الْبِئْرَ الَّتِي يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ وَلَا يُنَازِعَهُ عَلَيْهِ . وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ .
- كَحُرْمَتِهَا
- ( حَرَمَ ) [ هـ ] فِيهِ كُلُّ مُسْلِمٍ عَنْ مُسْلِمٍ مُحْرِمٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمُحْرِمٌ عَنْكَ : أَيْ يَحْرُمُ أَذَاكَ عَلَيْهِ . وَيُقَالُ : مُسْلِمٌ مُحْرِمٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمَ مُعْتَصِمٌ بِالْإِسْلَامِ مُمْتَنِعٌ بِحُرْمَتِهِ مِمَّنْ أَرَادَهُ أَوْ أَرَادَ مَالَهُ . [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " الصِّيَامُ إِحْرَامٌ " لِاجْتِنَابِ الصَّائِمِ مَا يَثْلِمُ صَوْمَهُ . وَيُقَالُ لِلصَّائِمِ مُحْرِمٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاعِي : قَتَلُوا ابْنَ عَفَّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا وَدَعَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَخْذُولًا وَقِيلَ : أَرَادَ لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ . وَيُقَالُ لِلْحَالِفِ مُحْرِمٌ لِتَحَرُّمِهِ بِهِ . * وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ " فِي الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي الْغَضَبِ " أَيْ يَحْلِفُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ " فِي الْحَرَامِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ " هُوَ أَنْ يَقُولَ : حَرَامُ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا ، [1/373] كَمَا يَقُولُ يَمِينَ اللَّهِ ، وَهِيَ لُغَةُ الْعُقَيْلِيِّينَ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ تَحْرِيمَ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ثُمَّ قَالَ : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ آلَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نِسَائِهِ وَحَرَّمَ ، فَجَعَلَ الْحَرَامَ حَلَالًا تَعْنِي مَا كَانَ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِ بِالْإِيلَاءِ عَادَ أَحَلَّهُ وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ الْكَفَّارَةَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلِيَّ حَرَامٌ . * وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ . * وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ الْحُرْمُ - بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ ، وَبِالْكَسْرِ : الرَّجُلُ الْمُحْرِمُ . يُقَالَ : أَنْتَ حِلٌّ ، وَأَنْتَ حِرْمٌ . وَالْإِحْرَامُ : مَصْدَرُ أَحْرَمَ الرَّجُلُ يُحْرِمُ إِحْرَامًا إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ بِالْعُمْرَةِ وَبَاشَرَ أَسْبَابَهُمَا وَشُرُوطَهُمَا مِنْ خَلْعِ الْمَخِيطِ وَاجْتِنَابِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْهَا كَالطِّيبِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمَنْعُ . فَكَأَنَّ الْمُحْرِمَ مُمْتَنِعٌ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . وَأَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ الْحَرَمَ ، وَفِي الشُّهُورِ الْحُرُمِ وَهِيَ ذُو الْقَعْدَةِ ، وَذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ ، وَرَجَبٌ . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّلَاةِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنَ الْكَلَامِ وَالْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالِهَا ، فَقِيلَ لِلتَّكْبِيرِ : تَحْرِيمٌ ; لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّيَ مِنْ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ : أَيِ الْإِحْرَامِ بِالصَّلَاةِ . * وَفِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا الْحُرُمَاتُ : جَمْعُ حُرْمَةٍ ، كَظُلْمَةٍ وَظُلُمَاتٍ ، يُرِيدُ حُرْمَةَ الْحَرَمِ ، وَحُرْمَةَ الْإِحْرَامِ ، وَحُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ . وَالْحُرْمَةُ : مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا وَفِي رِوَايَةٍ مَعَ ذِي حُرْمَةٍ مِنْهَا ذُو الْمَحْرَمِ : مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الْأَقَارِبِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ . [1/374] [ هـ ] وَمِنْهُ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ " إِذَا اجْتَمَعَتْ حُرْمَتَانِ طُرِحَتِ الصُّغْرَى لِلْكُبْرَى " أَيْ إِذَا كَانَ أَمْرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِعَامَّةِ النَّاسِ ، وَمَضَرَّةٌ عَلَى الْخَاصَّةِ قُدِّمَتْ مَنْفَعَةُ الْعَامَّةِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ أَيْ مُحَرَّمَةُ الضَّرْبِ ، أَوْ ذَاتُ حُرْمَةٍ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي أَيْ تَقَدَّسْتُ عَنْهُ وَتَعَالَيْتُ ، فَهُوَ فِي حَقِّهِ كَالشَّيْءِ الْمُحَرَّمِ عَلَى النَّاسِ . * وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ أَيْ بِتَحْرِيمِهِ . وَقِيلَ الْحُرْمَةُ الْحَقُّ : أَيْ بِالْحَقِّ الْمَانِعِ مِنْ تَحْلِيلِهِ . * وَحَدِيثُ الرَّضَاعِ فَتَحَرَّمَ بِلَبَنِهَا أَيْ صَارَ عَلَيْهَا حَرَامًا . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَذُكِرَ عِنْدَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَمَتَيْنِ الْأُخْتَيْنِ " حَرَّمَتْهُنَّ آيَةٌ وَأَحَلَّتْهُنَّ آيَةٌ " فَقَالَ : " تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَتِي مِنْهُنَّ ، وَلَا تُحَرِّمُهُنَّ عَلَيَّ قَرَابَةُ بَعْضِهِنَّ مِنْ بَعْضٍ " أَرَادَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يُخْبِرَ بِالْعِلَّةِ الَّتِي وَقَعَ مِنْ أَجْلِهَا تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْحُرَّتَيْنِ ، فَقَالَ : لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ بِقَرَابَةِ إِحْدَاهُمَا مِنَ الْأُخْرَى ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ وَطْءُ الثَّانِيَةِ بَعْدَ وَطْءِ الْأُولَى ، كَمَا يَجْرِي فِي الْأُمِّ مَعَ الْبِنْتِ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ أَجْلِ قَرَابَةِ الرَّجُلِ مِنْهُمَا ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ الْأُخْتَ إِلَى الْأُخْتِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَصْهَارِهِ ، وَكَأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَدْ أَخْرَجَ الْإِمَاءَ مِنْ حُكْمِ الْحَرَائِرِ ; لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ إِمَائِهِ . وَالْفُقَهَاءُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ . فَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحَرِّمَةُ فَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَأَمَّا الْآيَةُ الْمُحِلَّةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَدَاوَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَاقَةً مُحَرَّمَةً الْمُحَرَّمَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ تُرْكَبُ وَلَمْ تُذَلَّلْ . ( هـ ) وَفِيهِ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ تُبْعَثُ عَلَيْهِمُ الْحِرْمَةُ هِيَ بِالْكَسْرِ الْغُلْمَةُ وَطَلَبُ الْجِمَاعِ ، وَكَأَنَّهَا بِغَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنَ الْحَيَوَانِ أَخَصُّ . يُقَالُ اسْتَحْرَمَتِ الشَّاةُ إِذَا طَلَبَتِ الْفَحْلَ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ اسْتَحْرَمَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِهِ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ يَضْحَكْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَحْرَمَ الرَّجُلُ إِذَا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تُهْتَكُ ، وَلَيْسَ مِنِ اسْتِحْرَامِ الشَّاةِ . [1/375] ( هـ ) وَفِيهِ إِنَّ عِيَاضَ بْنَ حَمَّادٍ الْمُجَاشِعِيَّ كَانَ حِرْمَيَّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ إِذَا حَجَّ طَافَ فِي ثِيَابِهِ . كَانَ أَشْرَافُ الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَمَّسُونَ فِي دِينِهِمْ - أَيْ يَتَشَدَّدُونَ - إِذَا حَجَّ أَحَدُهُمْ لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا طَعَامَ رَجُلٍ مِنَ الْحَرَمِ ، وَلَمْ يَطُفْ إِلَّا فِي ثِيَابِهِ ، فَكَانَ لِكُلِّ شَرِيفٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِرْمَيَّ صَاحِبِهِ ، كَمَا يُقَالُ كَرِيٌّ لِلْمُكْرِي وَالْمُكْتَرِي . وَالنَّسَبُ فِي النَّاسِ إِلَى الْحَرَمِ حِرْمِيٌّ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ . يُقَالُ رَجُلٌ حِرْمِيٌّ ، فَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ النَّاسِ قَالُوا ثَوْبٌ حِرْمِيٌّ . ( هـ ) وَفِيهِ حَرِيمُ الْبِئْرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُحِيطُ بِهَا الَّذِي يُلْقَى فِيهِ تُرَابِهَا : أَيْ إِنَّ الْبِئْرَ الَّتِي يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي مَوَاتٍ فَحَرِيمُهَا لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ وَلَا يُنَازِعَهُ عَلَيْهِ . وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْهُ ، أَوْ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ .
- وَوَعَاهُ
- ( وَعَا ) ( هـ ) فِيهِ الِاسْتِحْيَاءُ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ : أَلَّا تَنْسَوُا الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى ، وَالْجَوْفَ وَمَا وَعَى ، ، أَيْ مَا جَمَعَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، حَتَّى يَكُونَا مِنْ حِلِّهِمَا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ " ذَكَرَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَنْبِيَاءَ قَدْ سَمَّاهُمْ ، فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ " هَكَذَا رُوِيَ . فَإِنْ صَحَّ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : أَدْخَلْتُهُ فِي وِعَاءِ قَلْبِي . يُقَالُ : أَوْعَيْتُ الشَّيْءَ فِي الْوِعَاءِ ، إِذَا أَدْخَلْتَهُ فِيهِ . وَلَوْ رُوِيَ " وَعَيْتُ " بِمَعْنَى حَفِظْتُ ، لَكَانَ أَبْيَنَ وَأَظْهَرَ . يُقَالُ : وَعَيْتُ الْحَدِيثَ أَعِيهِ وَعْيًا فَأَنَا وَاعٍ ، إِذَا حَفِظْتَهُ وَفَهِمْتَهُ . وَفُلَانٌ أَوْعَى مِنْ فُلَانٍ : أَيْ أَحْفَظُ وَأَفْهَمُ . [5/208] ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ " لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ قَلْبًا وَعَى الْقُرْآنَ " أَيْ عَقِلَهُ إِيمَانًا بِهِ وَعَمَلًا . فَأَمَّا مَنْ حَفِظَ أَلْفَاظَهُ وَضَيَّعَ حُدُودَهُ فَإِنَّهُ غَيْرُ وَاعٍ لَهُ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . ( س ) وَفِيهِ " فَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ " أَيِ اسْتَوْفَاهُ كُلَّهُ ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْوِعَاءِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ " حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعَاءَيْنِ مِنَ الْعِلْمِ " أَرَادَ الْكِنَايَةَ عَنْ مَحَلِّ الْعِلْمِ وَجَمْعِهِ ، فَاسْتَعَارَ لَهُ الْوِعَاءَ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " لَا تُوَعِّي فَيُوعَى عَلَيْكِ " أَيْ لَا تَجْمَعِي وَتَشِحِّي بِالنَّفَقَةِ ، فَيُشَحَّ عَلَيْكِ ، وَتُجَازَيْ بِتَضْيِيقِ رِزْقِكِ . ( س ) وَفِي مَقْتَلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَوْ أَبِي رَافِعٍ " حَتَّى سَمِعْنَا الْوَاعِيَةَ " هُوَ الصُّرَاخُ عَلَى الْمَيِّتِ وَنَعْيُهَ . وَلَا يُبْنَى مِنْهُ فِعْلٌ . وَقِيلَ : الْوَعَى كَالْوَغَى : الْجَلَبَةُ وَالصَّوْتُ الشَّدِيدُ .
- يَسْفِكَ
- ( سَفَكَ ) * فِيهِ أَنْ يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمُ السَّفْكُ : الْإِرَاقَةُ وَالْإِجْرَاءُ لِكُلِّ مَائِعٍ . يُقَالُ : سَفَكَ الدَّمَ وَالدَّمْعَ وَالْمَاءَ يَسْفِكُهُ سَفْكًا ، وَكَأَنَّهُ بِالدَّمِ أَخَصُّ . وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ .
- يَعْضُدَ
- ( عَضَدَ ) ( هـ ) فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ نَهَى أَنْ يُعْضَدَ شَجَرُهَا أَيْ : يُقْطَعَ . يُقَالُ : عَضَدْتُ الشَّجَرَ أَعْضِدُهُ عَضْدًا . وَالْعَضَدُ بِالتَّحْرِيكِ : الْمَعْضُودُ . [3/252] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ . ( هـ ) وَحَدِيثُ طَهْفَةَ " وَنَسْتَعْضِدُ الْبَرِيرَ " أَيْ : نَقْطَعُهُ وَنَجْنِيهِ مِنْ شَجَرِهِ لِلْأَكْلِ . ( هـ ) وَحَدِيثُ ظَبْيَانَ " وَكَانَ بَنُو عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ مِنْ جَذِيمَةَ يَخْبِطُونَ عَضِيدَهَا ، وَيَأْكُلُونَ حَصِيدَهَا " الْعَضِيدُ وَالْعَضَدُ : مَا قُطِعَ مِنَ الشَّجَرِ : أَيْ يَضْرِبُونَهُ لِيَسْقُطَ وَرَقُهُ فَيَتَّخِذُوهُ عَلَفًا لِإِبِلِهِمْ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ : وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ ، الْعَضُدُ : مَا بَيْنَ الْكَتِفِ وَالْمِرْفَقِ ، وَلَمْ تُرِدْهُ خَاصَّةً ، وَلَكِنَّهَا أَرَادَتِ الْجَسَدَ كُلَّهُ ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِنَ الْعَضُدُ سَمِنَ سَائِرُ الْجَسَدِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ وَالْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ " فَنَاوَلْتُهُ الْعَضُدَ فَأَكَلَهَا " يُرِيدُ كَتِفَهُ . * وَفِي صِفَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ مُعَضَّدًا هَكَذَا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَهُوَ الْمُوَثَّقُ الْخَلْقِ ، وَالْمَحْفُوظُ فِي الرِّوَايَةِ " مُقَصَّدًا " . [ هـ ] وَفِيهِ " أَنَّ سَمُرَةَ كَانَ لَهُ عَضُدٌ مِنْ نَخْلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ " أَرَادَ طَرِيقَةً مِنَ النَّخْلِ . وَقِيلَ : إِنَّمَا هُوَ " عَضِيدٌ مِنْ نَخْلٍ " ، وَإِذَا صَارَ لِلنَّخْلَةِ جِذْعٌ يُتَنَاوَلُ مِنْهُ فَهُوَ عَضِيدٌ .