قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ سَقَطَ قَوْلُهُ: بَابُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَ قَوْلُهُ: قَوْلُهُ لِلْمُسْتَمْلِيِّ فَقَطْ.
قَوْلُهُ: (كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ) يُشِيرُ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنُعْطِي الْجَارِيَةَ الصَّغِيرَةَ نِصْفَ الْمِيرَاثِ وَهِيَ لَا تَرْكَبُ الْفَرَسَ وَلَا تُدَافِعُ الْعَدُوِّ؟ قَالَ: وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُعْطُونَ الْمِيرَاثَ إِلَّا لِمَنْ قَاتَلَ الْقَوْمَ.
قَوْلُهُ: (فَنَسَخَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ اسْتَمَرَّ إِلَى نُزُولِ الْآيَةِ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ النَّسْخَ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ صَاحِبِ التَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ أَنْكَرَ النَّسْخَ مُطْلَقًا، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ نَاسِخَةٌ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ، أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ الشَّرَائِعَ الْمَاضِيَةَ مُسْتَقِرَّةُ الْحُكْمِ إِلَى ظُهُورِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، قَالَ: فَسُمِّيَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لَا نَسْخًا، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: إِنْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ لَا يَعْتَرِفُ بِوُقُوعِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نُسِخَتْ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ مُكَابِرٌ، وَإِنْ قَالَ: لَا أُسَمِّيهِ نَسْخًا كَانَ الْخِلَافُ لَفْظِيًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (وَجَعَلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ) قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: قَوْلُهُ: وَالثُّلُثَ زِيَادَةٌ هُنَا، وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ فِي كِتَابِ الْفَرَائِضِ فَلَمْ يَذْكُرْهَا، قُلْتُ: اخْتَصَرَهَا هُنَاكَ، وَلَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيِّ شَيْخِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ فِي حَالٍ وَلِلْأُمِّ الثُّلُثَ فِي حَالٍ، وَوِزَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: وَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ وَالرُّبُعُ أَيْ: كُلٌّ مِنْهُمَا فِي حَالٍ.
٦ - بَاب ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ. وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ لَا تَقْهَرُونَ، ﴿حُوبًا﴾ إِثْمًا، ﴿تَعُولُوا﴾ تَمِيلُوا، ﴿نِحْلَةً﴾ النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ
٤٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أخبرنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا، وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا، وَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ.
[الحديث ٤٥٧٩ - طرفه في: ٦٩٤٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الْآيَةَ) سَقَطَ بَابُ وَمَا بَعْدَ كَرْهًا لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَوْلُهُ: كَرْهًا مَصْدَرٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، قَرَأَهَا حَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ بِالضَّمِّ، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا تَعْضُلُوهُنَّ: لَا تَقْهَرُوهُنَّ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: تَنْتَهِرُوهُنَّ بِنُونٍ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مِنَ الِانْتِهَارِ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ أَيْضًا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهَمٌ، وَالصَّوَابُ مَا عِنْدَ الْجَمَاعَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: لَا تَعْضُلُوهُنَّ (لَا تَقْهَرُوهُنَّ) لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ، يَعْنِي الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ وَهُوَ كَارِهٌ لِصُحْبَتِهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ فَيَضُرُّهَا لِتَفْتَدِيَ، وَأَسْنَدَ عَنِ السُّدِّيِّ، وَالضَّحَّاكِ نَحْوَهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ، كَالْعَضْلِ الْمَذْكُورِ
فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ ضَعَّفَ ذَلِكَ وَرَجَّحَ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: (حُوبًا: إِثْمًا) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا﴾ قَالَ: إِثْمًا عَظِيمًا. وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ مِثْلَهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى ضَمِّ الْحَاءِ، وَعَنِ الْحَسَنِ بِفَتْحِهَا.
قَوْلُهُ: (تَعُولُوا: تَمِيلُوا) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا﴾ قَالَ: أَنْ لَا تَمِيلُوا. وَرُوِّينَاهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ بِإِسْنَادٍ آخَرَ صَحِيحٍ إِلَى الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَالسُّدِّيِّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِثْلَهُ، وَأَنْشَدَ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ، لِأَبِي طَالِبٍ مِنْ أَبْيَاتٍ:
بِمِيزَانِ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ
وَجَاءَ مِثْلُهُ مَرْفُوعًا، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنْ لَا تَعُولُوا: أَنْ لَا يَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَأَنْكَرَهُ الْمُبَرِّدُ، وَابْنُ دَاوُدَ، وَالثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ نَحْوُ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَسْنَدَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَشْهَرَ، وَاحْتَجَّ مَنْ رَدَّهُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِأَنَّهُ أَحَلَّ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ مَا شَاءَ الرَّجُلُ بِلَا عَدَدٍ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ كَثْرَةُ الْعِيَالِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ النِّسَاءَ وَمَا يَحِلُّ مِنْهُنَّ، فَالْجَوْرُ وَالْعَدْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ كَثْرَةَ الْعِيَالِ لَكَانَ أَعَالَ يُعِيلُ مِنَ الرُّبَاعِيِّ. وَأَمَّا تَعُولُوا فَمِنَ الثُّلَاثِيِّ، لَكِنْ نَقَلَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الدُّورِيِّ - قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ - قَالَ: هِيَ لُغَةُ حِمْيَرَ. وَنُقِلَ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ أَنَّهُ قَرَأَ: أَنْ لَا تُعِيلُوا.
قَوْلُهُ: (نِحْلَةً فَالنِّحْلَةُ الْمَهْرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ بِغَيْرِ فَاءٍ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِ الْبُخَارِيِّ فَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ الْوُجُوِهِ أَنَّ النِّحْلَةَ مَا يُعْطُونَهُ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ نِحْلَةٌ يَنْتَحِلُونَهَا، أَيْ: يَتَدَيَّنُونَ بِهَا وَيَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) قَالَ: النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.
وَرَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: نِحْلَةً أَيْ: فَرِيضَةً. وَمِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: النِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْوَاجِبُ، قَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْكِحَ إِلَّا بِصَدَاقٍ. كَذَا قَالَ. وَالنِّحْلَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْعَطِيَّةُ، لَا كَمَا قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، ثُمَّ قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخَاطَبَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاءُ النِّسَاءِ، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ امْرَأَةً أَخَذَ صَدَاقَهَا دُونَهَا، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَسْنَدَهُ إِلَى سَيَّارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِذَلِكَ، وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ.
(تَنْبِيهٌ): مَحَلُّ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ مِنْ قَوْلِهِ: (حُوبًا) إِلَى آخِرِهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ، وَكَأَنَّهُ مِنْ بَعْضِ نُسَّاخِ الْكِتَابِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَيْسَ هَذَا خَاصًّا بِهَذَا الْمَوْضِعِ، فَفِي التَّفْسِيرِ فِي غَالِبِ السُّوَرِ أَشْبَاهُ هَذَا.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، كُوفِيٌّ ثِقَةٌ، لَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَأَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْهُ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ الدُّورِيُّ، عَنِ ابْنِ مَعِينٍ: كَانَ يُخْطِئُ عَنْ سُفْيَانَ، فَذَكَرَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الضُّعَفَاءِ، لَكِنْ قَالَ: كَانَ ثَبْتًا فِيمَا يَرْوِي عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَمُطَرِّفٍ. وَذَكَرَهُ الْعُقَيْلِيُّ وَقَالَ: رُبَّمَا وَهِمَ فِي الشَّيْءِ، وَقَدْ أَدْرَكَهُ الْبُخَارِيُّ بِالسِّنِّ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ الشَّيْبَانِيُّ) سَمَّاهُ فِي كِتَابِ الْإِكْرَاهِ سُلَيْمَانَ بْنَ فَيْرُوزٍ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، وَلَا أَظُنُّهُ ذَكَرَهُ إِلَّا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) حَاصِلُهُ أَنَّ لِلشَّيْبَانِيِّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ إِحْدَاهُمَا: مَوْصُولَةٌ، وَهِيَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأُخْرَى: مَشْكُوكٌ فِي وَصْلِهَا، وَهِيَ أَبُو الْحَسَنِ السُّوَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالشَّيْبَانِيُّ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ، وَالسُّوَائِيُّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْوَاوِ ثُمَّ أَلِفٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ وَاسْمُهُ عَطَاءٌ، وَلَمْ أَقِفْ لَهُ عَلَى ذِكْرٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ) فِي رِوَايَةِ السُّدِّيِّ تَقْيِيدُ
ذَلِكَ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ اسْتَمَرَّ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَنْ نَزَلَتِ الْآيَةُ، فَقَدْ جَزَمَ الْوَاحِدِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَسَاقَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً، وَكَأَنَّهُ نَقَلَهُ مِنْ تَفْسِيرِ الشَّعْبِيِّ، وَنَقَلَ عَنْ تَفْسِيرِ مُقَاتِلٍ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي اسْمِ ابْنِ أَبِي قَيْسٍ، فَالْأَوَّلُ قَالَ: قَيْسٌ، وَمُقَاتِلٌ قَالَ: حُصَيْنٌ، رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةٍ خَاصَّةٍ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي كَبْشَةَ بِنْتِ مَعْنِ بْنِ عَاصِمٍ مِنَ الْأَوْسِ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ فَتُوُفِّيَ عَنْهَا، فَجَنَحَ عَلَيْهَا ابْنُهُ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَا أَنَا وَرِثْتُ زَوْجِي وَلَا تُرِكْتُ فَأُنْكَحَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ.