ثُمَّ وَجَدْتُ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ لَكِنْ بِلَفْظِ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ أَيْ هُوَ الَّذِي أُعْطِيتُمُوهُ فَيَكُونُ هَذَا هُوَ الْخَبَرُ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ عَنْ عُمَرَ ثُمَّ عَلِيٍّ قَالَ السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ زَادَ عَنْ عُمَرَ تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَبِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ قَالَ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قَالَ: هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ السَّابِعَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي هِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ. قُلْتُ لِلرَّبِيعِ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّهَا السَّبْعُ الطِّوَالُ، قَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا نَزَلَ مِنَ الطِّوَالِ شَيْءٌ.
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ قَوْلٌ آخَرُ مَشْهُورٌ فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ، وَقَدْ أَسْنَدَهُ النَّسَائِيُّ، وَالطَّبَرِيُّ، وَالْحَاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ، وَفِي لَفْظٍ لِلطَّبَرِيِّ: الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءُ وَالْمَائِدَةُ وَالْأَنْعَامُ وَالْأَعْرَافُ، قَالَ الرَّاوِي: ذَكَرَ السَّابِعَةَ فَنَسِيتُهَا. وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهَا يُونُسُ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ أَنَّهَا الْكَهْفُ، وَزَادَ: قِيلَ لَهُ مَا الْمَثَانِي؟ قَالَ: تُثَنَّى فِيهِنَّ الْقَصَصُ. وَمِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ خُضَيْفٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قَالَ مُرْ وَانْهَ وَبَشِّرْ وَأَنْذِرْ وَاضْرِبِ الْأَمْثَالَ وَاعْدُدِ النِّعَمَ وَالْأَنْبَاءَ. وَرَجَّحَ الطَّبَرِيُّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ.
٤ - بَاب قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾، ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ الَّذِينَ حَلَفُوا. وَمِنْهُ: لَا أُقْسِمُ: أَيْ أُقْسِمُ، وَتُقْرَأُ: لَأُقْسِمُ. قَاسَمَهُمَا: حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ تَحَالَفُوا.
٤٧٠٥ - حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً، فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ.
٤٧٠٦ - حَدَّثَني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قَالَ: آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ، الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى.
قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قِيلَ إِنَّ ﴿عِضِينَ﴾ جَمْعُ عُضْوٍ، فَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أَيْ جَعَلُوهُ أَعْضَاءً كَأَعْضَاءِ الْجَزُورِ، وَقِيلَ هِيَ جَمْعُ عِضَةٍ وَأَصْلُهَا عِضْهَةٌ فَحُذِفَتِ الْهَاءُ كَمَا حُذِفَتْ مِنَ الشَّفَةِ وَأَصْلُهَا شَفَهَةٌ وَجُمِعَتْ بَعْدَ الْحَذْفِ عَلَى عِضِينَ مِثْلُ بِرَةٍ وَبِرِينَ وَكِرَةٍ كِرِينِ، وَرَوَى
الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: عِضِينَ عَضَهُوهُ وَبَهَتُوهُ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: الْعَضْهُ السِّحْرُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، تَقُولُ لِلسَّاحِرَةِ الْعَاضِهَةِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ مِثْلُ قَوْلِ الضَّحَّاكِ وَلَفْظُهُ: عَضُّوا الْقُرْآنَ أَعْضَاءً، فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَاحِرٌ وَقَالَ آخَرُ مَجْنُونٌ وَقَالَ آخَرُ كَاهِنٌ، فَذَلِكَ الْعِضِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ وَزَادَ: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: قَسَّمُوا الْقُرْآنَ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَقَالُوا: ذَكَرَ مُحَمَّدٌ الْبَعُوضَ وَالذُّبَابَ وَالنَّمْلَ وَالْعَنْكَبُوتَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنَا صَاحِبُ الْبَعُوضِ وَقَالَ آخَرُ أَنَا صَاحِبُ النَّمْلِ وَقَالَ آخَرُ أَنَا صَاحِبُ الْعَنْكَبُوتِ، وَكَانَ الْمُسْتَهْزِئُونَ خَمْسَةً: الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، وَالْأَسْوَدَ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَالْعَاصِي بْنَ وَائِلٍ وَالْحَارِثَ بْنَ قَيْسٍ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِ فِي عَدِّ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ وَزَادَ بَيَانُ كَيْفِيَّةِ هَلَاكِهِمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ.
قَوْلُهُ: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ الَّذِينَ حَلَفُوا، وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ أَيْ أُقْسِمُ، وَتُقْرَأُ لَأُقْسِمُ، ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ حَلَفَ لَهُمَا وَلَمْ يَحْلِفَا لَهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ تَحَالَفُوا) قُلْتُ هَكَذَا جَعَلَ الْمُقْتَسِمِينَ مِنَ الْقَسَمِ بِمَعْنَى الْحَلِفِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مِنَ الْقِسْمَةِ وَبِهِ جَزَمَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَسِيَاقُ الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا﴾ هُوَ صِفَةٌ لِلْمُقْتَسِمِينَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ قَسَمُوهُ وَفَرَّقُوهُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ حَلَفَ لَهُمَا، وَقَالَ أَيْضًا أَبُو عُبَيْدَةَ الَّذِي يُكْثِرُ الْمُصَنِّفُ نَقْلَ كَلَامِهِ: مِنَ الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا وَفَرَّقُوا، قَالَ: وَقَوْلُهُ عِضِينَ أَيْ فَرَّقُوهُ عَضُّوهُ أَعْضَاءً. قَالَ رُؤْبَةُ:
وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمُعَضَّى
أَيْ بِالْمُفَرَّقِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمِنْهُ لَا أُقْسِمُ إِلَخْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، أَيْ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الِاقْتِسَامِ بَلْ هُوَ مِنَ الْقَسَمِ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ أَنَّ الْمُقْتَسِمِينَ مِنَ الْقَسْمِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ مَجَازُهَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَاخْتَلَفَ الْمُعْرِبُونَ فِي لَا فَقِيلَ زَائِدَةٌ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَا تُزَادُ إِلَّا فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ كَالْكَلَامِ الْوَاحِدِ، وَقِيلَ هُوَ جَوَابُ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ، وَقِيلَ نَفْيٌ عَلَى بَابِهَا وَجَوَابُهَا مَحْذُوفٌ وَالْمَعْنَى لَا أُقْسِمُ بِكَذَا بَلْ بِكَذَا، وَأَمَّا قِرَاءَةُ لَأُقْسِمُ بِغَيْرِ أَلِفٍ فَهِيَ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وَاخْتُلِفَ فِي اللَّامِ فَقِيلَ هِيَ لَامُ الْقَسَمِ وَقِيلَ لَامُ التَّأْكِيدِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي الَّتِي بَعْدَهَا ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ﴾ وَعَلَى إِثْبَاتِهَا فِي ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ اتِّبَاعًا لِرَسْمِ الْمُصْحَفِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ ﴿تَقَاسَمُوا﴾ تَحَالَفُوا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ﴾ قَالَ تَحَالَفُوا عَلَى هَلَاكِهِ فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا جَمِيعًا، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَدْخُلُ فِي الْمُقْتَسِمِينَ إِلَّا عَلَى رَأْيِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَإِنَّ الطَّبَرِيَّ رَوَى عَنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ الْمُقْتَسِمِينَ قَوْمُ صَالِحٍ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا عَلَى هَلَاكِهِ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ يَعْنِي فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا قِيلَ فِي أَصْلِ اشْتِقَاقِهَا أَوَّلَ الْبَابِ.
قَوْلُهُ: (هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ) فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَوْلُهُ جَزَّءُوهُ أَجْزَاءً فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ.
قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ) بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ هُوَ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبٍ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ.
٥ - بَاب ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قَالَ سَالِمٌ: الْيَقِينُ: الْمَوْتُ قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قَالَ سَالِمٌ: الْيَقِينُ الْمَوْتُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ بِهَذَا، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَتَادَةَ
وَغَيْرِهِمَا مِثْلِهِ، وَاسْتَشْهَدَ الطَّبَرِيُّ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ فِي قِصَّةِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجَنَائِزِ مَشْرُوحًا، وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى الْبُخَارِيِّ لِكَوْنِهِ لَمْ يُخَرِّجْ هُنَا هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: كَانَ ذِكْرُهُ أَلْيَقَ مِنْ هَذَا ; قَالَ وَلِأَنَّ الْيَقِينَ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ الْمَوْتِ. قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ الْبُخَارِيَّ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ حَدِيثَ بَعْجَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ خَيْرُ مَا عَاشَ النَّاسُ بِهِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ هُوَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ فَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِقَوْلِ سَالِمٍ، وَمِنْهُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ وَإِطْلَاقُ الْيَقِينِ عَلَى الْمَوْتِ مَجَازٌ، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يُشَكُّ فِيهِ.
١٦ - سُورَةُ النَّحْلِ
﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جِبْرِيلُ. ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾، ﴿فِي ضَيْقٍ﴾ يُقَالُ: أَمْرٌ ضَيْقٌ وَضَيِّقٌ، مِثْلُ هَيْنٍ وَهَيِّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيِّنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيِّتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ تَتَهَيَّأُ. ﴿سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكَتْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ اخْتِلَافِهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمِيدُ: تَكَفَّأُ. ﴿مُفْرَطُونَ﴾ مَنْسِيُّونَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَمَعْنَاهَا الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿تُسِيمُونَ﴾ تَرْعَوْنَ. ﴿شَاكِلَتِهِ﴾ نَاحِيَتِهِ. ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ الْبَيَانُ. الدِّفْءُ: مَا اسْتَدْفَأْتَ به. ﴿تُرِيحُونَ﴾ بِالْعَشِيِّ. وَ﴿تَسْرَحُونَ﴾ بِالْغَدَاةِ. ﴿بِشِقِّ﴾ يَعْنِي الْمَشَقَّةَ. ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ تَنَقُّصٍ. ﴿الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ وَهِيَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَكَذَلِكَ النَّعَمُ. الْأَنْعَامُ: جَمَاعَةُ النَّعَمِ. أَكْنَانا: وَاحِدُهَا كِنٌّ، مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ. ﴿سَرَابِيلَ﴾ قُمُصٌ. ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وَأَمَّا سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ: فَإِنَّهَا الدُّرُوعُ. ﴿دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾ كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ فَهُوَ دَخَلٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَفَدَةً: مَنْ وَلَدَ الرَّجُلُ. السَّكَرُ: مَا حُرِّمَ مِنْ ثَمَرَتِهَا. وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: مَا أَحَلَّ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ: ﴿أَنْكَاثًا﴾ هِيَ خَرْقَاءُ، كَانَتْ إِذَا أَبْرَمَتْ غَزْلَهَا نَقَضَتْهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْأُمَّةُ: مُعَلِّمُ الْخَيْرِ، وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ.
قَوْلُهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم - سُورَةُ النَّحْلِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ.
قَوْلُهُ: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جِبْرِيلُ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) أَمَّا قَوْلُهُ ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ جِبْرِيلُ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ فَذَكَرَهُ اسْتِشْهَادًا لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ جِبْرِيلُ اتِّفَاقًا، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى رَدِّ مَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ الِاسْمُ الَّذِي كَانَ عِيسَى يُحْيِي بِهِ الْمَوْتَى، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ فِي اخْتِلَافِهِمْ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ مِثْلُهُ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي تَقَلُّبِهِمْ يَقُولُ فِي أَسْفَارِهِمْ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمِيدُ تَكَفَّأُ) هُوَ بِالْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ مَهْمُوزٌ، وَقِيلَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونُ الْكَافِ. وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ قَالَ: تَكَفَّأُ بِكُمْ، وَمَعْنَى تَكَفَّأُ تُقَلَّبُ. وَرَوَى
الطَّبَرِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مَوْقُوفًا قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ قَمَصَتْ، قَالَ فَأَرْسَى اللَّهُ فِيهَا الْجِبَالَ، وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعٍ.
قَوْلُهُ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ مَنْسِيُّونَ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قَالَ: مَنْسِيُّونَ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: مُفْرَطُونَ أَيْ مَتْرُوكُونَ فِي النَّارِ مَنْسِيُّونَ فِيهَا. وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مُعَجَّلُونَ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: ذَهَبَ قَتَادَةُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَفْرَطْنَا فُلَانًا إِذَا قَدَّمُوهُ فَهُوَ مُفْرَطٌ وَمِنْهُ أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ قُلْتُ وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَقَرَأَهَا نَافِعٌ بِكَسْرِهَا وَهُوَ مِنَ الْإِفْرَاطِ، وَقَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرِ بْنِ الْقَعْقَاعِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَكْسُورَةٍ أَيْ مُقَصِّرُونَ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ مُبَالِغُونَ فِي الْإِسَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي ضَيْقٍ يُقَالُ أَمْرٌ ضَيْقٌ وَأَمْرٌ ضَيِّقٌ مِثْلُ هَيْنٌ وَهَيِّنٌ وَلَيْنٌ وَلَيِّنٌ وَمَيْتٌ وَمَيِّتٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ ضَيْقٍ كَمَيْتٍ وَهَيْنٍ وَلَيْنٍ فَإِذَا خَفَّفْتُهَا قُلْتُ مَيْتٌ وَهَيْنٌ وَلَيْنٌ فَإِذَا كَسَرْتَ أَوَّلِهِ فَهُوَ مَصْدَرُ ضَيَّقَ انْتَهَى. وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ هُنَا وَفِي النَّمْلِ بِالْكَسْرِ وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ، فَقِيلَ عَلَى لُغَتَيْنِ، وَقِيلَ الْمَفْتُوحُ مُخَفَّفٌ مِنْ ضَيْقٍ أَيْ فِي أَمْرِ ضَيِّقٍ. وَاعْتَرَضَهُ الْفَارِسِيُّ بِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ خَاصَّةٍ بِالْمَوْصُوفِ فَلَا يُدَّعَى الْحَذْفُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَتَفَيَّأُ ظِلَالَهُ تَتَهَيَّأُ) كَذَا فِيهِ وَالصَّوَابُ تَتَمَيَّلُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
قَوْلُهُ: ﴿سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾ لَا يَتَوَعَّرُ عَلَيْهَا مَكَانٌ سَلَكْتُهُ) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلِهِ، وَيَتَوَعَّرُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَذُلُلًا حَالٌ فِي السُّبُلِ أَيْ ذَلَّلَهَا اللَّهُ لَهَا، وَهُوَ جَمْعُ ذَلُولٍ قَالَ تَعَالَى ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا﴾ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى (ذُلُلًا) أَيْ مُطِيعَةٌ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ ذُلُلًا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ اسْلُكِي، وَانْتِصَابُ سُبُلٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ.
قَوْلُهُ: (الْقَانِتُ الْمُطِيعُ) سَيَأْتِي فِي آخِرِ السُّورَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) الْمُرَادُ بِالْغَيْرِ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامُهُ بِعَيْنِهِ، وَقَرَّرَهُ غَيْرُهُ فَقَالَ إِذَا وَصَلَهُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا أَخَذْتُ فِي الْقِرَاءَةِ فَاسْتَعِذْ، وَقِيلَ هُوَ عَلَى أَصْلِهِ لَكِنْ فِيهِ إِضْمَار، أَيْ إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّ الْفِعْلَ يُوجَدُ عِنْدَ الْقَصْدِ مِنْ غَيْرِ فَاصِلٍ، وَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ ابْنُ سِيرِينَ، وَنُقِلَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَنْ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْهَبُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ فَكَانُوا يَسْتَعِيذُونَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَمَعْنَاهَا) أَيْ مَعْنَى الِاسْتِعَاذَةِ (الِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُسِيمُونَ تَرْعَوْنَ) رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ قَالَ: تَرْعَوْنَ فِيهِ أَنْعَامَكُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُسِيمُونَ أَيْ تَرْعَوْنَ، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، أَسَمْتُ الْإِبِلَ رَعَيْتُهَا، وَسَامَتْ هِيَ رَعَتْ.
قَوْلُهُ: (شَاكِلَتُهُ نَاحِيَتُهُ) كَذَا وَقَعَ هُنَا وَإِنَّمَا هُوَ فِي السُّورَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَقَدْ أَعَادَهُ فِيهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ نِيَّتُهُ بَدَلَ نَاحِيَتُهُ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا هُنَاكَ.
قَوْلُهُ: (قَصْدُ السَّبِيلِ الْبَيَانُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قَالَ: الْبَيَانُ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلِهِ وَزَادَ: الْبَيَانُ بَيَانُ الضَّلَالَةِ وَالْهُدَى.
قَوْلُهُ: (الدِّفْءُ مَا اسْتَدْفَأْتُ بِهِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الدِّفْءُ مَا اسْتَدْفَأْتُ بِهِ مِنْ أَوْبَارِهَا وَمَنَافِعٌ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ قَالَ: الثِّيَابُ. وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ قَالَ: لِبَاسٌ يُنْسَجُ. وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ مِثْلَهُ.
قَوْلُهُ: (تَخَوُّفُ تَنَقُّصُ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجيْحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي
قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قَالَ: عَلَى تَنَقُّصٍ. وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يُجَبْ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَى إِلَّا أَنَّهُ عَلَى مَا يُنْتَقَصُونَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، قَالَ فَخَرَجَ رَجُلٌ فَلَقِيَ أَعْرَابِيًّا فَقَالَ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ قَالَ تَخَوَّفْتُهُ - أَيْ تَنَقَّصْتُهُ - فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ عُمَرُ، فَأَعْجَبَهُ وَفِي شِعْرِ أَبِي كَثِيرٍ الْهُذَلِيِّ مَا يَشْهَدُ لَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ قَالَ: عَلَى تَنَقُّصٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَقِيلَ التَّخَوُّفُ تَفَعُّلٌ مِنَ الْخَوْفِ.
قَوْلُهُ: (تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ وَتَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أَيْ بِالْعَشِيِّ، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أَيْ بِالْغَدَاةِ.
قَوْلُهُ: ﴿الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ هِيَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ، وَكَذَلِكَ النَّعَمُ الْأَنْعَامُ جَمَاعَةُ النَّعَمِ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ فَذَكَّرَ وَأَنَّثَ، فَقِيلَ الْأَنْعَامُ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَقِيلَ الْمَعْنَى عَلَى النَّعَمِ فَهِيَ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَالْعَرَبُ تُظْهِرُ الشَّيْءَ ثُمَّ تُخْبِرُ عَنْهُ بِمَا هُوَ مِنْهُ بِسَبَبٍ وَإِنْ لَمْ يُظْهِرْهُ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةٌ … وَلَلسَّبْعُ أَوْلَى مِنْ ثَلَاثٍ وَأَطْيَبُ
أَيْ ثَلَاثَةٍ أَحْيَاءٍ، ثُمَّ قَالَ مِنْ ثَلَاثٍ أَيْ قَبَائِلَ انْتَهَى. وَأَنْكَرَ الْفَرَّاءُ تَأْنِيثَ النَّعَمِ وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ: هَذَا نَعَمٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى نُعْمَانَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِثْلُ حَمَلٍ وَحَمَلَانِ.
قَوْلُهُ: (أَكْنَانًا وَاحِدُهَا كِنُّ، مِثْلُ حِمْلٍ وَأَحْمَالٍ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَكْنَانًا﴾ قَالَ: غِيرَانًا مِنَ الْجِبَالِ يُسْكَنُ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (بِشِقٍّ يَعْنِي الْمَشَقَّةُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلا بِشِقِّ﴾ أَيْ بِمَشَقَّةِ الْأَنْفُسُ. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ قَالَ: الْمَشَقَّةُ عَلَيْكُمْ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ إِلَّا بِجَهْدِ الْأَنْفُسِ. (تَنْبِيهٌ): قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِكَسْرِ الشِّينِ مِنْ شِقِّ، وَقَرَأَهَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْقَعْقَاعِ بِفَتْحِهَا، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هُمَا بِمَعْنًى، وَأَنْشَدَ:
وَذُو إِبِلٍ تَسْعَى وَيَحْبِسُهَا لَهُ … أَخُو نَصَبٍ مِنْ شِقِّهَا وَذَءُوبٍ
قَالَ الْأَثْرَمُ صَاحِبُ أَبِي عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُهُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ، فَبِالْكَسْرِ مَعْنَاهُ ذَابَتْ حَتَّى صَارَتْ عَلَى نِصْفِ مَا كَانَتْ وَبِالْفَتْحِ الْمَشَقَّةُ انْتَهَى. وَكَلَامُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ يُسَاعِدُ الْأَوَّلَ.
قَوْلُهُ: (سَرَابِيلُ قُمُصٌ تَقِيكُمُ الْحَرَّ، وَأَمَّا سَرَابِيلُ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ فَإِنَّهَا الدُّرُوعٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أَيْ قُمُصًا ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أَيْ دُرُوعًا. وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ قَالَ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ قَالَ: دُرُوعٌ مِنْ حَدِيدٍ.
قَوْلُهُ: (دَخَلًا بَيْنَكُمْ، كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ فَهُوَ دَخَلٌ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ (دَخَلًا) خِيَانَةً، وَقِيلَ الدَّخَلُ الدَّاخِلُ فِي الشَّيْءِ لَيْسَ مِنْهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَفَدَةُ مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قَالَ: الْوَلَدُ وَوَلَدُ الْوَلَدِ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنْهُ قَالَ: هُمْ بَنُو امْرَأَةِ الرَّجُلِ. وَفِيهِ عَنْهُ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْحَفَدَةُ وَالْأَصْهَارُ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْأَخْتَانِ. وَأُخْرِجَ هَذَا الْأَخِيرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الضُّحَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِثْلِهِ، وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ حَدِيثَ
ابْنِ مَسْعُودٍ.