فتح الباري · ابن حجر · ج8 ص520عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ:. كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَخْرُجُ تَتَمَشَّى بَيْنَ الرِّجَالِ فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ منْ طَرِيقِ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: كَانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةٌ وَتَكَسُّرٌ وَتَغَنُّجٌ إِذَا خَرَجْنَ مِنَ الْبُيُوتِ فَنُهِينَ عَنْ ذَلِكَ. وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَا كَانَتْ إِلَّا جَاهِلِيَّةٌ وَاحِدَةٌ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. هَلْ سَمِعْتَ بِأُولَى إِلَّا وَلَهَا آخِرَةٌ؟ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَكُونُ جَاهِلِيَّةٌ أُخْرَى. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى أَلْفَ سَنَةٍ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ، وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ. وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْجَاهِلِيَّةُ الْأُولَى بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَمِنْ طَرِيقِ عَامِرٍ - وَهُوَ الشَّعْبِيُّ - قَالَ: هِيَ مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ. وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ قَالَ: الْأُولَى زَمَانُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأُخْرَى زَمَانُ مُحَمَّدٍ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ. قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْجَمْعَ بَيْنَ مَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (سُنَّةَ اللَّهِ: اسْتَنَّهَا: جَعَلَهَا) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَيْضًا، وَزَادَ: جَعَلَهَا سُنَّةً. وَنَسَبَهُ مُغْلَطَايُ وَمَنْ تَبِعَهُ أَيْضًا إِلَى تَخْرِيجِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ) سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ.
٥ - بَاب ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةُ.
٤٧٨٦ - وقال اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ - إِلَى - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَتْ: فَقُلْتُ فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رسول الله ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ، تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ سَاقُوا كُلُّهُمُ الْآيَةَ إِلَى (عَظِيمًا).
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: قَتَادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ بِلَفْظِ: ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ أَوْرَدَهُ بِصُورَةِ اللَّفِّ وَالنَّشْرِ الْمُرَتَّبِ، وَكَذَا هُوَ فِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ) وَصَلَهُ الذُّهْلِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ) وَرَدَ فِي سَبَبِ هَذَا التَّخْيِيرِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ فِي قَوْلِهِ ﷺ: هن حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ، يَعْنِي نِسَاءَهُ، وَفِيهِ أَنَّهُ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا ثُمَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ - حَتَّى بَلَغَ - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَظَالِمِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ،
وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا بِطُولِهِ، وَفِي آخِرِهِ: حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَقَدْ أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ فَقَالَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي الْحَدِيثَ.
وَهَذَا السِّيَاقُ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ كُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ فَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهَا، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:: أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ، فَبَدَأَ بِي، الْحَدِيثَ. لَكِنْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فَفَصَّلَهُ تَفْصِيلًا حَسَنًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَهُ بِطُولِهِ إِلَى آخِرِ قِصَّةِ عُمَرَ فِي الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى عَاتَبَهُ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ: الزُّهْرِيُّ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَذَكَرَ مُرَاجَعَتَهَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ. الْحَدِيثَ.
فَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ: فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ إِلَخْ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ هُوَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ بِحَذْفِ الْوَاسِطَةِ، وَلَعَلَّ ذَلِكَ وَقَعَ عَنْ عَمْدٍ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا كَمَا بَيَّنَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَكَأَنَّ مَنْ أَدْرَجَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَشَى عَلَى ظَاهِرِ السِّيَاقِ، وَلَمْ يَفْطِنْ لِلتَّفْصِيلِ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: لَمَّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخْيِيرِ فَاتَّفَقَ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ نَزَلَتْ عَقِبَ فَرَاغِ الشَّهْرِ الَّذِي اعْتَزَلَهُنَّ فِيهِ، وَوَقَعَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى نِسَائِهِ أُمِرَ أَنْ يُخَيِّرَهُنَّ. الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَاخْتَلَفَ الْحَدِيثَانِ فِي سَبَبِ الِاعْتِزَالِ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الْقَضِيَّتَانِ جَمِيعًا سَبَبُ الِاعْتِزَالِ؛ فَإِنَّ قِصَّةَ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ خَاصَّةً بِهِمَا، وَقِصَّةُ سُؤَالِ النَّفَقَةِ عَامَّةٌ فِي جَمِيعِ النِّسْوَةِ، وَمُنَاسَبَةُ آيَةِ التَّخْيِيرِ بِقِصَّةِ سُؤَالِ النَّفَقَةِ أَلْيَقُ مِنْهَا بِقِصَّةِ الْمُتَظَاهِرَتَيْنِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ مِنْ كِتَابِ الطَّلَاقِ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيمَنْ خَيَّرَهَا زَوْجُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتُلِفَ هَلْ كَانَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْإِقَامَةِ عِنْدَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ أَشْبَهَهُمَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ الثَّانِي، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ. وَكَذَا قَالَ: الْقُرْطُبِيُّ: اخْتُلِفَ فِي التَّخْيِيرِ هَلْ كَانَ فِي الْبَقَاءِ وَالطَّلَاقِ أَوْ كَانَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَلْزُومٌ لِلْآخَرِ، وَكَأَنَّهُنَّ خُيِّرْنَ بَيْنَ الدُّنْيَا فَيُطَلِّقُهُنَّ وَبَيْنَ الْآخِرَةِ فَيُمْسِكُهُنَّ، وَهُوَ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْآيَةِ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلَيْنِ هَلْ فُوِّضَ إِلَيْهِنَّ الطَّلَاقَ أَمْ لَا؟ ولِهَذَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمْ يُخَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ إِلَّا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
قَوْلُهُ: (فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي) أَيْ فَلَا بَأْسَ عَلَيْكِ فِي التَّأَنِّي وَعَدَمِ الْعَجَلَةِ حَتَّى تُشَاوِرِي أَبَوَيْكِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ) أَيْ تَطْلُبِي مِنْهُمَا أَنْ يُبَيِّنَا لَكِ رَأْيَهُمَا فِي ذَلِكَ. وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ، زَادَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ: إِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكِ أَمْرًا فَلَا تَفْتَاتِي فِيهِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَعْرِضِيهِ عَلَى أَبَوَيْكِ أَبِي بَكْرٍ وَأُمِّ رُومَانَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرِيُّ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ أُمَّ رُومَانَ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ مَوْجُودَةٌ، فَيُرَدُّ بِهِ
عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّ التَّخْيِيرَ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ.
قَوْلُهُ: (قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسَتَأْمِرُ أَبَوَيَّ)؟ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَلَا أُؤَامِرُ أَبَوَيَّ أَبَا بَكْرٍ وَأُمَّ رُومَانَ، فَضَحِكَ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فَفَرِحَ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلَتْ) فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ: ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، زَادَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ فِي رِوَايَتِهِ: فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ فَاخْتَرْنَهُ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورَةِ: ثُمَّ اسْتَقْرَى الْحُجَرَ - يَعْنِي حُجَرَ أَزْوَاجِهِ - فَقَالَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَذَا، فَقُلْنَ: وَنَحْنُ نَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَتْ. وَقَوْلُهُ: اسْتَقْرَى الْحُجَرَ أَيْ تَتَبَّعَ، وَالْحُجَرُ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ - جَمْعُ حُجْرَةٍ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، وَالْمُرَادُ مَسَاكِنُ أَزْوَاجِهِ ﷺ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمَذْكُورِ أَنَّ عَائِشَةَ لَمَّا قَالَتْ: بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، فَقَالَ: لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا وَإِنَّمَا بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا. وَفِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ: مَعْمَرٌ: فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ أَيُّوبَ، وَعَائِشَةَ، وَيَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ حَدِيثُ جَابِرٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ مُلَاطَفَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ وَحِلْمُهُ عَنْهُنَّ وَصَبْرُهُ عَلَى مَا كَانَ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مِنْ إِدْلَالٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَبْعَثُهُ عَلَيْهِنَّ الْغَيْرَةُ.
وَفِيهِ فَضْلُ عَائِشَةَ لِبُدَاءَتِهِ بِهَا، كَذَا قَرَّرَهُ النَّوَوِيُّ، لَكِنْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَلَبَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبًا، فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ: إمَا عِنْدَ اللَّهِ تُرِدْنَ أَمِ الدُّنْيَا؟ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا وَكَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِي التَّخْيِيرِ فَلَعَلَّ الْبُدَاءَةَ بِهَا لِذَلِكَ، لَكِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ فِي أَنَّ النِّسْوَةَ كُنَّ يَسْأَلْنَهُ النَّفَقَةَ أَصَحُّ طَرِيقًا مِنْهُ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَتَّحِدْ فِيهَا وَقُدِّمَتْ فِي التَّخْيِيرِ دَلَّ عَلَى الْمُرَادِ، لَا سِيَّمَا مَعَ تَقْدِيمِهِ لَهَا أَيْضًا فِي الْبُدَاءَةِ بِهَا فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا.
وَفِيهِ أَنَّ صِغَرَ السِّنِّ مَظِنَّةٌ لِنَقْصِ الرَّأْيِ، قَالَ: الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْمِرَ أَبَوَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَحْمِلَهَا صِغَرُ السِّنِّ عَلَى اخْتِيَارِ الشِّقِّ الْآخَرِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهَا مِنَ الْمَلَكَةِ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ الْعَارِضَ، فَإِذَا اسْتَشَارَتْ أَبَوَيْهَا أَوْضَحَا لَهَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفْسَدَةِ وَمَا فِي مُقَابِلِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا فَطِنَتْ عَائِشَةُ لِذَلِكَ قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: وَخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدَاثَتِي، وَهَذَا شَاهِدٌ لِلتَّأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعَائِشَةَ وَبَيَانُ كَمَالِ عَقْلِهَا وَصِحَّةِ رَأْيِهَا مَعَ صِغَرِ سِنِّهَا، وَأَنَّ الْغَيْرَةَ تَحْمِلُ الْمَرْأَةَ الْكَامِلَةَ الرَّأْيِ وَالْعَقْلِ عَلَى ارْتِكَابِ مَا لَا يَلِيقُ بِحَالِهَا لِسُؤَالِهَا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ لَا يُخْبِرَ أَحَدًا مِنْ أَزْوَاجِهِ بِفِعْلِهَا، وَلَكِنَّهُ ﷺ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ الْحَامِلَ لَهَا عَلَى ذَلِكَ مَا طُبِعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مِنَ الْغَيْرَةِ وَمَحَبَّةِ الِاسْتِبْدَادِ دُونَ ضَرَائِرِهَا لَمْ يُسْعِفْهَا بِمَا طَلَبَتْ مِنْ ذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ يَخْتَارَ نِسَاؤُهُ الْفِرَاقَ، فَإِنْ كَانَا ذَكَرَاهُ فِيمَا فَهِمَاهُ مِنَ السِّيَاقِ فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ تَخْيِيرُ أَزْوَاجِهِ، وَاسْتَنَدَ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الِاخْتِصَاصِ. نَعَمْ، ادَّعَى بَعْضُ مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّخْيِيرَ طَلَاقٌ - أَنَّهُ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَاخْتُصَّ هُوَ ﷺ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ إِنْ شَاءَ تَعَالَى. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَعْفِ مَا جَاءَ أَنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ حِينَئِذٍ مَنِ اخْتَارَتِ الدُّنْيَا فَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ثُمَّ فَعَلَ إِلَخْ.
قَوْلُهُ: (تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) يَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ،