HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب قوله لا تكونوا كالذين آذوا موسى

رقم الحديث 4799

حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا﴾».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج6 ص121
ج 6 ص 121

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في 3 مصادر جامع الترمذي, صحيح مسلم, مسند أحمد
فتح الباري · ابن حجر · ج8 ص534
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ دِينَارٍ. قَوْلُهُ: (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ) هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَوْلُهُ: (عَنْ يَزِيدَ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ شَيْخُ اللَّيْثِ فِيهِ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُمَا رَوَيَاهُ بِإِسْنَادِ اللَّيْثِ، فَذَكَرَ آلَ إِبْرَاهِيمَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ. وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ فِيهِ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّ الْجَوَازَ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا وَقَعَ تَبَعًا، وَالْمَنْعُ إِذَا وَقَعَ مُسْتَقِلًّا، وَالْحُجَّةُ فِيهِ أَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ، فَلَا يُقَالُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﷺ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، وَيُقَالُ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى صِدِّيقِهِ أَوْ خَلِيفَتِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ: قَالَ مُحَمَّدٌ ﷿ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا، لِأَنَّ هَذَا الثَّنَاءَ صَارَ شِعَارا للَّهِ سُبْحَانَهُ فلَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِيهِ. وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا فِيمَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ وَلَا فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى وَلَا فِي قَوْلِ امْرَأَةِ جَابِرٍ صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي، فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ. وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَتَفَضَّلَ مِنْ حَقِّهِ بِمَا شَاءَ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ إِذْنٌ فِي ذَلِكَ. وَيُقَوِّي الْمَنْعَ بِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ صَارَ شِعَارًا لِأَهْلِ الْأَهْوَاءِ يُصَلُّونَ عَلَى مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَلِ الْمَنْعُ فِي ذَلِكَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى؟ حَكَى الْأَوْجُهَ الثَّلَاثَةَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَصَحَّحَ الثَّانِي. وَقَدْ رَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لَهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ نَاسًا مِنَ النَّاسِ الْتَمَسُوا عَمَلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ نَاسًا مِنَ الْقُصَّاصِ أَحْدَثُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى خُلَفَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ عَدْلَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَمُرْهُمْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمْ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَدُعَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ: لَا تَصْلُحُ الصَّلَاةُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الِاسْتِغْفَارُ وَذَكَرَ أَبُو ذَرٍّ أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ مِنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ. ١١ - بَاب ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ ٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. قَوْلُهُ: بَابُ ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾: ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ قِصَّةِ مُوسَى مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بِسَنَدِهِ مُطَوَّلًا فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مَعَ شَرْحِهِ مُسْتَوْفًى، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ الْجَبَلَ، فَمَاتَ هَارُونُ، فَقَالَ: بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أَنْتَ قَتَلْتَهُ، كَانَ أَلْيَنَ لَنَا مِنْكَ وَأَشَدَّ حُبًّا فَآذَوْهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ فَحَمَلَتْهُ فَمَرَّتْ بِهِ عَلَى مَجَالِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرَادَ بِالْأَذَى فِي قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾. قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ مِنْ هَذَا، لَكِنْ لَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ سَبَبَانِ فَأَكْثَرُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ. ٣٤ - سُورَةُ سَبَأٍ يُقَالُ ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ. بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ. مُعَاجِزِي: مُسَابِقِي. ﴿سَبَقُوا﴾ فَاتُوا. ﴿لا يُعْجِزُونَ﴾ لَا يُفَوِّتُونَ. ﴿يَسْبِقُونَا﴾ يُعْجِزُونَا. قَوْلُهُ ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ بِفَائِتِينَ. وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُغَالِبِينَ. يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. ﴿مِعْشَارَ﴾ عُشْرَ. يُقَالُ: الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ. بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ. سَيْلَ الْعَرِمِ: السَّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ فِي السَّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِي فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَتيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السَّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ عمرو بْنُ شُرَحْبِيلَ: ﴿الْعَرِمِ﴾ الْمُسْنَاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَرِمُ: الْوَادِي. السَّابِغَاتُ: الدُّرُوعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ يُجَازَى: يُعَاقَبُ. ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ بِطَاعَةِ اللَّهِ. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ. ﴿التَّنَاوُشُ﴾ الرَّدُّ مِنَ الْآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ بِأَمْثَالِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَالْجَوَابِ﴾ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ. الْخَمْطُ: الْأَرَاكُ. وَالْأَثْلُ: الطَّرْفَاءُ. ﴿الْعَرِمِ﴾ الشَّدِيدِ. قَوْلُهُ: (سُورَةُ سَبَأٍ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَ لَفْظُ سُورَةُ وَالْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. وَهَذِهِ السُّورَةُ سُمِّيَتْ بِقَوْلِهِ فِيهَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: هُوَ سَبَأُ بْنُ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. وَوَقَعَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ قَالَ: أُنْزِلَ فِي سَبَأٍ مَا أُنْزِلَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا سَبَأٌ، أَرْضٌ أَوِ امْرَأَةٌ؟ قَالَ: لَيْسَ بِأَرْضٍ وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ وَلَدَ عَشَرَةً مِنَ الْعَرَبِ، فَتَيَامَنَ سِتَّةٌ وَتَشَاءَمَ أَرْبَعَةٌ الْحَدِيثَ. قَالَ: وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفَرْوَةَ صَحَّحَهُمَا الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي حَدِيثِ فَرْوَةَ زِيَادَةً أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ سَبَأَ قَوْمٌ كَانَ لَهُمْ عِزٌّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَرْتَدُّوا فَأُقَاتِلَهُمْ، قَالَ: مَا أُمِرْتُ فِيهِمْ بِشَيْءٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ الْآيَاتِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا سَبَأٌ؟ فَذَكَرَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْأَنْسَابِ لَهُ شَاهِدًا مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ. وَأَصْلُهُ قِصَّةُ سَبَأٍ. وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ مُطَوَّلَةً فِي أَوَّلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَأَخْرَجَ بَعْضَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَخْرَجَهَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ مُطَوَّلًا. قَوْلُهُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ مُسَابِقِينَ، بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ، مُعَاجِزِي مُسَابِقِي، سَبَقُوا فَاتُوا، لَا يَعْجِزُونَ لَا يَفُوتُونَ، يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا. قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ) أَمَّا قَوْلُهُ مُعَاجِزِينَ مُسَابِقِينَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أَيْ مُسَابِقِينَ، يُقَالُ: مَا أَنْتَ بِمُعْجِزِي أَيْ: سَابِقِي. وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْ مُعَاجِزِينَ عَلَى إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ، وَالْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى لِابْنِ كَثِيرٍ، وَأَبِي عَمْرٍو مُعْجِزِينَ بِالتَّشْدِيدِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، وَقِيلَ: مَعْنَى مُعَاجِزِينَ: مُعَانِدِينَ وَمُغَالِبِينَ، وَمَعْنَى مُعْجِزِينَ: نَاسِبِينَ غَيْرَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ﴾ وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ نَحْوَهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُعَاجِزِي: مُسَابِقِي فَسَقَطَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ وَثَبَتَ عِنْدَهُمَا مُعَاجِزِينَ: مُغَالِبِينَ وَتَكَرَّرَ لَهُمَا بَعْدُ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ بَقِيَّةُ كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ كَمَا قَدَّمْتُهُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: سَبَقُوا إِلَخْ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ مَجَازُهُ فَاتُوا ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ أَيْ: لَا يَفُوتُونَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: يَسْبِقُونَا فَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا أَيْ يُعْجِزُونَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: بِمُعْجِزِينَ بِفَائِتِينَ فَكَذَا وَقَعَ مُكَرَّرًا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَحْدَهُ، وَسَقَطَ لِلْبَاقِينَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُعَاجِزِينَ: مُغَالِبِينَ إِلَخْ. فَقَالَ الْفَرَّاءُ: مَعْنَاهُ: مُعَانِدِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: مُعَاجِزِينَ قَالَ: مُرَاغِمِينَ. وَكُلُّهَا بِمَعْنًى. قَوْلُهُ: (مِعْشَارَ: عُشْرَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أَيْ عُشْرَ مَا أَعْطَيْنَاهُمْ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْمَعْنَى وَمَا بَلَغَ أَهْلُ مَكَّةَ مِعْشَارَ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْجِسْمِ وَالْوَلَدِ وَالْعَدَدِ، وَالْمِعْشَارُ: الْعُشْرُ. قَوْلُهُ: (يُقَالُ الْأُكُلُ الثَّمَرَةُ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾ قَالَ: الْخَمْطُ: هُوَ كُلُّ شَجَرٍ ذِي شَوْكٍ، وَالْأُكُلُ: الْجَنَى أَيْ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَقْصُورٌ وَهُوَ بِمَعْنَى الثَّمَرَةِ. قَوْلُهُ: (بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ مَجَازُهُ مَجَازُ الدُّعَاءِ، وَقَرَأَهُ قَوْمٌ بَعِّدْ يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ. قُلْتُ: قِرَاءَةُ بَاعِدْ لِلْجُمْهُورِ، وَقَرَأَهُ بَعِّدْ أَبُو عَمْرٍو، وَابْنُ كَثِيرٍ، وَهِشَامٌ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ لَا يَغِيبُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ بِهَذَا. قَوْلُهُ: (سَيْلَ الْعَرِمِ السُّدِّ) كَذَا لِلْأَك ثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ الشَّدِيدُ بِمُعْجَمَةٍ وَزْنَ عَظِيمٍ. قَوْلُهُ: (فَشَقَّهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُعْجَمَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الثَّقِيلَةِ، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَبَثَقَهُ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ قَبْلَ الْقَافِ الْخَفِيفَةِ، قَالَ: وَهُوَ الْوَجْهُ، تَقُولُ: بَثَقْتَ النَّهْرَ إِذَا كَسَرْتَهُ لِتَصْرِفَهُ عَنْ مَجْرَاهُ. قَوْلُهُ: (فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنَبَتَيْنِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالنُّونِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ ثُمَّ نُونٌ، وَلِأَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْحَمَوِيِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ بِغَيْرِ مُوَحَّدَةِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ. وَاسْتُشْكِلَ هَذَا التَّرْتِيبُ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَقْتَضِي أَنْ يَقُولَ: ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى الْجَنَّتَيْنِ، وَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنِ الْمَاءِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الِارْتِفَاعِ الزَّوَالُ أَيِ: ارْتَفَعَ اسْمُ الْجَنَّةِ مِنْهُمَا، فَالتَّقْدِيرُ: فَارْتَفَعَتِ الْجَنَّتَانِ عَنْ كَوْنِهِمَا جَنَّتَيْنِ. وَتَسْمِيَةُ مَا بُدِّلُوا بِهِ جَنَّتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ. قَوْلُهُ: (وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الْأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ، وَلِلْمُسْتَمْلِيِّ مِنَ السَّيْلِ، وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنَ السُّيُولِ. وَهَذَا الْأَثَرُ عَنْ مُجَاهِدٍ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا وَقَالَ: السُّدُّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَقَالَ: فَشَقَّهُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ الثَّقِيلَةِ، وَقَالَ: عَلَى الْجَنَّتَيْنِ تَثْنِيَةُ جَنَّةٍ كَمَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ: عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ؛ الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ. الْعَرِمُ الْوَادِي) أَمَّا قَوْلُ عَمْرٍو فَوَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ فَذَكَرَهُ سَوَاءً، وَاللَّحْنُ: اللُّغَةُ، وَالْمُسَنَّاةُ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ، وَضُبِطَ فِي أَصْلِ الْأَصِيلِيِّ، بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمُرَادُ بِهَا مَا يُبْنَى فِي عُرْضِ الْوَادِي لِيَرْتَفِعَ السَّيْلُ وَيَفِيضَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ عَرَامَةِ الْمَاءِ وَهُوَ ذَهَابُهُ كُلَّ مَذْهَبٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ وَهِيَ مُسَنَّاةٌ كَانَتْ تَحْبِسُ الْمَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ مِنْهَا، فَيُسَيِّبُونَ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءَ مِنَ الْبَابِ الْأَوَّلِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الْآخَرِ، وَلَا يَنْفُذُ حَتَّى يَرْجِعَ الْمَاءُ السَّنَةَ الْمُقْبِلَةَ، وَكَانُوا أَنْعَمَ قَوْمٍ، فَلَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بَثَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْمُسَنَّاةِ، فَغَرِقَتْ أَرْضُهُمْ وَدَقَّتِ الرَّمْلُ بُيُوتَهُمْ وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، حَتَّى صَارَ تَمْزِيقُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ مَثَلًا يَقُولُونَ: تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَأٍ.