فتح الباري · ابن حجر · ج8 ص539أَدْرَكَ الشِّهَابُ إِلَخْ) يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ يَقَعُ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ يَقْتَضِي أَنَّ الَّذِي يَسْلَمُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ يُدْرِكُهُ الشِّهَابُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَيَرْمِي هَذَا إِلَى هَذَا وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى يُلْقَى عَلَى فَمِ سَاحِرٍ أَوْ كَاهِنٍ.
قَوْلُهُ: (فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ) زَادَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْحِجْرِ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا يَكُونُ كَذَا وَكَذَا فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا. الْكَلِمَةُ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ فَيَقُولُ يَكُونُ الْعَامُ كَذَا وَكَذَا فَيَسْمَعُهُ الْجِنُّ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَةَ فَتُخْبِرُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ فَيَجِدُونَهُ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِ هَذَا الْقَدْرِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الطِّبِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْحِجْرِ فِي آخِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسَانًا رَوَى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ فُرِّغَ - بِضَمِّ الْفَاءِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الثَّقِيلَةِ وَبِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ - فَقَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو - يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ - فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ هَكَذَا أَمْ لَا وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ رُوِيَتْ أَيْضًا عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ بِالزَّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَرَأَهَا ابْنُ عَامِرٍ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَعْنَاهُ بِالزَّايِ وَالْمُهْمَلَةِ أَدْهَشَ الْفَزَعُ عَنْهُمْ، وَمَعْنَى الَّتِي بِالرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ذَهَبَ عَنْ قُلُوبِهِمْ مَا حَلَّ فِيهَا فَقَالَ سُفْيَانُ: هَكَذَا قَرَأَ عَمْرٌو فَلَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا. قَالَ سُفْيَانُ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَسْمُوعَةً؟ فَالْجَوَابُ لَعَلَّ مَذْهَبَهُ جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِدُونِ السَّمَاعِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى صَحِيحًا. قُلْتُ: هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنْ إِذَا وُجِدَ احْتِمَالٌ غَيْرَهُ فَهُوَ أَوْلَى، وَذَلِكَ مَحْمَلُ قَوْلِ سُفْيَانَ: لَا أَدْرِي سَمِعَهُ أَمْ لَا عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ سَمِعَهُ مِنْ عِكْرِمَةَ الَّذِي حَدَّثَهُ بِالْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي أَنَّهُ هَلْ سَمِعَهُ مُطْلَقًا، فَالظَّنُّ بِهِ أَنْ لَا يَكْتَفِيَ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ بِالْأَخْذِ مِنَ الصُّحُفِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ. وَأَمَّا قَوْلُ سُفْيَانَ: وَهِيَ قِرَاءَتُنَا فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا وَافَقَتْ مَا كَانَ يَخْتَارُ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِهِ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ كَمَا نُسِبَ لِغَيْرِهِ.
٢ - بَاب ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: يَا صَبَاحَاهْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِني؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
قَوْلُهُ: بَابُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
ذَكَرَ فِيهِ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ.
٣٥ - سُورَةُ الْمَلَائِكَةِ
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ. مُثْقَلَةٌ: مُثَقَّلَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ
غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ أَشَدُّ سَوَادًا الْغِرْبِيبُ.
قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْمَلَائِكَةِ وَيَاسِينَ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَقَطَ لِغَيْرِهِ لَفْظُ (سُورَةُ) وَ(يَاسِينُ) وَ(الْبَسْمَلَةُ)، وَالْأَوْلَى سُقُوطُ لَفْظِ يس لِأَنَّهُ مُكَرَّرٌ.
قَوْلُهُ: (الْقِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَدْ وَصَفهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْقِطْمِيرُ: الْقِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى النَّوَاةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْقِطْمِيرُ: الْفُوفةُ الَّتِي فِيهَا النَّوَاةُ. قَالَ الشَّاعِرُ:
وَأَنْتَ لَنْ تُغْنِيَ عَنِّي فُوفا
وقَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أَشَدُّ سَوَادًا الْغِرْبِيبُ) زَادَ غَيْرُ أَبِي ذَرٍّ: الشَّدِيدُ السَّوَادِ. وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: قَالَ: الْغِرْبِيبُ الْأَسْوَدُ الشَّدِيدُ السَّوَادِ.
قَوْلُهُ: (مُثْقَلَةٌ مُثَقَّلَةٌ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ قَالَ: وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ أَيْ مُثَقَّلَةٌ بِذُنُوبِهَا.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ) ثَبَتَ هَذَا هُنَا لِلنَّسَفِيِّ وَحْدَهُ، وَهُوَ قَوْلُ رُؤْبَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
٣٦ - سُورَةُ يس
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ شَدَّدْنَا. ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ وكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾ نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ، وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ مِنْ الْأَنْعَامِ. فَكِهُونَ مُعْجَبُونَ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ. وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿الْمَشْحُونِ﴾ الْمُوقَرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ. ﴿مَرْقَدِنَا﴾ مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾ حَفِظْنَاهُ. مَكَانَتُكمْ وَمَكَانُكمْ وَاحِدٌ
قَوْلُهُ: (سُورَةُ يس سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ هُنَا وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: مُجَاهِدٌ: فَعَزَّزْنَا فشَدَّدْنَا) سَقَطَ هَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ.
قَوْلُهُ: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ، وَكَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ يَا حَسْرَةَ الْعِبَادِ بِالْإِضَافَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ إِلَخْ، وَقَوْلُهُ سَابِقُ النَّهَارِ إِلَخْ، وَقَوْلُهُ: نَسْلَخُ: نُخْرِجُ إِلَخْ) سَقَطَ كُلُّهُ لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ.
قَوْلُهُ: (مِنْ مِثْلِهِ مِنَ الْأَنْعَامِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمُرَادُ بِالْمِثْلِ هُنَا السُّفُنُ، وَرُجِّحَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ: وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ إِذِ الْغَرَقُ لَا يَكُونُ فِي الْأَنْعَامِ.
قَوْلُهُ: (فَكِهُونَ: مُعْجَبُونَ) فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَاكِهُونَ وَهِيَ الْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ، وَالْأُولَى رُوِيَتْ عَنْ يَعْقُوبَ الْحَضْرَمِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ: فَاكِهُونَ: مُعْجَبُونَ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ قَرَأَهَا فَاكِهُونَ جَعَلَهُ كَثِيرَ الْفَاكِهَةِ، قَالَ الْحُطَيْئَةُ:
وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ … لَابِنٌ فِي الصَّيْفِ تَامِرْ
أَيْ عِنْدَكَ لَبَنٌ كَثِيرٌ وَتَمْرٌ كَثِيرٌ، وَأَمَّا فَكِهُونَ فَهِيَ قِرَاءَةُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَشَيْبَةَ وَهِيَ بِوَزْنِ فَرِحُونَ، وَمَعْنَاهُ