HadithLab
RU
صحيح البخاري · سورة المؤمن

رقم الحديث 4815

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: «قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾».
  • البخاري:أورده في صحيحهصحيح البخاري ج6 ص126
ج 6 ص 127

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد مسند أحمد
فتح الباري · ابن حجر · ج8 ص553
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جُعِلَ عَلَامَةً لِلْمَلَائِكَةِ عَلَى إِحْيَاءِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِجَوْهَرِهِ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ إِلَّا بِإِبْقَاءِ عَظْمِ كُلِّ شَخْصٍ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إِعَادَةَ الْأَرْوَاحِ إِلَى تِلْكَ الْأَعْيَانِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنْهَا، وَلَوْلَا إِبْقَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا لَجَوَّزَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ الْإِعَادَةَ إِلَى أَمْثَالِ الْأَجْسَادِ لَا إِلَى نَفْسِ الْأَجْسَادِ. وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْإِنْسَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَفْنَى أَيْ تُعْدَمُ أَجْزَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ يَسْتَحِيلُ فَتَزُولُ صُورَتُهُ الْمَعْهُودَةُ فَيَصِيرُ عَلَى صِفَةِ جِسْمِ التُّرَابِ، ثُمَّ يُعَادُ إِذَا رُكِّبَتْ إِلَى مَا عُهِدَ. وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَبْلَى أَيْ يَطُولُ بَقَاؤُهُ، لَا أَنَّهُ لَا يَفْنَى أَصْلًا. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ قَاعِدَةُ بَدْءِ الْإِنْسَانِ وَأُسِّهِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ فَهُوَ أَصْلَبُ مِنَ الْجَمِيعِ كَقَاعِدَةِ الْجِدَارِ، وَإِذَا كَانَ أَصْلَبَ كَانَ أَدْوَمَ بَقَاءً، وَهَذَا مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَقَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا عَامٌّ يُخَصُّ مِنْهُ الْأَنْبِيَاءُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَهُمْ. وَأَلْحَقَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِهِمُ الشُّهَدَاءَ وَالْقُرْطُبِيُّ الْمُؤَذِّنَ الْمُحْتَسِبَ. قَالَ عِيَاضٌ: فَتَأْوِيلُ الْخَبَرِ وَهُوَ كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ أَيْ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ مِمَّا يَأْكُلُهُ التُّرَابُ وَإِنْ كَانَ التُّرَابُ لَا يَأْكُلُ أَجْسَادًا كَثِيرَةً كَالْأَنْبِيَاءِ. قَوْلُهُ: (إِلَّا عَجْبُ ذَنَبِهِ) أَخَذَ بِظَاهِرِهِ الْجُمْهُورُ فَقَالُوا: لَا يَبْلَى عَجْبُ الذَّنَبِ وَلَا يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، وَخَالَفَ الْمُزَنِيُّ فَقَالَ: إِلَّا هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، أَيْ وَعَجْبُ الذَّنَبِ أَيْضًا يَبْلَى. وَقَدْ أَثْبَتَ هَذَا الْمَعْنَى الْفَرَّاءُ، وَالْأَخْفَشُ فَقَالُوا: تَرِدُ إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاوِ. وَيَرُدُّ مَا انْفَرَدَ بِهِ الْمُزَنِيُّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُهُ أَبَدًا كَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ مِنْهُ خُلِقَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ يُخْلَقُ مِنَ الْآدَمِيِّ، وَلَا يُعَارِضُهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ أَنَّ أَوَّلَ مَا خُلِقَ مِنْ آدَمَ رَأْسُهُ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ هَذَا فِي حَقِّ آدَمَ وَذَاكَ فِي حَقِّ بَنِيهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِ سَلْمَانَ نَفْخِ الرُّوحِ فِي آدَمَ لَا خَلْقَ جَسَدِهِ. ٤٠ - سُورَةُ الْمُؤْمِنِ قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ: يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ الطَّوْلِ: التَّفَضُّلِ. دَاخِرِينَ: خَاضِعِينَ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَى النَّجَاةِ: الْإِيمَانِ. لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ: يَعْنِي الْوَثَنَ. يُسْجَرُونَ: تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ. تَمْرَحُونَ: تَبْطُرُونَ. وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يَذْكُرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطِ النَّاسَ؟ قَالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ؟ وَاللَّهُ ﷿ يَقُولُ: يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَيَقُولُ: وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ، وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشِّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ. وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ لِمَنْ عَصَاهُ. ٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قَوْلُهُ: (سُورَةُ الْمُؤْمِنِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حم﴾ مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ) وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ: يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ … فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَيُقَالُ إِلَخْ وَهَذَا الْكَلَامُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي مَجَازِ الْقُرْآنِ وَلَفْظُهُ: حم مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، وَهُوَ يُطْلِقُ الْمَجَازَ وَيُرِيدُ بِهِ التَّأْوِيلَ أَيْ تَأْوِيلُ حم تَأْوِيلُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، أَيْ أَنَّ الْكُلَّ فِي الْحُكْمِ وَاحِدٌ، فَمَهْمَا قِيلَ مَثَلًا فِي الم يُقَالُ مِثْلُهُ فِي حم. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثِينَ قَوْلًا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهَا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الم وَحم وَ﴿المص﴾ وَ﴿ص﴾ فَوَاتِحٌ افْتُتِحَ بِهَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ كُلُّهَا ﴿ق﴾ وَ﴿ص﴾ وَ﴿طسم﴾ وَغَيْرُهَا هِجَاءٌ مَقْطُوعٌ. وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَأَمَّا قَوْلُهُ وَيُقَالُ بَلْ هُوَ اسْمٌ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حم اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى قِرَاءَةِ عِيسَى بْنِ عُمَرَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْمِيمِ الثَّانِيَةِ مِنْ مِيمٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عِيسَى فَتَحَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ. قُلْتُ: وَالشَّاهِدُ الَّذِي أَنْشَدَ يُوَافِقُ قِرَاءَةَ عِيسَى. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: الصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي جَمِيعِ حُرُوفِ فَوَاتِحِ السُّوَرِ السُّكُونُ لِأَنَّهَا حُرُوفُ هِجَاءٍ لَا أَسْمَاءُ مُسَمَّيَاتٍ. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿ص﴾ وَأَشْبَاهُهَا قَسَمٌ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ. وَشُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ الْبَيْتُ الْمَذْكُورُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَهُوَ خَطَأٌ. وَلَفْظُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ هُوَ اسْمٌ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ فَذَكَرَ الْبَيْتَ. وَرَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي كِتَابِ الْجُمَلِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: كَانَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَوْمَ الْجَمَلِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَقْتُلُوا صَاحِبَ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ، فَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ بِرُّهُ بِأَبِيهِ، فَلَقِيَهُ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى فَأَهْوَى لَهُ بِالرُّمْحِ فَتَلَاحَمَ فَقَتَلَهُ. وَحُكِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ الشِّعْرَ الْمَذْكُورَ لِلْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وَقَالَ: وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ. وَذَكَرَ أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّهُ لِمُدْلِجِ بْنِ كَعْبٍ السَّعْدِيِّ وَيُقَالُ كَعْبُ بْنُ مُدْلِجٍ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عِصَامُ بْنُ مُقْشَعِرٍّ، قَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: هُوَ الثَّبْتُ. وَأَنْشَدَ لَهُ الْبَيْتَ الْمَذْكُورَ وَأَوَّلُهُ: وَأَشْعَثُ قَوَّامٌ بِآيَاتِ رَبِّهِ … قَلِيلُ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ … فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا … عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَنْدَمِ يُذَكِّرُنِي حم الْبَيْتَ. وَيُقَالُ إِنَّ الشِّعْرَ لِشَدَّادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْسِيِّ، وَيُقَالُ اسْمُهُ حَدِيدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ حَكَاهُ الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَكْبِرٍ، وَذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ الْمُظَفَّرِ النَّيْسَابُورِيُّ فِي كِتَابِ مَأْدُبَةِ الْأُدَبَاءِ قَالَ: كَانَ شِعَارُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ حم، وَكَانَ شُرَيْحُ بْنُ أَبِي أَوْفَى مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا طَعَنَ شُرَيْحٌ، مُحَمَّدًا قَالَ: حم، فَأَنْشَدَ شُرَيْحٌ الشِّعْرَ. قَالَ: وَقِيلَ بَلْ قَالَ مُحَمَّدٌ لَمَّا طَعَنَهُ شُرَيْحٌ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ يُذَكِّرُنِي حم أَيْ بِتِلَاوَةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهَا مِنْ حم. (تَكْمِلَةٌ): حم جُمِعَ عَلَى حَوَامِيمٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: لَيْسَ هَذَا الْجَمْعُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ. وَيُقَالُ كَأَنَّ مُرَادَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بِقَوْلِهِ أُذَكِّرُكَ حم أَيْ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ﴿حم * عسق﴾ ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ الْآيَةَ، كَأَنَّهُ يُذَكِّرُهُ بِقَرَابَتِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَافِعًا لَهُ عَنْ قَتْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿الطَّوْلِ﴾ التَّفَضُّلُ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَزَادَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِلرَّجُلِ إِنَّهُ لَذُو طَوْلٍ عَلَى قَوْمِهِ أَيْ ذُو فَضْلٍ عَلَيْهِمْ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ذِي الطَّوْلِ قَالَ: ذِي السَّعَةِ وَالْغِنَى، وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ قَالَ: ذِي الْمِنَنِ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ قَالَ: ذِي النَّعْمَاءِ. قَوْلُهُ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ خَاضِعِينَ) هُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أَيْ صَاغِرِينَ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾ إِلَى الْإِيمَانِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ يَعْنِي الْوَثَنَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ الْأَوْثَانِ. قَوْلُهُ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا. قَوْلُهُ: ﴿تَمْرَحُونَ﴾ تَبْطِرُونَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: يَبْطِرُونَ وَيَأْشِرُونَ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْكَافِ أَيْ يُذَكِّرُ النَّاسَ النَّارَ أَيْ يُخَوِّفُهُمْ بِهَا. قَوْلُهُ: (فَقَالَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ. قَوْلُهُ: (لِمَ) بِكَسْرِ اللَّامِ لِلِاسْتِفْهَامِ (تُقَنِّطُ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وَأَرَادَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْإِشَارَةَ إِلَى الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا﴾ فَنَهَاهُمْ عَنِ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ: إِنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ اسْتِدْعَاءً مِنْهُمُ الرُّجُوعَ عَنِ الْإِسْرَافِ وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى التَّوْبَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَأَبُو الْعَلَاءِ هَذَا هُوَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ تَابِعِيٌّ زَاهِدٌ قَلِيلُ الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ ذِكْرٌ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَمَاتَ قَدِيمًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. ثم ذكر حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ ٤١ - سُورَةُ حم السَّجْدَةِ وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أَعْطِيَا. ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطَيْنَا. وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قَالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ - ﴿رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿دَحَاهَا﴾ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ﴾ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ وَقَالَ تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ - ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ - ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى فَقَالَ: ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ. وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ، فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ. وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحَاهَا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فَجُعِلَتْ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، وَخُلِقَتْ السَّمَاوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ. فَلَا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: حَدَّثَنِيه يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بِهَذَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مَحْسُوبٍ، ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقَهَا. ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ. ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ. وقال غيره: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ حِينَ تَطْلُعُ. ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعَمَلِي، أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا، ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً. ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وَكَقَوْلِهِ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَسعَدْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفُّونَ. ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الْكُفُرَّى، هِيَ الْكُمُّ. ﴿وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ الْقَرِيبُ ﴿مِنْ مَحِيصٍ﴾ حَاصَ عَنْهُ، حَادَ عنه. ﴿مِرْيَةٍ﴾ وَمُرْيَةٌ وَاحِدٌ أَيْ امْتِرَاءٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الوَعِيدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمْ اللَّهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ قَوْلُهُ: (سُورَةُ حم السَّجْدَةِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) سَقَطَتِ الْبَسْمَلَةُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ. قَوْلُهُ: (وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ أَعْطِيَا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ فِي الصِّحَّةِ، وَلَفْظُ الطَّبَرِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿ائْتِيَا﴾ قَالَ: أَعْطِيَا وَفِي قَوْلِهِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ قَالَتَا أَعْطَيْنَا. وَقَالَ عِيَاضٌ: لَيْسَ أَتَى هُنَا بِمَعْنَى أَعْطَى، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْإِتْيَانِ وَهُوَ الْمَجِيءُ بِمَعْنَى الِانْفِعَالِ لِلْوُجُودِ، بِدَلِيلِ الْآيَةِ نَفْسِهَا. وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ جِيئَا بِمَا خَلَقْتُ فِيكُمَا وَأَظْهِرَاهُ، قَالَتَا أَجَبْنَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى تَقْرِيبِ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا لَمَّا أُمِرَتَا بِإِخْرَاجِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَمْسٍ وَقَمَرٍ وَنَهْرٍ وَنَبَاتٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَجَابَتَا إِلَى ذَلِكَ كَانَ كَالْإِعْطَاءِ، فَعَبَّرَ بِالْإِعْطَاءِ عَنَ الْمَجِيءِ بِمَا أُودِعَتَاهُ. قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ مُوَجَّهًا وَثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ فَأَيُّ مَعْنًى لِإِنْكَارِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِمَعْنَى الْمَجِيءِ نَفَى أَنْ يُثْبِتَ عَنْهُ أَنَّهُ فَسَّرَهُ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ، وَهَذَا عَجِيبٌ، فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الشَّيْءِ قَوْلَانِ بَلْ أَكْثَرُ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ اللَّهُ ﷿ لِلسَّمَاوَاتِ أَطْلِعِي الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، وَقَالَ لِلْأَرْضِ: شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ، قَالَتَا: أَتَيْنَا طَائِعِينَ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَأَهَا آتَيْنَا بِالْمَدِّ فَفَسَّرَهَا عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: وَقَدْ صَرَّحَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقِرَاءَاتِ أَنَّهَا قِرَاءَتُهُ، وَبِهَا قَرَأَ صَاحِبَاهُ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي أَمَالِيهِ: قِيلَ إِنَّ الْبُخَارِيَّ وَقَعَ لَهُ فِي آيٍّ مِنَ الْقُرْآنِ وَهْمٌ، فَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْهَا وَإِلَّا فَهِيَ قِرَاءَةٌ بِلُغَتِهِ، وَجْهُهُ أَعْطِيَا الطَّاعَةَ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ يُعْطِي الطَّاعَةَ لِفُلَانٍ، قَالَ: وَقَدْ قُرِئَ: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَالْفِتْنَةُ ضِدُّ الطَّاعَةِ. وَإِذَا جَازَ فِي إِحْدَاهُمَا جَازَ فِي الْأُخْرَى انْتَهَى. وَجَوَّزَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ آتَيْنَا بِالْمَدِّ بِمَعْنَى الْمُوَافَقَةِ، وَبِهِ جَزَمَ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَحْذُوفُ مَفْعُولًا وَاحِدًا وَالتَّقْدِيرُ: لِتُوَافِقَ كُلٌّ مِنْكُمَا الْأُخْرَى، قَالَتَا تَوَافَقْنَا. وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَفْعُولَانِ وَالتَّقْدِيرُ: أَعْطِيَا مَنْ أَمَرَكُمَا الطَّاعَةَ مِنْ أَنْفُسِكُمَا قَالَتَا أَعْطَيْنَاهُ الطَّاعَةَ. وَهُوَ أَرْجَحُ لِثُبُوتِهِ صَرِيحًا عَنْ تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: ﴿قَالَتَا﴾ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أَرَادَ الْفِرْقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ جَعَلَ السَّمَاوَاتِ سَمَاءً وَالْأَرَضِينَ أَرْضًا. ثُمَّ ذَكَرَ لِذَلِكَ شَاهِدًا. وَهِيَ غَفْلَةٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا لَفْظُ سَمَاءٍ مُفْرَدٍ وَلَفْظُ أَرْضٍ مُفْرَدٍ، نَعَمْ قَوْلُهُ طَائِعِينَ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ بِالنَّظَرِ إِلَى تَعَدُّدِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ مِنَ الْعُقَلَاءِ لِكَوْنِهِمْ عُومِلُوا مُعَامَلَةَ الْعُقَلَاءِ فِي الْإِخْبَارِ عَنْهُمْ، وَهُوَ مِثْلُ: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ قَوْلُهُ: (وَقَالَ الْمِنْهَالُ) هُوَ ابْنُ عَمْرٍو الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرُ تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ صَدُوقٌ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَتَرَكَهُ شُعْبَةُ لِأَمْرٍ لَا يُوجِبُ فِيهِ قَدْحًا كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَهَذَا التَّعْلِيقُ قَدْ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ كَمَا سَأَذْكُرُهُ. قَوْلُهُ: (عَنْ سَعِيدٍ) هُوَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصِيلِيُّ فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَا النَّسَفِيُّ. قَوْلُهُ: (قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ) كَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الَّذِي صَارَ بَعْدَ ذَلِكَ رَأْسَ الْأَزَارِقَةِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَكَانَ يُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ وَيَسْأَلُهُ وَيُعَارِضُهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَقَعَ سُؤَالُهُ عَنْهُ صَرِيحًا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَأَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ - ﴿فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ - وهَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ حَسْبُ، وَهِيَ إِحْدَى الْقِصَصِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: قَدِمَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَنَجْدَةُ بْنُ عُوَيْمِرٍ فِي نَفَرٍ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ مَكَّةَ فَإِذَا هُمْ بِابْنِ عَبَّاسٍ قَاعِدًا قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ وَالنَّاسُ قِيَامًا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ: أَتَيْتُكَ لِأَسْأَلَكَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّفْسِيرِ، سَاقَهَا فِي وَرَقَتَيْنِ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بَعْضَ الْقِصَّةِ وَلَفْظُهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَالَ: إِنِّي أَحْسِبُكَ قُمْتَ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِكَ فَقُلْتُ لَهُمْ أَيْنَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأُلْقِي عَلَيْهِ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ؟ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا جَمَعَ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَنْ وَحَّدَهُ، فَيَسْأَلُهُمْ فَيَقُولُونَ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قَالَ: فَيَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَيَسْتَنْطِقُ جَوَارِحَهُمْ انْتَهَى وَهَذِهِ الْقِصَّةُ إِحْدَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُبْهَمُ فِيهِ. قَوْلُهُ: (إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ) أَيْ تُشْكِلُ وَتَضْطَرِبُ، لِأَنَّ بَيْنَ ظَوَاهِرِهَا تَدَافُعًا. زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي رِوَايَته عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بِسَنَدِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا هُوَ، أَشَكٌّ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَيْسَ بِشَكٍّ وَلَكِنَّهُ اخْتِلَافٌ، فَقَالَ: هَاتِ مَا اخْتُلِفَ عَلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ. وَحَاصِلُ مَا وَقَعَ السُّؤَالُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَرْبَعَةُ مَوَاضِعَ: الْأَوَّلُ نَفْيُ الْمُسَاءَلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِثْبَاتُهَا، الثَّانِي كِتْمَانُ الْمُشْرِكِينَ حَالَهُمْ وَإِفْشَاؤُهُ، الثَّالِثُ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيُّهُمَا تَقَدَّمَ، الرَّابِعُ الْإِتْيَانُ بِحَرْفِ كَانَ الدَّالِّ عَلَى الْمَاضِي مَعَ أَنَّ الصِّفَةَ لَازِمَةٌ. وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ فِيمَا قَبْلَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَنِ الثَّانِي أَنَّهُمْ يَكْتُمُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ وَجَوَارِحُهُمْ، وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ بَدَأَ خَلْقَ الْأَرْضِ فِي يَوْمَيْنِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ فَسَوَّاهَا فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَعَلَ فِيهَا الرَّوَاسِيَ وَغَيْرَهَا فِي يَوْمَيْنِ فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ لِلْأَرْضِ، فَهَذَا الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ وَفِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَشَقَّقَ الْأَنْهَارَ وَقَدَّرَ فِي كُلِّ أَرْضٍ قُوتَهَا يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وَتَلَا الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قَالَ: فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَدِيثَ، فَهُوَ ضَعِيفٌ لِضَعْفِ أَبِي سَعِيدٍ وَهُوَ الْبَقَّالُ، وَعَنِ الرَّابِعِ بِأَنَّ كَانَ وَإِنْ كَانَتْ لِلْمَاضِي لَكِنَّهَا لَا تَسْتَلْزِمُ الِانْقِطَاعَ؛ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَدْ جَاءَ فِيهِ تَفْسِيرٌ آخَرُ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ تَشَاغُلِهِمْ بِالصَّعْقِ وَالْمُحَاسَبَةِ وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ وَإِثْبَاتَهَا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ السُّدِّيِّ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَإِثْبَاتَهَا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ، وَقَدْ تَأَوَّلَ ابْنُ مَسْعُودٍ نَفْيَ الْمُسَاءَلَةِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ طَلَبُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ الْعَفْوَ، فَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ زَاذَانَ قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنَادَى: أَلَا إِنَّ هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ، فَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ قِبَلَهُ فَلْيَأْتِ، قَالَ: فَتَوَدُّ الْمَرْأَةُ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَثْبُتَ لَهَا حَقٌّ عَلَى أَبِيهَا أَوِ ابْنِهَا أَوْ أَخِيهَا أَوْ زَوْجِهَا، ﴿فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَمِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى قَالَ: لَا يُسْأَلُ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ بِنَسَبٍ شَيْئًا وَلَا يَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَلَا يَمُتُّ بِرَحِمٍ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ، وَالْآيَةُ الْأُخْرَى الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فَقَدْ وَرَدَ مَا يُؤَيِّدُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَثْنَاءَ حَدِيثٍ وَفِيهِ ثُمَّ يُلْقَى الثَّالِثُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرَسُولِكَ وَيُثْنِي مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُولُ: الْآنَ نَبْعَثُ شَاهِدًا عَلَيْكَ، فَيُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ مَنَ الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَنْطِقُ جَوَارِحُهُ. وَأَمَّا الثَّالث فَأُجِيبَ بِأَجْوِبَةٍ أَيْضًا مِنْهَا أَنَّ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا إِيرَادَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ تَرْتِيبُ الْخَبَرِ لَا الْمُخْبَرِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الْآيَةَ، وَقِيلَ عَلَى بَابِهَا لَكِنْ ثُمَّ لِتَفَاوُتِ مَا بَيْنَ الْخِلْقَتَيْنِ لَا لِلتَّرَاخِي فِي الزَّمَانِ، وَقِيلَ خَلَقَ بِمَعْنَى قَدَّرَ. وَأَمَّا الرَّابِعُ وَجَوَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ كَلَامُهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وَهَذِهِ التَّسْمِيَةُ مَضَتْ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ انْقَضَى، وَأَمَّا الصِّفَتَانِ فَلَا يَزَالَانِ كَذَلِكَ لَا يَنْقَطِعَانِ لِأَنَّهُ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ أَوِ الرَّحْمَةَ فِي الْحَالِ أَوِ الِاسْتِقْبَالِ وَقَعَ مُرَادُهُ، قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ. قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَجَابَ بِجَوَابَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّسْمِيَةَ هِيَ الَّتِي كَانَتْ وَانْتَهَتْ وَالصِّفَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَالْآخَرُ: أَنَّ مَعْنَى كَانَ الدَّوَامُ فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ كَذَلِكَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُحْمَلَ السُّؤَالُ عَلَى مَسْلَكَيْنِ وَالْجَوَابُ عَلَى رَفْعِهِمَا كَأَنْ يُقَالَ: هَذَا اللَّفْظُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ يَغْفِرُ لَهُ أَوْ يَرْحَمُ، وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَالِ كَذَلِكَ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ كَانَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ كَانَ فِي الْمَاضِي يُسَمَّى بِهِ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّ كَانَ تُعْطَى مَعْنَى الدَّوَامِ، وَقَدْ قَالَ النُّحَاةُ: كَانَ لِثُبُوتِ خَبَرِهَا مَاضِيًا دَائِمًا أَوْ مُنْقَطِعًا. قَوْلُهُ: (فَلَا يَخْتَلِفُ) بِالْجَزْمِ لِلنَّهْيِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَفِي آخِرِهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَلْ بَقِيَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ؟ إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ وَجْهَهُ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي السِّيَاقِ وَالسَّمَاءِ بَنَاهَا وَالتِّلَاوَةُ: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ كَذَا زَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ، وَالَّذِي فِي الْأَصْلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ وَهُوَ عَلَى وَفْقِ التِّلَاوَةِ، لَكِنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿دَحَاهَا﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنِيهِ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ) أَيِ ابْنُ أَبِي زُرَيْقٍ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ، وَهُوَ أَخُو زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ حَدَّثَنِيهِ عَنْ يُوسُفَ بِزِيَادَةِ عَنْ وَهِيَ غَلَطٌ. وَسَقَطَ قَوْلُهُ وَحَدَّثَنِيهِ إِلَخْ مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنِ الْجُرْجَانِيِّ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ، لَكِنْ ذَكَرَ الْبُرْقَانِيُّ فِي الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ فَسَاقَهُ بِتَمَامِهِ قَالَ: وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأُرْدِسْتَانِيُّ قَالَ: شَاهَدْتُ نُسْخَةً مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ فِي هَامِشِهَا حَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ الْبُرْقَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ صَنِيعِ مَنْ سَمِعَهُ مِنَ الْبُوشَنْجِيِّ فَإِنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ، لِيُوسُفَ وَلَا لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا لِزَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ حَدِيثًا مُسْنَدًا سِوَاهُ، وَفِي مُغَايَرَةِ الْبُخَارِيِّ سِيَاقَ الْإِسْنَادِ عَنْ تَرْتِيبِهِ الْمَعْهُودِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ وَإِنْ صَارَتْ صُورَتُهُ صُورَةُ الْمَوْصُولِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا الِاصْطِلَاحُ وَأَنَّ مَا يُورِدُهُ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لَيْسَ عَلَى شَرْطِ صَحِيحِهِ وَخَرَجَ عَلَى مَنْ يُغَيِّرُ هَذِهِ الصِّيغَةَ الْمُصْطَلَحَ عَلَيْهَا إِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ. فَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ سَمِعَهُ أَوَّلًا مُرْسَلًا وَآخِرًا مُسْنَدًا فَنَقَلَهُ كَمَا سَمِعَهُ، وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَقَدْ وَجَدْتُ لِلْحَدِيثِ طَرِيقًا أُخْرَى أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفٍ مِنْ طَرِيقٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو بِتَمَامِهِ، فَشَيْخُ مَعْمَرٍ الْمُبْهَمُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُطَرِّفًا أَوْ زَيْدَ بْنَ أَبِي أُنَيْسَةَ أَوْ ثَالِثًا. قَوْلُهُ: (وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ مَحْسُوبٍ) سَقَطَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: غَيْرُ مَمْنُونٍ قَالَ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ مَحْسُوبٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُحْسَبُ فَيُحْصَى فَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: ﴿أَقْوَاتَهَا﴾ أَرْزَاقُهَا) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بِلَفْظِ قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: جِبَالَهَا وَأَنْهَارَهَا وَدَوَابَّهَا وَثِمَارَهَا وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ قَالَ: مِنَ الْمَطَرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَقْوَاتُهَا وَاحِدُهَا قُوتٌ وَهِيَ الْأَرْزَاقُ. قَوْلُهُ: ﴿فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ مِمَّا أَمَرَ بِهِ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ بِلَفْظِ: مِمَّا أَمَرَ بِهِ وَأَرَادَهُ أَيْ مِنْ خَلْقِ الرُّجُومِ وَالنَّيِّرَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشَائِيمَ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: رِيحًا صَرْصَرًا: بَارِدَةً. ﴿نَحِسَاتٍ﴾ مَشْومَاتٍ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الصَّرْصَرُ هِيَ الشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ الْعَاصِفَةُ، ﴿نَحِسَاتٍ﴾ ذَوَاتُ نُحُوسٍ أَيْ مَشَائِيمَ. قَوْلُهُ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَطَائِفَةٍ، وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ. ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهَذَا هُوَ وَجْهُ الْكَلَامِ وَصَوَابُهُ، وَلَيْسَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ تَفْسِيرًا لِقَيَّضْنَا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ بِلَفْظِ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ قَالَ: شَيَاطِينَ، وَفِي قَوْلِهِ ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ قَالَ: عِنْدَ الْمَوْتِ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مُفَرَّقًا فِي مَوْضِعَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ قَالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ وَذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّأْوِيلَيْنِ فَإِنَّ حَالَةَ الْمَوْتِ أَوَّلُ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، وَالْحَاصِلُ مِنَ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ تَصَرُّفِهِمْ فِي الدُّنْيَا. قَوْلُهُ: ﴿اهْتَزَّتْ﴾ بِالنَّبَاتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ ارْتَفَعَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا حِينَ تَطْلُعُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِمَا إِلَى قَوْلِهِ ارْتَفَعَتْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَدْ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ إِلَى قَوْلِهِ ارْتَفَعَتْ وَزَادَ: قَبْلَ أَنْ تَنْبُتَ. قَوْلُهُ: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أَيْ بِعِلْمِي أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا) وَصَلَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا وَلَكِنْ لَفْظُهُ بِعَمَلِي بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى اللَّامِ وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَاللَّامُ فِي لَيَقُولَنَّ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَأَمَّا جَوَابُ الشَّرْطِ فَمَحْذُوفٌ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: اللَّامُ جَوَابُ الشَّرْطِ وَالْفَاءُ مَحْذُوفَةٌ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ شَاذٌّ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ فِي الشِّعْرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿هَذَا لِي﴾ أَيْ لَا يَزُولُ عَنِّي. قَوْلُهُ: (وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ قَدَّرَهَا سَوَاءً) سَقَطَ وَقَالَ غَيْرُهُ لِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ وَهُوَ أَشْبَهُ، فَإِنَّهُ مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ نَصَبَهَا عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: قَرَأَ الْجُمْهُورُ سَوَاءً بِالنَّصْبِ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالرَّفْعِ وَيَعْقُوبُ بِالْجَرِّ، فَالنَّصْبُ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ عَلَى نَعْتِ الْأَقْوَاتِ، وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى الْقَطْعِ، وَمَنْ خَفَضَ فَعَلَى نَعْتِ الْأَيَّامِ أَوِ الْأَرْبَعَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ) كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ وكقَوْلُهُ: ﴿هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الْإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَسْعَدْنَاهُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾. كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَالْأَصِيلِيِّ وَلِغَيْرِهِمَا أَصْعَدْنَاهُ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: هُوَ بِالصَّادِ أَقْرَبُ إِلَى تَفْسِيرِ أَرْشَدْنَاهُ مِنْ أَسْعَدْنَاهُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِالسِّينِ كَانَ مِنَ السَّعْدِ وَالسَّعَادَةِ، وَأَرْشَدْتُ الرَّجُلَ إِلَى الطَّرِيقِ وَهَدَيْتُهُ السَّبِيلَ بَعِيدٌ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، فَإِذَا قُلْتُ أَصْعَدْنَاهُمْ بِالصَّادِ خَرَجَ اللَّفْظُ إِلَى مَعْنَى الصُّعُدَاتِ فِي قَوْلِهِ إِيَّاكُمْ وَالْقُعُودَ عَلَى الصُّعُدَاتِ وَهِيَ الطُّرُقُ، وَكَذَلِكَ أَصْعَدَ فِي الْأَرْضِ إِذَا سَارَ فِيهَا عَلَى قَصْدٍ، فَإِنْ كَانَ الْبُخَارِيُّ قَصَدَ هَذَا وَكَتَبَهَا فِي نُسْخَتِهِ بِالصَّادِ الْتِفَاتًا إِلَى حَدِيثِ الصُّعُدَاتِ فَلَيْسَ بِمُنْكَرٍ انْتَهَى. وَالَّذِي عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِنَّمَا هُوَ بِالسِّينِ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَهُوَ مَنْقُولٌ مِنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ قَالَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ يُقَالُ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى مَذْهَبِ الْخَيْرِ وَمَذْهَبِ الشَّرِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ثُمَّ سَاقَ عَنْ عَلِيٍّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ قَالَ: الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قَالَ: وَالْهُدَى عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ الْإِرْشَادُ، وَمِثْلُهُ قَوْلُكَ أَسْعَدْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ. قَوْلُهُ: ﴿يُوزَعُونَ﴾ يُكَفُّونَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أَيْ يُدْفَعُونَ، وَهُوَ مِنْ وَزِعْتُ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ قَالَ: عَلَيْهِمْ وَزَعَةٌ تَرُدُّ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ. قَوْلُهُ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ قِشْرُ الْكُفُرَّى الْكُمُّ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ هِيَ الْكُمُّ، زَادَ الْأَصِيلِيُّ: وَاحِدُهَا هُوَ قَوْلُ الْفَرَّاءِ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ أَيْ أَوْعِيَتِهَا وَاحِدُهَا كُمَّةٌ وَهُوَ مَا كَانَتْ فِيهِ، وَكُمٌّ وَكُمَّةٌ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ أَكْمَامٌ، وَأَكِمَّةٌ. (تَنْبِيهٌ): كَافُ الْكُمِّ مَضْمُومَةٌ كَكُمِّ الْقَمِيصِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَبِهِ جَزَمَ الرَّاغِبُ، وَوَقَعَ فِي الْكَشَّافِ بِكَسْرِ الْكَافِ فَإِنْ ثَبَتَ فَلَعَلَّهَا لُغَةٌ فِيهِ دُونَ كُمِّ الْقَمِيصِ.