HadithLab
RU
صحيح البخاري · باب حسن المعاشرة مع الأهل

رقم الحديث 5190

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللهْوَ.»
ج 7 ص 28

سلسلة الرواة

فتح الباري · ابن حجر · ج9 ص255
قَالَتْ الثَّامِنَةُ: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ. قَالَتْ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنْ النَّادِ. قَالَتْ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ؟ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ، قَالَتْ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فمَا أَبُو زَرْعٍ؟ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ، وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ، وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ، فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ، وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ، فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ، وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ. أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ؟ عُكُومُهَا رَدَاحٌ، وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ، ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ؟ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ، بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ، طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا، وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا، جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ؟ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا، وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَاثنَا تَنْقِيثًا، وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا، قَالَتْ: خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ، فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ، فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا، فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا، رَكِبَ شَرِيًّا، وَأَخَذَ خَطِّيًّا، وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا، وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا، وَقَالَ: كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ. قَالَتْ: فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَلَمَةَ، قال هِشَامٍ: وَلَا تُعَشِّشُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا، قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَأَتَقَمَّحُ بِالْمِيمِ، وَهَذَا أَصَحُّ. ٥١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ الْحَبَشُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ فَسَتَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَنْظُرُ فَمَا زِلْتُ أَنْظُرُ حَتَّى كُنْتُ أَنَا أَنْصَرِفُ فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ تَسْمَعُ اللَّهْوَ" قَوْلُهُ (بَابُ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْأَهْلِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: نَبَّهَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ عَلَى أَنَّ إِيرَادَ النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الْحِكَايَةَ - يَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ زَرْعٍ - لَيْسَ خَلِيًّا عَنْ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَهِيَ الْإِحْسَانُ فِي مُعَاشَرَةِ الْأَهْلِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ فِيمَا سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْرَدَ الْحِكَايَةَ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَلَيْسَتِ الْفَائِدَةُ مِنَ الْحَدِيثِ مَحْصُورَةً فِيمَا ذُكِرَ، بَلْ سَيَأْتِي لَهُ فَوَائِدُ أُخْرَى: مِنْهَا مَا تَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ شَرَحَ حَدِيثَ أُمِّ زَرْعٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ، رَوَيْنَا ذَلِكَ فِي جُزْءِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِيزِيلَ الْحَافِظِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْهُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَحْفَظُ عَدَدَهُمْ، وَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ فِيهِ مَوَاضِعَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ النَّيْسَابُورِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي تَأْلِيفٍ مُفْرَدٍ، وَالْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَثَابِتُ بْنُ قَاسِمٍ، وَشَرَحَهُ أَيْضًا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ثُمَّ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَاصِحٍ ثُمَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ ثُمَّ إِسْحَاقُ الْكَاذِيُّ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُ جَمَعَهُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَنْ غَيْرِهِمَا، ثُمَّ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْحَكِيمِ بْنُ حِبَّانَ الْمِصْرِيُّ ثُمَّ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ ثُمَّ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ أَجْمَعُهَا وَأَوْسَعُهَا، وَأَخَذَ مِنْهُ غَالِبُ الشُّرَّاحِ بَعْدَهُ، وَقَدْ لَخَّصْتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرُوهُ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ حَدَّثَنِي، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ الدِّمَشْقِيِّ (وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بِضِمِّ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ أَيِ ابْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَوَقَعَ مَنْسُوبًا كَذَلِكَ عَنِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ. قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَبِي يَعْلَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنَ جَنَابٍ بِجِيمٍ وَنُونٍ خَفِيفَةٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَخِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ، وَهَذَا مِنْ نَوَادِرِ مَا وَقَعَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ حَيْثُ أَدْخَلَ بَيْنَهُمَا أَخًا لَهُ وَاسِطَةٌ، وَمِثْلُهُ مَا سَيَأْتِي فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ وُهَيْبٍ، عَنْ هِشَامِ بَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، وَمَضَتْ لَهُ فِي الْهِبَةِ رِوَايَةٌ بِوَسَاطَةِ اثْنَيْنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَى عِيسَى بْنِ يُونُسَ فِي إِسْنَادِهِ وَسِيَاقِهِ، لَكِنْ حَكَى عِيَاضٌ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ الْحَرَّانِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عِيسَى؛ فَقَالَ فِي أَوَّلِهِ: عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَسَاقَهُ بِطُولِهِ مَرْفُوعًا كُلَّهُ، وَكَذَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَتَابَعَ عِيسَى بْنَ يُونُسَ عَلَى رِوَايَةٍ مُفَصَّلًا فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ، سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَذَا سعيد بن سلمة، عن أبي حسام كلاهما عن هشام، وستأتي روايته تعليقا وأذكر من وصلها عند الفراغ مَنْ شَرَحَ الْحَدِيثَ، وَخَالَفَهُمُ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِيمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْجُزْءِ الثَّانِي مِنَ الْأَفْرَادِ؛ فَرَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَخِيهِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَخَطَّأَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ وَصَوَّبَ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ، وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ وَرِوَايَتُهُمَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالدَّرَاوَرْدِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ وَرِوَايَتُهُما عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، وَأَبُو أُوَيْسٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُهُ عَنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَرِوَايَتُهُ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَأَدْخَلَ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةً، أَيْضًا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَيْضًا فَرَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ لَكِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَبَيَّنَ ذَلِكَ الْبَزَّارُ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَدْفُوعٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو أُوَيْسٍ أَيْضًا وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ اهـ. وَرَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ أَيْضًا حَفِيدُهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ وَأَبُو الزِّنَادِ وَأَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يقْتَصِرُ عَلَى الْمَرْفُوعِ مِنْهُ، وَيُنْكِرُ عَلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ سِيَاقَهُ بِطُولِهِ وَيَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ عُرْوَةُ يُحَدَّثُنَا بِذَلِكَ فِي السَّفَرِ بِقِطْعَةٍ مِنْهُ، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْآَجُرِّيُّ فِي أَسْئِلَتِهِ عَنْ أَبِي دَاوُدَ. قُلْتُ: وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي تَرْكِ أَحْمَدَ تَخْرِيجَهُ فِي مُسْنَدِهِ مَعَ كِبَرِهِ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ لَكِنْ عَنْ غَيْرِ أَبِيهِ، وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ: قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ. قُلْتُ: الْمَرْفُوعُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ، وَبَاقِيهِ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ. وَجَاءَ خَارِجَ الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا كُلُّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَسَاقَهُ بِسِيَاقٍ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ وَلَفْظُهُ، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ كَانَ أَبُو زَرْعٍ؟ قَالَ: اجْتَمَعَ نِسَاءٌ. . فَسَاقَ الْحَدِيثَ كُلَّهُ، وَجَاءَ مَرْفُوعًا أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ وَالدَّرَاوَرْدِيِّ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ هِشَامٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الَمْدِينَةِ عَنْ عُرْوَةَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ أَيْضًا، وَكَذَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، وَقَدْ قَدَّمْتُ ذِكْرَ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، كَذَلِكَ قَالَ عِيَاضٌ، وَكَذَا ظِاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ بِسَنَدِهِ الْمُتَقَدِّمِ؛ فَإِنَّ أَوَّلَهُ عِنْدَهُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ حَدِيثَ أُمِّ زَرْعٍ، قَالَ عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ أَنْشَأَ هُوَ عُرْوَةُ فَلَا يَكُونُ مَرْفُوعًا. وَأَخَذَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ فَجَزَمَ بِهِ وَزَعَمَ أَنَّ مَا عَدَاهُ وَهَمٌ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ ثُمَّ أَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، وَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الَّتِي أَشَرْتُ إِلَيْهَا، وَلَفْظُهُ: كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ، ثُمَّ أَنْشَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَانْتَفَى الِاحْتِمَالُ. وَيُقَوِّي رَفْعَ جَمِيعِهِ أَنَّ التَّشْبِيهَ الْمُتَّفَقَ عَلَى رَفْعِهِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعَ الْقِصَّةَ وَعَرَفَهَا فَأَقَرَّهَا فَيَكُونُ كُلُّهُ مَرْفُوعًا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْخَطِيبِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ النُّقَّادِ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَاقِيَ مَوْقُوفٌ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ هُوَ أَنَّ الَّذِي تَلَفَّظَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا سَمِعَ الْقِصَّةَ مِنْ عَائِشَةَ هُوَ التَّشْبِيهُ فَقَطْ وَلَمْ يُرِيدُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ حُكْمًا، وَيَكُونُ مَنْ عَكَسَ ذَلِكَ فَنَسَبَ قَصَّ الْقِصَّةِ مِنِ ابْتِدَائِهَا إِلَى انْتِهَائِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاهِمًا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. قَوْلُهُ: (جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: التَّقْدِيرُ جَلَسَ جَمَاعَةٌ إِحْدَى عَشْرَةَ وَهُوَ مِثْلُ: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ جَلَسَتْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ فِي مُسْلِمٍ جَلَسْنَ بِالنُّونِ، وفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ اجْتَمَعَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ اجْتَمَعَتْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى اجْتَمَعْنَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: زِيَادَةُ النُّونِ عَلَى لُغَةِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَاسْتَشْهَدُوا لَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ﴾ وَحَدِيثِ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ، وَقَوْلِ الشَّاعِرِ: بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهُ وَقَوْلِهِ: يُلُومُونَنِي فِي اشْتِرَاءِ النَّخِي … لِ قَوْمِي فَكُلُّهُمْ يَعْذِلُ وَقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُ النُّحَاةِ رَدَّ هَذِهِ اللُّغَةِ إِلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ أَنْ لَا يُلْحَقَ عَلَامَةُ الْجَمْعِ وَلَا التَّثْنِيَةِ وَلَا التَّأْنِيثِ فِي الْفِعْلِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى الْأَسْمَاءِ، وَخَرَّجَ لَهَا وُجُوهًا وَتَقْدِيرَاتٍ فِي غَالِبِهَا نَظَرٌ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا نَقْلًا وَصِحَّتِهَا اسْتِعْمَالًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ عِيَاضٌ: الْأَشْهَرُ مَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ تَوْحِيدُ الْفِعْلِ مَعَ الْجَمْعِ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَ اكْتِفَاءً بِمَا ظَهَرَ، تَقُولُ مَثَلًا: قَامَ قَوْمُكَ فَلَوْ تَقَدَّمَ الِاسْمُ لَمْ يُحْذَفْ فَتَقُولُ قَوْمُكَ قَامَ بَلْ قَامُوا، وَمِمَّا يُوَجِّهُ مَا وَقَعَ هُنَا أَنْ يَكُونَ إِحْدَى عَشْرَةَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ فِي اجْتَمَعْنَ، وَالنُّونُ عَلَى هَذَا ضَمِيرٌ لَا حَرْفٌ عَلَامَةٌ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنْ هُنَّ؟ فَقِيلَ: إِحْدَى عَشْرَةَ، أَوْ بِإِضْمَارِ أَعْنِي، وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إِحْدَى عَشْرَةَ نِسْوَةً، قَالَ: فَإِنْ كَانَ بِالنَّصْبِ احْتَاجَ إِلَى إِضْمَارِ أَعْنِي أَوْ بِالرَّفْعِ فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ قَالَ الْفَارِسِيُّ: هُوَ بَدَلٌ مِنْ قَطَّعْنَاهُمْ وَلَيْسَ بِتَمْيِيزٍ اهـ. وَقَدْ جَوَّزَ غَيْرُهُ أَنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا بِتَأْوِيلٍ يَطُولُ شَرْحُهُ. وَوَقَعَ لِهَذَا الْحَدِيثِ سَبَبٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَخَرَتُ بِمَالِ أَبِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ أَلْفَ أَلْفِ أُوقِيَّةٍ - وَفِيهِ -، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اسْكُتِي يَا عَائِشَةُ؛ فَإِنِّي كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ. وَوَقَعَ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ فِيمَا أَخْرَجَهُ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْحَكِيمِ بْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ لَهُ مُرْسَلٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ جَبْرٍ الْمَغَافِرِيِّ، (^١) قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ وَقَدْ جَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ، فَقَالَ: مَا أَنْتِ بِمُنْتَهِيَةٍ يَا حُمَيْرَاءُ عَنِ ابْنَتِي، إِنَّ مِثْلِي وَمِثْلَكِ كَأَبِي زَرْعٍ مَعَ أُمِّ زَرْعٍ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَنْهُمَا، فَقَالَ: كَانَتْ قَرْيَةٌ فِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَكَانَ الرِّجَالُ خُلُوفًا، فَقُلْنَ: تَعَالَيْنَ نَتَذَاكَرْ أَزْوَاجَنَا بِمَا فِيهِمْ وَلَا نَكْذِبْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ: كَانَ رَجُلٌ يُكَنَّى أَبَا زَرْعٍ وَامْرَأَتُهُ أُمُّ زَرْعٍ، فَتَقُولُ: أَحْسَنَ لِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَعْطَانِي أَبُو زَرْعٍ، وَأَكْرَمَنِي أَبُو زَرْعٍ، وَفَعَلَ بِي أَبُو زَرْعٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي بَعْضُ نِسَائِهِ، فَقَالَ يَخُصُّنِي بِذَلِكَ: يَا عَائِشَةُ أَنَا لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا حَدِيثُ أَبِي زَرْعٍ وَأُمِّ زَرْعٍ؟ قَالَ: إِنَّ قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْيَمَنِ كَانَ بِهَا بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ الْيَمَنِ وَكَانَ مِنْهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَأَنَّهُنَّ خَرَجْنَ إِلَى مَجْلِسٍ، فَقُلْنَ: تَعَالَيْنَ فَلْنَذْكُرْ بُعُولَتَنَا بِمَا فِيهِمْ وَلَا نَكْذِبْ، فَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعْرِفَةُ جِهَةِ قَبِيلَتِهِنَّ وَبِلَادِهِنَّ، لَكِنْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْهَيْثَمِ أَنَّهُنَّ كُنَّ بِمَكَّةَ. وَأَفَادَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِيمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ أَنَّهُنَّ كُنَّ مِنْ خَثْعَمٍ، وَهُوَ يُوَافِقُ رِوَايَةَ الزُّبَيْرِ أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الَيْمَنْ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُنَّ كُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَذَا عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي رِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامٍ، وَحَكَى عِيَاضٌ ثُمَّ النَّوَوِيُّ قَوْلَ الْخَطِيبِ فِي الْمُبْهَمَاتِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا سَمَّى النِّسْوَةَ الْمَذْكُورَاتِ فِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ إِلَّا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي أَذْكُرُهُ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ. قُلْتُ: وَقَدْ سَاقَهُ أَيْضًا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْحَكِيمِ الْمَذْكُورُ مِنَ الطَّرِيقِ الْمُرْسَلَةِ الَّتِي قَدَّمْتُ ذِكْرَهَا فَإِنَّهُ سَاقَهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ بِسَنَدِهِ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنَ الطَّرِيقِ الْمُرْسَلَةِ، وَقَالَ: فَذَكَرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ، وَسَمَّى ابْنُ دُرَيْدٍ فِي الْوِشَاحِ أُمَّ زَرْعٍ عَاتِكَةَ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ - يَعْنِي سِيَاقَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ - أَنَّ الثَّانِيَةَ اسْمُهَا عَمْرَةُ بِنْتُ عَمْرٍو، وَاسْمُ الثَّالِثَةِ حُبَّى بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ بِنْتُ كَعْبٍ، وَالرَّابِعَةُ مَهْدَدُ بِنْتُ أَبِي هَزُومَةَ، وَالْخَامِسَةُ كَبْشَةُ، وَالسَّادِسَةُ هِنْدٌ، وَالسَّابِعَةُ حُبَّى بِنْتُ عَلْقَمَةَ، وَالثَّامِنَةُ بِنْتُ أَوْسِ بْنِ عَبْدٍ (^٢)، وَالْعَاشِرَةُ كَبْشَةُ بِنْتُ الْأَرْقَمِ اهـ، وْلَمْ يُسَمِّ الْأُولَى وَلَا التَّاسِعَةَ وَلَا أَزْوَاجَهُنَّ وَلَا ابْنَةَ أَبِي زَرْعٍ وَلَا أُمَّهُ وَلَا الْجَارِيَةَ وَلَا الْمَرْأَةَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا أَبُو زَرْعٍ وَلَا الرَّجُلَ الَّذِي تَزَوَّجَتْهُ أُمُّ زَرْعٍ، وَقَدْ تَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَّاحِ بَعْدَهُ وَكَلَامُهُمْ يُوهِمُ أَنَّ تَرْتِيبَهُنَّ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ كَتَرْتِيبِ رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَوْلَى عِنْدَ الزُّبَيْرِ وَهِيَ الَّتِي لَمْ يُسَمِّهَا هِيَ الرَّابِعَةُ هنا، الثَّانِيَةُ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ هِيَ الثَّامِنَةُ هُنَا، والثَّالِثَةُ عِنْدَ الزُّبَيْرِ هِيَ الْعَاشِرَةُ هُنَا، وَالرَّابِعَةُ عِنْدَ الزُّبَيْرِ هِيَ الْأُولَى هُنَا، وَالْخَامِسَةُ عِنْدَهُ هِيَ التَّاسِعَةُ هُنَا، والسَّادِسَةُ عِنْدَهُ هِيَ السَّابِعَةُ هُنَا، وَالسَّابِعَةُ عِنْدَهُ هِيَ الْخَامِسَةُ هُنَا، وَالثَّامِنَةُ عِنْدَهُ هِيَ السَّادِسَةُ هُنَا، وَالتَّاسِعَةُ عِنْدَهُ هِيَ الثَّانِيَةُ هُنَا، وَالْعَاشِرَةُ عِنْدَهُ هِيَ الثَّالِثَةُ هُنَا. وَقَدِ اخْتَلَفَ كَثِيرٌ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ فِي تَرْتِيبِهِنَّ، وَلَا ضَيْرَ فِي ذَلِكَ وَلَا أَثَرَ لِلتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِيهِ، إِذ لَمْ يَقَعْ تَسْمِيَتُهُنَّ. نَعَمْ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مُنَاسَبَةٌ، وَهِيَ سِيَاقُ الْخَمْسَةِ اللَّاتِي ذَمَمْنَ أَزْوَاجَهُنَّ عَلَى حِدَةٍ وَالْخَمْسَةُ اللَّاتِي مَدَحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ عَلَى حِدَةٍ، وَسَأُشِيرُ إِلَى تَرْتِيبِهِنَّ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ السَّادِسَةِ هُنَا، وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِ عُرْوَةَ عِنْدَ ذِكْرِ الْخَامِسَةِ، فَهَؤُلَاءِ خَمْسٌ يَشُكُونَ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَى رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بِخُصُوصِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّسْمِيَةِ مَعَ الْمُخَالَفَةِ فِي سِيَاقِ الْأَعْدَادِ، فَيَظُنُّ مِنْ _________ (^١) الأسود بن جبير غير مذكور في الإصابة وسائر السند يحتاج إلى تحقيق. (^٢) في نسخة أخرى: عبد ود. لَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ أَنَّ الثَّانِيَةَ الَّتِي سُمِّيَتْ عَمْرَةَ بِنْتَ عَمْرٍو هِيَ الَّتِي قَالَتْ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، وَلَيْسَ كذَلِكَ بَلْ هِيَ الَّتِي قَالَتْ: زَوْجِيَ الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَهَكَذَا إِلَخْ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ فَائِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: (فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ) أَيْ ألْزَمْنَ أَنْفُسَهُنَّ عَهْدًا، وَعَقَدْنَ عَلَى الصِّدْقِ مِنْ ضَمَائِرِهِنَّ عَقْدًا. قَوْلُهُ: (أَنْ لَا يَكْتُمْنَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعُقْبَةَ أَنْ يَتَصَادَقْنَ بَيْنَهُنَّ وَلَا يَكْتُمْنَ، وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَنْ يَنْعَتْنَ أَزْوَاجَهُنَّ وَيَصْدُقْنَ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ فَتَبَايِعْنَ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ (قَالَتِ الْأَوْلَى زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَلَّثَةِ، وَيَجُوزُ جَرُّهُ صِفَةً لِلْجَمَلِ وَرَفْعُهُ صِفَةً لِلَّحْمٍ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْخَفْضُ، وَقَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: الْجَيِّدُ الرَّفْعُ وَنَقْلَهُ عَنِ التَّبْرِيزِيِّ وَغَيْرِهِ، وَالْغَثُّ الْهَزِيلُ الَّذِي يُسْتَغَثُّ مِنْ هُزَالِهِ أَيْ يُسْتَتْرَكُ وَيُسْتَكْرَهُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: غَثَّ الْجُرْحُ غثًّا وَغَثِيثًا إِذَا سَالَ مِنْهُ الْقَيْحُ وَاسْتَغَثَّهُ صَاحِبُهُ، وَمِنْهُ أَغَثُّ الْحَدِيثِ، وَمِنْهُ غَثَّ فُلَانٌ فِي خُلُقِهِ، وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُقَابَلَةِ السَّمِينِ؛ فَيُقَالُ لِلْحَدِيثِ الْمُخْتَلِطِ: فِيهِ الْغَثُّ وَالسَّمِينُ. قَوْلُهُ: (عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ) فِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيدٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَعْرٍ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بِكَارٍ وَعْثٍ وَهِيَ أَوْفَقُ لِلسَّجْع، وَالْأَوَّلُ ظَاهِرٌ أَيْ كَثِيرِ الضَّجَرِ شَدِيدِ الْغلظة يَصْعُبُ الرُّقِيُّ إِلَيْهِ، وَالْوَعْثُ بِالْمُثَلَّثَةِ الصَّعْبُ الْمُرْتَقَى بِحَيْثُ تُوحِلُ فِيهِ الْأَقْدَامُ فَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ ويَشُقُّ فِيهِ الْمَشْيُ، وَمِنْهُ وَعْثَاءُ السَّفَرِ. قَوْلُهُ: (لَا سَهْلَ بِالْفَتْحِ بِلَا تَنْوِينٍ وَكَذَا وَلَا سَمِينَ، ويَجُوزُ فِيهَما الرَّفْعُ عَلَى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، أَيْ لَا هُوَ سَهْلٌ وَلَا سَمِينٌ، وَيَجُوزُ الْجَرُّ عَلَى أَنَّهُمَا صِفَةُ جَمَلٍ وَجَبَلٍ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ بِالنَّصْبِ مِنْونًا فِيهِمَا لَا سَهْلًا وَلَا سَمِينًا، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عِنْدَهُ لَا بِالسَّمِينِ وَلَا بِالسَّهْلِ، قَالَ عِيَاضٌ: أَحْسَنُ الْأَوْجُهِ عِنْدِيَ الرَّفْعُ فِي الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ جِهَةِ سِيَاقِ الْكَلَامِ وَتَصْحِيحِ الْمَعْنَى لَا مِنْ جِهَةِ تَقْوِيمِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا أَوْدَعَتْ كَلَامَهَا تَشْبِيهَ شَيْئَيْنِ بِشَيْئَيْنِ: شَبَّهَتْ زَوْجَهَا بِاللَّحْمِ الْغَثِّ وَشَبَّهَتْ سُوءَ خُلُقِهِ بِالْجَبَلِ الْوَعِرِ، ثُمَّ فَسَّرَتْ مَا أَجْمَلَتْ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَا الْجَبَلُ سَهْلٌ فَلَا يَشُقُّ ارْتِقَاؤُهُ لِأَخْذِ اللَّحْمِ وَلَوْ كَانَ هَزِيلًا، لِأَنَّ الشَّيْءَ الْمَزْهُودَ فِيهِ قَدْ يُؤْخَذُ إِذَا وُجِدَ بِغَيْرِ نَصَبٍ، ثُمَّ قَالَت: وَلَا اللَّحْمُ سَمِينٌ فَيَتَحَمَّلُ الْمَشَقَّةَ فِي صُعُودِ الْجَبَلِ لِأَجْلِ تَحْصِيلِهِ. قَوْلُهُ: (فَيُرْتَقَى أَيْ فَيُصْعَدُ فِيهِ وَهُوَ وَصْفٌ لِلْجَبَلِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِي لَا سَهْلَ فَيُرْتَقَى إِلَيْهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَبِيدٍ فَيُنْتَقَى وَهَذَا وَصْفُ اللَّحْمِ، وَالْأَوَّلُ مِنَ الِانْتِقَالِ أَيْ أَنَّهُ لِهُزَالِهِ لَا يَرْغَبُ أَحَدٌ فِيهِ فَيُنْتَقَلُ إِلَيْهِ، يُقَالُ: انْتَقَلْتُ الشَّيْءَ أَيْ نَقَلْتُهُ، وَمَعْنَى يُنْتَقَى لَيْسَ لَهُ نِقْيٌ يُسْتَخْرَجُ، وَالنِّقْيُ الْمُخُّ، يُقَالُ: نَقَوْتُ الْعَظْمَ وَنَقَّيْتُهُ وَانْتَقَيْتُهُ إِذَا اسْتَخْرَجْتَ مُخَّهُ، وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي اخْتِيَارِ الْجَيِّدِ مِنَ الرَّدِيءِ. قَالَ عِيَاضٌ: أَرَادَتْ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ نِقْيٌ فَيْطُلَبُ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنَ النِّقْيِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ فِيهِ نِقْيٌ يُطْلَبُ اسْتِخْرَاجُهُ، قَالُوا: آخَرُ مَا يَبْقَى فِي الْجَمَلِ مُخُّ عَظْمِ الْمَفَاصِلِ وَمُخُّ الْعَيْنِ، وَإِذَا نَفِدَا لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَيْرٌ، قَالُوا: وَصَفَتْهُ بِقِلَّةِ الْخَيْرِ وَبُعْدِهِ مَعَ الْقِلَّةِ، فَشَبَّهَتْهُ بِاللَّحْمِ الَّذِي صَغُرَتْ عِظَامُهُ عَنِ النِّقْيِ وَخَبُثُ طَعْمُهُ وَرِيحُهُ مَعَ كَوْنِهِ فِي مُرْتَقًى يَشُقُّ الْوُصُولُ إِلَيْهِ فَلَا يَرْغَبُ أَحَدٌ فِي طَلَبِهِ لِيَنْقُلَهُ إِلَيْهِ مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِي أَكْثَرِ النَّاسِ عَلَى تَنَاوُلِ الشَّيْءِ الْمَبْذُولِ مَجَّانًا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: فَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ قَلِيلُ الْخَيْرِ مِنْ أَوْجُهٍ: مِنْهَا كَوْنُهُ كَلَحْمِ الْجَمَلِ لَا كَلَحْمِ الضَّأْنِ مَثَلًا، وَمِنْهَا أَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مَهْزُولٌ رَدِيءٌ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الضَّرِيرِ: لَيْسَ فِي اللُّحُومِ أَشَدُّ غَثَاثَةً مِنْ لَحْمِ الْجَمَلِ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ خُبْثَ الطَّعْمِ وَخُبْثَ الرِّيحِ، وَمِنْهَا أَنَّهُ صَعْبُ التَّنَاوُلِ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَذَهَبَ الْخَطَّابِيُّ إِلَى أَنَّ تَشْبِيهَهَا بِالْجَبَلِ الْوَعِرِ إِشَارَةٌ إِلَى سُوءِ خُلُقِهِ، وَأَنَّهُ يَترْفِعُ وَيَتَكَبَّرُ وَيَسْمُو بِنَفْسِهِ فَوْقَ مَوْضِعِهَا، فَيَجْمَعُ الْبُخْلَ وَسُوءَ الْخُلُقِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: شَبَّهَتْ وُعُورَةَ خُلُقِهِ بِالْجَبَلِ وَبُعْدَ خَيْرِهِ بِبُعْدِ اللَّحْمِ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ، وَالزُّهْدَ فِيمَا يُرْجَى مِنْهُ مَعَ قِلَّتِهِ وَتَعَذُّرِهِ بِالزُّهْدِ فِي لَحْمِ الْجَمَلِ الْهَزِيلِ، فَأَعْطَتِ التَّشْبِيهَ حَقَّهُ وَوَفَّتْهُ قِسْطَهُ. قَوْلُهُ (قَالَتِ الثَّانِيَةُ: زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ بِالْمُوَحَّدَةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عِيَاضٌ أَنُثُّ بِالنُّونِ بَدَلَ الْمُوَحِّدَةِ أَيْ لَا أُظْهِرُ حَدِيثَهُ، وَعَلَى رِوَايَةِ النُّونِ فَمُرَادُهَا حَدِيثُهُ الَّذِي لَا خَيْرَ فِيهِ، لِأَنَّ النَّثَّ بِالنُّونِ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ لَا أَنِمُّ بِنُونٍ وَمِيمٍ مِنَ النَّمِيمَةِ. قَوْلُهُ (إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ أَيْ أَخَافُ أَنْ لَا أَتْرُكَ مِنْ خَبَرِهِ شَيْئًا، فَالضَّمِيرُ لِلْخَبَرِ أَيْ أَنَّهُ لِطُولِهِ وَكَثْرَتِهِ إِنْ بَدَأْتُهُ لَمْ أَقَدِرْ عَلَى تَكْمِيلِهِ، فَاكْتَفَتْ بِالْإِشَارَةِ إِلَى مَعَايِبِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَطُولَ الْخَطْبُ بِإِيرَادِ جَمِيعِهَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: أَخْشَى أَنْ لَا أَذَرَهُ مِنْ سُوءٍ، وَهَذَا تَفْسِيرُ ابْنِ السِّكِّيتِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ، أَذْكُرُهُ وَأَذْكُرُ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الضَّمِيرُ لِزَوْجِهَا وَعَلَيْهِ يَعُودُ ضَمِيرُ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ بِلَا شَكٍّ كَأَنَّهَا خَشِيَتْ إِذَا ذَكَّرَتْ مَا فِيهِ أَنْ يَبْلُغَهُ فَيُفَارِقَهَا، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: أَخَافُ أَنْ لَا أَقْدِرَ عَلَى تَرْكِهِ لِعَلَاقَتِي بِهِ وَأَوْلَادِي مِنْهُ، وَأَذَرَهُ بِمَعْنَى أُفَارِقُهُ فَاكْتَفَتْ بِالْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ لَهُ مَعَايِبَ وَفَاءً بِمَا الْتَزَمَتْهُ مِنَ الصِّدْقِ وَسَكَتَتْ عَنْ تَفْسِيرِهَا لِلْمَعْنَى الَّذِي اعْتَذَرَتْ بِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ زَوْجِي مَنْ لَا أَذْكُرُهُ وَلَا أَبُثُّ خَبَرَهُ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِالسَّجْعِ. قَوْلُهُ (عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتَحِ الْجِيمِ فِيهِمَا الْأَوَّلُ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَةٍ جَمْعُ عُجْرَةٍ وَبُجْرَةٍ بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، فَالْعُجْرَ تَعْقِدُ الْعَصَبَ وَالْعُرُوقَ فِي الْجَسَدِ حَتَّى تَصِيرَ نَاتِئَةً، وَالْبُجَرُ مِثْلُهَا إِلَّا أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالَّتِي تَكُونُ فِي الْبَطْنِ، قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الْعُجْرَةُ نَفْخَةٌ فِي الظَّهْرِ وَالْبُجْرَةُ نَفْخَةٌ فِي السُّرَّةِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: الْعُجَرُ الْعُقَدُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبَطْنِ وَاللِّسَانِ، وَالْبُجْرُ الْعُيُوبُ. وَقِيلَ: الْعُجَرُ فِي الْجَنْبِ وَالْبَطْنِ، وَالْبُجْرُ فِي السُّرَّةِ. هَذَا أَصْلُهُمَا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَا فِي الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَلَيٍّ يَوْمَ الْجَمَلِ: أَشْكُو إِلَى اللَّهِ عُجَرِي وَبُجَرِي. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اسْتُعْمِلَا فِي الْمَعَايِبِ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو عُبَيدٍ الْهَرَوِيُّ. وَقَالَ أَبُو عُبَيدِ بْنُ سَلَامٍ ثُمَّ ابْنُ السِّكِّيتِ: اسْتُعْمِلَا فِيمَا يَكْتُمُهُ الْمَرْءُ وَيُخْفِيهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَبِهِ جَزَمَ الْمُبَرِّدُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَتْ عُيُوبَهُ الظَّاهِرَةَ وَأَسْرَارَهُ الْكَامِنْةَ. قَالَ: وَلَعَلَّهُ كَانَ مَسْتُورَ الظَّاهِرِ رَدِيءَ الْبَاطِنِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: عَنَتْ أَنَّ زَوْجَهَا كَثِيرُ الْمَعَايِبِ مُتَعَقِّدُ النَّفْسِ عَنِ الْمَكَارِمِ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْعُجَرُ الْعُقَدُ تَكُونُ فِي سَائِرِ الْبَدَنِ، وَالْبُجْرُ تَكُونُ فِي الْقَلْبِ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: يُقَالُ فِي الْمَثَلِ: أَفْضَيْتُ إِلَيْهِ بِعُجَرِي وَبُجَرِي أَيْ بِأَمْرِي كُلِّهِ. قَوْلُهُ (قَالَتِ الثَّالِثَةُ: زَوْجِيَ الْعَشَنَّقُ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ الْمَفْتُوحَةِ وَآخِرُهُ قَافٌ، قَالَ أَبُو عُبَيدٍ وَجَمَاعَةٌ: هُوَ الطَّوِيلُ، زَادَ الثَّعَالِبِيُّ: الْمَذْمُومُ الطَّولِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ الطَّوِيلُ الْعُنُقِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: الصَّقْرُ مِنَ الرِّجَالِ الْمِقْدَامُ الْجَرِيءُ. وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْقَصِيرُ، ثُمَّ قَالَ: كَأَنَّهُ عِنْدَهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، قَالَ: وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ انْتَهَى. وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ تُصُحِّفَ عَلَيْهِ بِمَا قَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَهُ عِيَاضٌ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هُوَ الْمِقْدَامُ عَلَى مَا يُرِيدُ، الشَّرِسُ فِي أُمُورِهِ. وَقِيلَ: السَّيِّئُ الْخُلُقِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَرَادتْ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَه أَكْثَرَ مِنْ طُولِهِ بِغَيْرِ نَفْعٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْمُسْتَكْرَهُ الطُّولِ، وَقِيلَ ذَمَّتْهُ بِالطُّولِ لِأَنَّ الطُّولَ فِي الْغَالِبِ دَلِيلُ السَّفَهِ، وَعُلِّلَ بِبُعْدِ الدِّمَاغِ عَنِ الْقَلْبِ. وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: مَدَحَتْهُ بِالطُّولِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَتَمَدَّحُ بِذَلِكَ، وتعقب بأن سياقها يقتضي أنها ذمته. وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ مَدْحَ خَلْقِهِ وَذَمَّ خُلُقِهِ، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَهُ مَنْظَرٌ بِلَا مَخْبَرٍ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَشَنَّقَ الطَّوِيلُ النَّجِيبُ الَّذِي يَمْلِكُ أَمْرَ نَفْسِهِ وَلَا تَحَكَّمُ النِّسَاءُ فِيهِ بَلْ يَحْكُمُ فِيهِنَّ بِمَا شَاءَ، فَزَوْجَتُهُ تَهَابُهُ أَنْ تَنْطِقَ بِحَضْرَتِهِ، فَهِيَ تَسْكُتُ عَلَى مَضَضٍ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهِيَ مِنَ الشِّكَايَةِ الْبَلِيغَةِ انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ مِنَ الزِّيَادَةِ فِي آخِرِهِ وَهُوَ عَلَى حَدِّ السِّنَانِ الْمُذَلَّقِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيِ الْمُجَرَّدِ بِوَزْنِهِ وَمَعْنَاهُ، تُشِيرُ إِلَى أَنَّهَا مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ بِهَذَا أَنَّهُ أَهْوَجُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ كَالسِّنَانِ الشَّدِيدِ الْحِدَّةِ. قَوْلُهُ (إِنَّ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ، وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ) أَيْ إِنْ ذَكَرْتُ عُيُوبَهُ فَيَبْلُغُهُ طَلَّقَنِي، وَإِنْ سَكَتُّ عَنْهَا فَأَنَا عِنْدَهُ مُعَلَّقَةٌ لَا ذَاتُ زَوْجٍ وَلَا أَيِّمٌ، كَمَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: أَنَا عِنْدَهُ لَا ذَاتُ بَعْلٍ فَأَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَا مُطَلَّقَةٌ فَأَتَفَرَّغُ لِغَيْرِهِ، فَهِيَ كَالْمُعَلَّقَةِ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ لَا تَسْتَقِرُّ بِأَحَدِهِمَا، هَكَذَا تَوَارَدَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشُّرَّاحِ تَبَعًا لِأَبِي عُبَيْدٍ. وَفِي الشِّقِّ الثَّانِي عِنْدِي نَظَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُرَادَهَا لَانْطَلَقَتْ لِيُطَلِّقَهَا فَتَسْتَرِيحُ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَيْضًا أَنَّهَا أَرَادَتْ وَصْفَ سُوءِ حَالِهَا عِنْدَهُ، فَأَشَارَتْ إِلَى سُوءِ خُلُقِهِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهِ لِكَلَامِهَا إِنْ شَكَتْ لَهُ حَالَهَا، وَأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهَا مَتَى ذَكَرَتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بَادَرَ إِلَى طَلَاقِهَا وَهِيَ لَا تُؤْثِرُ تَطْلِيقَهُ لِمَحَبَّتِهَا فِيهِ، ثُمَّ عَبَّرَتْ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهَا إِنْ سَكَتَتْ صَابِرَةً عَلَى تِلْكَ الْحَالِ كَانَتْ عِنْدَهُ كَالْمُعَلَّقَةِ الَّتِي لَا ذَاتُ زَوْجٍ وَلَا أَيِّمٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا: أُعَلَّقْ مُشْتَقًّا مِنْ عَلَاقَةِ الْحُبِّ أَوْ مِنْ عَلَاقَةِ الْوَصْلَةِ، أَيْ إِنْ نَطَقْتُ طَلَّقَنِي وَإِنَّ سَكَتُّ اسْتَمَرَّ بِي زَوْجَةً، وَأَنَا لَا أُوثِرُ تَطْلِيقَهُ لِي فَلِذَلِكَ أَسْكُتُ. قَالَ عِيَاضٌ: أَوْضَحَتْ بِقَوْلِهَا عَلَى حَدِّ السِّنَانِ الْمُذَلَّقِ مُرَادَهَا بِقَوْلِهَا قَبْلُ إِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ، وَإِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ؛ أَيْ أَنَّهَا إِنْ حَادَتْ عَنِ السِّنَانِ سَقَطَتْ فَهَلَكَتْ، وَإِنِ اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَهْلَكَهَا. قَوْلُهُ (قَالَتِ الرَّابِعَةُ: زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ، لَا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ، وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ) بِالْفَتْحِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لَا عَلَى الْفَتْحِ، وَجَاءَ الرَّفْعُ مَعَ التَّنْوِينِ فِيهَا وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: وَكَأَنَّهُ أَشْبَعَ بِالْمَعْنَى أَيْ لَيْسَ فِيهِ حَرٌّ، فَهُوَ اسْمُ لَيْسَ وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ، قَالَ: وَيُقَوِّيهِ مَا وَقَعَ مِنَ التَّكْرِيرِ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي الْقِرَاءَاتِ الْمَشْهُورَةِ الْبِنَاءُ عَلَى الْفَتْحِ فِي الْجَمِيعِ وَالرَّفْعُ مَعَ التَّنْوِينِ وَفَتْحُ الْبَعْضِ وَرَفْعُ الْبَعْضِ، وَذَلِكَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا بَيْعَ فِيهِ وَلَا خُلَّةَ وَلَا شَفَاعَةَ، وَمِثْلِ: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَلَا بَرْدٌ بَدَلَ وَلَا قُرٌّ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الْهَيْثَمِ وَلَا خَامَةَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا تَقُلْ عِنْدَهُ، تَصِفُ زَوْجَهَا بِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيِّنُ الْجَانِبِ خَفِيفُ الْوَطْأَةِ عَلَى الصَّاحِبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ صِفَةِ اللَّيْلِ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَالْغَيْثُ غَيْثُ غَمَامَةٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: أَرَادَتْ أَنْ لَا شَرَّ فِيهِ يُخَافُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَرَادَتْ بِقَوْلِهَا: وَلَا مَخَافَةَ أَيْ أَنَّ أَهْلَ تِهَامَةَ لَا يَخَافُونَ لِتَحَصُّنِهِمْ بِجِبَالِهَا، أَوْ أَرَادَتْ وَصْفَ زَوْجِهَا بِأَنَّهُ حَامِي الذِّمَارِ مَانِعٌ لِدَارِهِ وَجَارِهِ وَلَا مَخَافَةَ عِنْدَ مَنْ يَأْوِي إِلَيْهِ، ثُمَّ وَصَفَتْهُ بِالْجُودِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَدْ ضَرَبُوا الْمَثَلَ بِلَيْلِ تِهَامَةَ فِي الطِّيبِ لِأَنَّهَا بِلَادٌ حَارَّةٌ فِي غَالِبِ الزَّمَانِ، وَلَيْسَ فِيهَا رِيَاحٌ بَارِدَةٌ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ كَانَ وَهَجُ الْحَرِّ سَاكِنًا فَيَطِيبُ اللَّيْلِ لِأَهْلِهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ أَذَى حَرِّ النَّهَارِ، فَوَصَفَتْ زَوْجَهَا بِجَمِيلِ الْعِشْرَةِ وَاعْتِدَالِ الْحَالِ وَسَلَامَةِ الْبَاطِنِ؛ فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: لَا أَذَى عِنْدَهُ وَلَا مَكْرُوهَ، وَأَنَا آمِنْةٌ مِنْهُ فَلَا أَخَافُ مِنْ شَرِّهِ، وَلَا مَلَلَ عِنْدَهُ فَيَسْأَمُ مِنْ عِشْرَتِي، أَوْ لَيْسَ بِسَيِّئِ الْخُلُقِ فَأَسْأَمُ مِنْ عِشْرَتِهِ، فَأَنَا لَذِيذَةُ الْعَيْشِ عِنْدَهُ كَلَذَّةِ أَهْلِ تِهَامَةَ بِلَيْلِهِمُ الْمُعْتَدِلِ. قَوْلُهُ (قَالَتِ الْخَامِسَةُ: زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَهَد بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْفَهْدِ، وَصَفَتْهُ بِالْغَفْلَةِ عِنْدَ دُخُولِ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهِ الْمَدْحِ لَهُ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: شَبَّهَتْهُ فِي لِينِهِ وَغَفْلَتِهِ بِالْفَهْدِ، لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِالْحَيَاءِ وَقِلَّةِ الشَّرِّ وَكَثْرَةِ النَّوْمِ. وَقَوْلُهُ أَسِدَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ وَكَسْرِ السِّينِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَسَدِ أَيْ يَصِيرُ بَيْنَ النَّاسِ مِثْلَ الْأَسَدِ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: تَصِفُهُ بِالنَّشَاطِ فِي الْغَزْوِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: مَعْنَاهُ إِنْ دَخَلَ الْبَيْتَ وَثْبَ عَلَيَّ وُثُوبِ الْفَهْدِ، وَإِنْ خَرَجَ كَانَ فِي الْإِقْدَامِ مِثْلَ الْأَسَدِ، فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ وَثَبَ عَلَى الْمَدْحِ وَالذَّمِّ، فَالْأَوَّلُ تُشِيرُ إِلَى كَثْرَةِ جِمَاعِهِ لَهَا إِذَا دَخَلَ فَيَنْطَوِي تَحْتَ ذَلِكَ تَمَدُّحُهَا بِأَنَّهَا مَحْبُوبَةٌ لَدَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا إِذَا رَآهَا، وَالذَّمُّ إِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ غَلِيظُ الطَّبْعِ لَيْسَتْ عِنْدَهُ مُدَاعَبَةٌ وَلَا مُلَاعَبَةٌ قَبْلَ الْمُوَاقَعَةِ، بَلْ يَثِبُ وَثَوْبًا كَالْوَحْشِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ سَيِّئَ الْخُلُقِ يَبْطِشُ بِهَا وَيَضْرِبُهَا، وَإِذَا خَرَجَ عَلَى النَّاسِ كَانَ أَمْرُهُ أَشَدَّ فِي الْجَرْأَةِ وَالْإِقْدَامِ وَالْمَهَابَةِ كَالْأَسَدِ. قَالَ عِيَاضٌ: فِيهِ مُطَابَقَةٌ بَيْنَ خَرَجَ وَدَخَلَ لَفْظِيَّةٌ، وَبَيْنَ فَهِدَ وَأَسِدَ مَعْنَوِيَّةٌ، وَيُسَمَّى أَيْضًا الْمُقَابَلَةَ. وَقَوْلُهَا: وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ يَحْتَمِلُ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ أَيْضًا، فَالْمَدْحُ بِمَعْنَى أَنَّهُ شَدِيدُ الْكَرَمِ كَثِيرُ التَّغَاضِي لَا يَتَفَقَّدُ مَا ذَهَبَ مِنْ مَالِهِ، وَإِذَا جَاءَ بِشَيْءٍ لِبَيْتِهِ لَا يَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا يَرَى فِي الْبَيْتِ مِنَ الْمَعَايِبِ، بَلْ يُسَامِحُ وَيُغْضِي. وَيَحْتَمِلُ الذَّمَّ بِمَعْنَى أَنَّهُ غَيْرُ مُبَالٍ بِحَالِهَا حَتَّى لَوْ عَرَفَ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ أَوْ مُعْوَزَّةٌ وَغَابَ ثُمَّ جَاءَ لَا يَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَتَفَقَّدُ حَالَ أَهْلِهِ وَلَا بَيْتِهِ، بَلْ إِنْ عَرَضَتْ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَثَبَ عَلَيْهَا بِالْبَطْشِ وَالضَّرْبِ، وَأَكْثَرُ الشُّرَّاحِ شَرَحُوهُ عَلَى الْمَدْحِ، فَالتَّمْثِيلُ بِالْفَهْدِ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ التَّكَرُّمِ أَوِ الْوُثُوبِ، وَبِالْأَسَدِ مِنْ جِهَةِ الشَّجَاعَةِ، وَبِعَدَمِ السُّؤَالِ مِنْ جِهَةِ الْمُسَامَحَةِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: حَمَلَهُ الْأَكْثَرُ عَلَى الِاشْتِقَاقِ مِنْ خُلُقِ الْفَهْدِ إِمَّا مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ وُثُوبِهِ وَإِمَّا مِنْ كَثْرَةِ نَوْمِهِ، وَلِهَذَا ضَرَبُوا الْمَثَلَ بِهِ فَقَالُوا: أَنْوَمُ مِنْ فَهْدٍ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ كَسْبِهِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمَثَلِ أَيْضًا: أَكْسَبُ مِنْ فَهْدٍ، وَأَصْلُهُ أَنَّ الْفُهُودَ الْهَرِمَةَ تَجْتَمِعُ عَلَى فَهْدٍ مِنْهَا فَتِيٍّ فَيَتَصَيَّدُ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يُشْبِعَهَا، فَكَأَنَّهَا قَالَتْ: إِذَا دَخَلَ الْمَنْزِلَ دَخَلَ مَعَهُ بِالْكَسْبِ لِأَهْلِهِ كَمَا يَجِيءُ الْفَهْدُ لِمَنْ يَلُوذُ بِهِ مِنَ الْفُهُودِ الْهَرِمَةِ. ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي وَصْفِهَا لَهُ بِخُلُقِ الْفَهْدِ مَا قَدْ يَحْتَمِلُ الذَّمَّ مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ النَّوْمِ رَفَعَتِ اللَّبْسَ بِوَصْفِهَا لَهُ بِخُلُقِ الْأَسَدِ، فَأَفْصَحَتْ أَنَّ الْأَوَّلَ سَجِيَّةُ كَرَمٍ وَنَزَاهَةُ شَمَائِلَ وَمُسَامَحَةٌ فِي الْعِشْرَةِ، لَا سَجِيَّةُ جُبْنٍ وَجوْرٍ فِي الطَّبْعِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَقَدْ قَلَبَ الْوَصْفَ بَعْضُ الرُّوَاةِ يَعْنِي كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، فَقَالَ: إِذَا دَخَلَ أَسِدَ وَإِذَا خَرَجَ فَهِدَ، فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَجْلِسِهِ كَانَ عَلَى غَايَةِ الرَّزَانَةِ وَالْوَقَارِ وَحُسْنِ السَّمْتِ، أَوْ عَلَى الْغَايَةِ مِنْ تَحْصِيلِ الْكَسْبِ، وَإِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ كَانَ مُتَفَضِّلًا مُوَاسِيًا لِأَنَّ الْأَسَدَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ إِذَا افْتَرَسَ أَكَلَ مِنْ فَرِيسَتِهِ بَعْضًا وَتَرَكَ الْبَاقِيَ لَمِنْ حَوْلَهُ مِنَ الْوُحُوشِ وَلِمَ يُهَاوِشْهُمْ عَلَيْهَا، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ فِي آخِرِهِ: وَلَا يَرْفَعُ الْيَوْمَ لِغَدٍ، يَعْنِي لَا يُدْخِر مًّا حَصَلَ عِنْدَهُ الْيَوْمَ مِنْ أَجْلِ الْغَدِ، فَكَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ غَايَةِ جُودِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِالْحَزْمِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ فَلَا يُؤَخِّرُ مَا يَجِبُ عَمَلُهُ الْيَوْمَ إِلَى غَدِهِ. قَوْلُهُ (قَالَتِ السَّادِسَةُ: زَوْجِي إِنَّ أَكَلَ لَفَّ، وَإِنَّ شَرِبَ اشْتَفَّ، وَإِنِ اضْطَجَعَ الْتَفَّ، وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ إِذَا أَكَلَ اقْتَفَّ وَفِيهِ وَإِذَا نَامَ بَدَلَ اضْطَجَعَ، وَزَادَ وَإِذَا ذَبَحَ اغْتَثَّ أَيْ تَحَرَّى الْغَثَّ وَهُوَ الْهَزِيلُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ كَلَامِ الْأُولَى. وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ وَلَا يُدْخِلُ بَدَلَ يُولِجُ وإِذَا رَقَدَ بَدَلَ اضْطَجَعَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ فَيَعْلَمُ بِالْفَاءِ بَدَلَ اللَّامِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، وَالْمُرَادُ بِاللَّفِّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ وَاسْتِقْصَاؤُهُ حَتَّى لَا يَتْرُكَ مِنْهُ شَيْئًا، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْإِكْثَارُ مَعَ التَّخْلِيطِ، يُقَالُ: لَفَّ الْكَتِيبَةَ بِالْأُخْرَى إِذَا خَلَطَهَا فِي الْحَرْبِ، وَمِنْهُ اللَّفِيفُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَتْ أَنَّهُ يَخْلِطُ صُنُوفَ الطَّعَامِ مِنْ نَهْمَتِهِ وَشَرَهِهِ ثُمَّ لَا يُبْقِي مِنْهُ شَيْئًا. وَحَكَى عِيَاضٌ رِوَايَةَ مَنْ رَوَاهُ رَفَّ بِالرَّاءِ بَدَلَ اللَّامِ، قَالَ: وَهِيَ بِمَعْنَاهَا، وَرِوَايَةِ مِنْ رَوَاهُ اقْتَفَّ بِالْقَافِ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ التَّجْمِيعُ، قَالَ الْخَلِيلُ: قَفَافُ كُلِّ شَيْءٍ جِمَاعُهُ وَاسْتِيعَابُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْقُفَّةُ لِجَمْعِهَا مَا وُضِعَ فِيهَا، وَالِاشْتِفَافُ فِي الشُّرْبِ اسْتِقْصَاؤُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّفَافَةِ بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيفِ وَهِيَ الْبَقِيَّةُ تَبْقَى فِي الْإِنَاءِ، فَإِذَا شَرِبَهَا الَّذِي شَرِبَ الْإِنَاءَ، قِيلَ: اشْتَفَّهَا. وَمِنْهُمْ مِنْ رَوَاهَا بِالْمُهْمَلَةِ وَهِيَ بِمَعْنَاهَا. وَقَوْلُهُ الْتَفَّ أَيْ رَقَدَ نَاحِيَةً وَتَلَفَّفَ بِكِسَائِهِ وَحْدَهُ وَانْقَبَضَ عَنْ أَهْلِهِ إِعْرَاضًا، فَهِيَ كَئِيبَةٌ حَزِينَةٌ لِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَتْ: وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ، أَيْ لَا يَمُدُّ يَدَهُ لِيَعْلَمَ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُزْنِ فَيُزِيلَهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ يَنَامُ نَوْمَ الْعَاجِزِ الْفَشِلِ الْكَسِلِ، وَالْمُرَادُ بِالْبَثِّ الْحُزْنُ وَيُقَالُ شِدَّةُ الْحُزْنِ، وَيُطْلَقَ الْبَثُّ أَيْضًا عَلَى الشَّكْوَى وَعَلَى الْمَرَضِ وَعَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَا يُصْبَرُ عَلَيْهِ، فَأَرَادَتْ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ عَنِ الْأَمْرِ الَّذِي يَقَعُ اهْتِمَامُهَا بِهِ، فَوَصَفَتْهُ بِقِلَّةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ أن لَوْ رَآهَا عَلِيلَةً لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي ثَوْبِهَا لِيَتَفَقَّدَ خَبَرَهَا كَعَادَةِ الْأَجَانِبِ فَضْلًا عَنِ الْأَزْوَاجِ، أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ تَرْكِ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ عَنْ تَرْكِ الْجِمَاعِ كَمَا سَيَأْتِي. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كَانَ فِي جَسَدِهَا عَيْبٌ فَكَّانِ لَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِي ثَوْبِهَا لِيَلْمِسِ ذَلِكَ الْعَيْبَ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَيْهَا، فَمَدَحَتْهُ بِذَلِكَ. وَقَدْ تَعَقَّبَهُ كُلُّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ إِلَّا النَّادِرَ، وقَالُوا: إِنَّمَا شَكَتْ مِنْهُ وَذَمَّتْهُ وَاسْتَقْصَرَتْ حَظَّهَا مِنْهُ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهَا قَبْلُ: وَإِذَا اضْطَجَعَ الْتَفَّ كَأَنَّهَا قَالَتْ إِنَّهُ يَتَجَنَّبُهَا وَلَا يُدْنِيهَا مِنْهُ وَلَا يُدْخِلُ يَدَهِ فِي جَنْبِهَا فَيَلْمِسُهَا وَلَا يُبَاشِرُهَا وَلَا يَكُونُ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ، فَيُعْلَمُ بِذَلِكَ مَحَبَّتُهَا لَهُ وَحُزْنُهَا لِقِلَّةِ حَظِّهَا مِنْهُ، وَقَدْ جَمَعَتْ فِي وَصْفِهَا لَهُ بَيْنَ اللُّؤْمِ وَالْبُخْلِ وَالْنهِمَّةِ وَالْمَهَانَةِ وَسُوءِ الْعِشْرَةِ مَعَ أَهْلِهِ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَذُمُّ بِكَثْرَةِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَتَتَمَدَّحُ بِقِلَّتِهَمَا وَبِكَثْرَةِ الْجِمَاعِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى صحةِ الذُّكُورِيَّةِ والفُحُولِيَّةِ. وَانْتَصَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، لِأَبِي عُبَيْدٍ، فَقَالَ: لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ تَجْمَعَ الْمَرْأَةُ بَيْنَ مَثَالِبِ زَوْجِهَا ومِنْاقِبِهِ، لِأَنَّهُنَّ كُنْ تَعَاهَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ صِفَاتِهِمْ شَيْئًا، فَمِنْهُنَّ مِنْ وَصَفَتْ زَوْجَهَا بِالْخَيْرِ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَمِنْهُنَّ مِنْ وَصْفَتْهُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَمِنْهُنَّ مِنْ جَمَعَتْ. وَارْتَضَى الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الِانْتِصَارَ، وَاسْتَدَلَّ عِيَاضٌ لِلْجُمْهُورِ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي الْحُسَامِ أَنَّ عُرْوَةَ ذَكَرَ هَذِهِ فِي الْخَمْسِ اللَّاتِي يَشُكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَإِنه ذَكَرَ فِي رِوَايَتِهِ الثَّلَاثَ الْمَذْكُورَاتِ هُنَا أَوَّلًا عَلَى الْوَلَاءِ، ثُمَّ السَّابِعَةَ الْمَذْكُورَةَ عَقِبَ هَذَا، ثُمَّ السَّادِسَةَ هَذِهِ فَهِيَ خَامِسَةٌ عِنْدَهُ، وَالسَّابِعَةُ رَابِعَةٌ، قَالَ: وَيُؤَيِّدُ أَيْضًا قَوْلَ الْجُمْهُورِ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لِهَذِهِ الْكِنَايَةِ عَنْ تَرْكِ الْجِمَاعِ وَالْمُلَاعَبَةِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ فِي قِصَّةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مَعَ زَوْجِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حَيْثُ سَأَلَهَا عَنْ حَالِهَا مَعَ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: هُوَ كَخَيْرِ الرِّجَالِ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا، وَسَبَقَ أَيْضًا في حَدِيثِ الْإِفْكِ قَوْلُ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ: مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ، فَعَبَّرَ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالنِّسَاءِ بِكَشْفِ الْكَنَفِ وَهُوَ الْغِطَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهَا وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ كِنَايَةً عَنْ تَرْكِ تَفَقُّدِهِ أُمُورَهَا وَمَا تَهْتَمُّ بِهِ مِنْ مَصَالِحِهَا، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْأَمْرِ أَيْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِهِ وَلَمْ يَتَفَقَّدْهُ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا جَزَمَ بِمَعْنَاهُ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ لَا يَنْظُرُ فِي أَمْرِ أَهْلِهِ وَلَا يُبَالِي أَنْ يَجُوعُوا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَاصِحٍ: مَعْنَاهُ لَا يَتَفَقَّدُ أُمُورِي لِيَعْلَمَ مَا أَكْرَهُهُ فَيُزِيلَهُ، يُقَالُ: مَا أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْأَمْرِ أَيْ لَمْ يَتَفَقَّدْهُ. قَوْلُهُ (قَالَتِ السَّابِعَةُ: زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ خَفِيفَةٌ ثُمَّ أُخْرَى بَعْدَ الْأَلِفِ الْأُولَى وَالَّتِي بَعْدَهَا بِمُهْمَلَةٍ، وَهُوَ شَكٌّ مِنْ رَاوِي الْخَبَرِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو يُعْلَى فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ خَبَّابٍ عَنْهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ غَيَايَاءُ بِمُعْجَمَةٍ بِغَيْرِ شَكٍّ، والْغَيَايَاءُ الطَّبَاقَاءُ الْأَحْمَقُ الَّذِي يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعَيَايَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ الَّذِي لَا يَضْرِبُ وَلَا يُلَقِّحُ مِنَ الْإِبِلِ وَبِالْمُعْجَمَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالطَّبَاقَاءِ الْأَحْمَقُ الْفَدْمُ: وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: الطَّبَاقَاءُ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الضِّرَابَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَأْكِيدًا لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ كَقَوْلِهِمْ بُعْدًا وَسُحْقًا. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: قَوْلُهُ غَيَايَاءُ بِالْمُعْجَمَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَيِّ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعِيِّ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْعَيَايَاءُ بِالْمُهْمَلَةِ الْعِيُّ الَّذِي تُعْيِيهِ مُبَاضَعَةُ النِّسَاءِ، وَأَرَاهُ مُبَالَغَةً مِنَ الْعِيِّ فِي ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هُوَ الْعَيِيُّ الَّذِي لَا يَهْتَدِي. وَقَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: الْغَيَايَاءُ بِالْمُعْجَمَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الْغَيَايَةِ وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ أَظَلَّ الشَّخْصَ فَوْقَ رَأْسِهِ، فَكَأَنَّهُ مُغَطًّى عَلَيْهِ مِنْ جَهْلِهِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ احْتِمَالًا جَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ: غَيَايَاءُ بِالْمُعْجَمَةِ صَحِيحٌ، وَهُوَ مأخوذٌ مِنَ الْغَيايَةِ وَهِيَ الظُّلْمَةُ، وَكُلُّ مَا أَظَلَّ الشَّخْصَ، وَمَعْنَاهُ لَا يَهْتَدِي إِلَى مَسْلَكٍ. أَوْ أَنَّهَا وَصَفَتْهُ بِثِقَلِ الرُّوحِ، وَأَنَّهُ كَالظِّلِّ الْمُتَكَاثِفِ الظُّلْمَةِ الَّذِي لَا إِشْرَاقَ فِيهِ، أَوْ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ غُطِّيَتْ عَلَيْهِ أُمُورُهُ. أَوْ يَكُونُ غَيَايَاءُ مِنَ الْغَيِّ وَهُوَ الِانْهِمَاكُ فِي الشَّرِّ، أَوْ مِنَ الْغَيِّ الَّذِي هُوَ الْخَيْبَةُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: الطَّبَاقَاءُ الْمُطْبِقُ عَلَيْهِ حُمْقًا. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: الَّذِي تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أُمُورُهُ. وَعَنِ الْجَاحِظِ: الثَّقِيلُ الصَّدْرِ عِنْدَ الْجِمَاعِ يَنْطَبِقُ صَدْرُهُ عَلَى صَدْرِ الْمَرْأَةِ فَيَرْتَفِعُ سُفْلُهُ عَنْهَا، وَقَدْ ذَمَّتِ امْرَأَةٌ امْرَأَ الْقَيْسِ فَقَالَتْ لَهُ: ثَقِيلُ الصَّدْرِ، خَفِيفُ الْعُجُزِ، سَرِيعُ الْإِرَاقَةِ، بَطِيءُ الْإِفَاقَةِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ وَصْفِهَا لَهُ بِالْعَجْزِ عِنْدَ الْجِمَاعِ وَبَيْنَ وَصْفِهَا بِثَقِلِ الصَّدْرِ فِيهِ لِاحْتِمَالِ تَنْزِيلِهِ عَلَى حَالَتَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا مَذْمُومٌ، أَوْ يَكُونُ إِطْبَاقُ صَدْرِهِ مِنْ جُمْلَةِ عَيْبِهِ وَعَجْزِهِ وَتَعَاطِيهِ مَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ فَسَّرَ عَيَايَاءَ بِأَنَّهُ الْعِنِّينُ. وَقَوْلُهَا كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ أَيْ كُلُّ شَيْءٍ تَفَرَّقَ فِي النَّاسِ مِنَ الْمَعَايِبِ مَوْجُودٌ فِيهِ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا لَهُ دَاءٌ خَبَرًا لِـ كُلُّ، أَيْ أَنَّ كُلَّ دَاءٍ تَفَرَّقَ فِي النَّاسِ فَهُوَ فِيهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ صِفَةً لِدَاءٍ، وَدَاءٌ خَبَر لِـ كُلُّ، أَيْ كُلُّ دَاءٍ فيه فِي غَايَةِ التَّنَاهِي، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ زَيْدًا لَزَيْدٌ، وَإِنَّ هَذَا الْفَرَسَ لَفَرَسٌ. قَالَ عِيَاضٌ: وَفِيهِ مِنْ لَطِيفِ الْوَحْيِ وَالْإِشَارَةِ الغاية لِأَنَّهُ انْطَوَى تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ كَلَامٌ كَثِيرٌ. وَقَوْلُهَا: شَجَّكِ بِمُعْجَمَةٍ أَوَّلَهُ وَجِيمٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ جَرَحَكِ فِي رَأْسِكِ، وَجِرَاحَاتُ الرَّأْسِ تُسَمَّى شِجَاجًا وَقَوْلُهَا: أَوْ فَلَّكِ بِفَاءٍ ثُمَّ لَامٍ ثَقِيلَةٍ أَيْ جَرَحَ جَسَدَكِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: بِهِنَّ فُلُولٌ أَيْ ثُلَمٌ جَمْعُ ثُلْمَةٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَزَعَ مِنْكِ كُلَّ مَا عِنْدَكِ أَوْ كَسَرَكِ بِسَلَاطَةِ لِسَانِهِ وَشِدَّةِ خُصُومَتِهِ. زَادَ ابْنُ السِّكِّيتِ فِي رِوَايَتِهِ أَوْ بَجَّكِ بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ جِيمٍ، أَيْ طَعَنَكِ فِي جِرَاحَتِكِ فَشَقَّهَا، وَالْبَجُّ شَقُّ الْقُرْحَةِ، وَقِيلَ: هُوَ الطَّعْنَةُ. وَقَوْلُهَا أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ إِنْ حَدَّثْتِهِ سَبَّكِ، وَإِنْ مَازَحْتِهِ فَلَّكِ، وَإِلَّا جَمَعَ كُلًّا لَكِ، وَهِيَ تُوَضِّحُ أَنَّ أَوْ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّخْيِيرِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ أَنَّهُ ضَرُوبٌ لِلنِّسَاءِ، فَإِذَا ضَرَبَ إِمَّا أَنْ يَكْسِرَ عَظْمًا أَوْ يَشُجَّ رَأْسًا أَوْ يَجْمَعَهُمَا. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْفَلِّ الطَّرْدَ وَالْإِبْعَادَ، وَبِالشَّجِّ الْكَسْرَ عِنْدَ الضَّرْبِ، وَإِنْ كَانَ الشَّجُّ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي جِرَاحَةِ الرَّأْسِ. قَالَ عِيَاضٌ: وَصَفَتْهُ بِالْحُمْقِ، وَالتَّنَاهِي فِي سُوءِ الْعِشْرَةِ، وَجَمْعِ النَّقَائِصِ بِأَنْ يَعْجِزَ عَنْ قَضَاءِ وَطَرِهَا مَعَ الْأَذَى، فَإِذَا حَدَّثَتْهُ سَبَّهَا، وَإِذَا مَازَحَتْهُ شَجَّهَا، إِذَا أَغْضَبَتْهُ كَسَرَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهَا أَوْ شَقَّ جِلْدَهَا أَوْ أَغَارَ عَلَى مَالِهَا أَوْ جَمَعَ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الضَّرْبِ وَالْجَرْحِ وَكَسْرِ الْعُضْوِ وَمُوجِعِ الْكَلَامِ وَأَخَذِ الْمَالِ. قَوْلُهُ (قَالَتِ الثَّامِنْةُ: زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ زَادَ الزُّبَيْرُ فِي رِوَايَتِهِ وَأَنَا أَغْلِبُهُ وَالنَّاسَ يَغْلِبُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عُقْبَةَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ عُمَرَ عِنْدَهُ، وَكَذَا لِلطَّبَرَانِي لَكِنْ بِلَفْظِ وَنَغْلِبُهُ بِنُونِ الْجَمْعِ، وَالْأَرْنَبُ دُوَيْبَةٌ لَيِّنَةُ الْمَسِّ نَاعِمَةُ الْوَبَرِ جِدًّا، وَالزَّرْنَبُ بِوَزْنِ الْأَرْنَبِ لَكِنَّ أَوَّلَهُ زَايٌ وَهُوَ نَبْتٌ طَيِّبُ الرِّيحِ، وَقِيلَ: هُوَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ بِالشَّامِ بِجَبَلِ لُبْنَانَ لَا تُثْمِرُ لَهَا وَرَقٌ بَيْنَ الْخُضْرَةِ وَالصُّفْرَةِ، كَذَا ذَكَرَهُ عِيَاضٌ، وَاسْتَنْكَرَهُ ابْنُ الْبَيْطَارِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ الْمُفْرَدَاتِ، وَقِيلَ: هُوَ حَشِيشَةٌ دَقِيقَةٌ طَيِّبَةُ الرَّائِحَةِ وَلَيْسَتْ بِبِلَادِ الْعَرَبِ، وَإِنْ كَانُوا ذَكَرُوهَا، قَالَ الشَّاعِرُ: يَا بِأَبِي أَنْتَ وَفُوكَ الْأَشْنَبُ … كَأَنَّمَا ذُرَّ عَلَيْهِ الزَّرْنَبُ وَقِيلَ: هُوَ الزَّعْفَرَانُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَاللَّامُ فِي الْمَسِّ وَالرِّيحِ نَائِبَةٌ عَنِ الضَّمِيرِ أَيْ مَسُّهُ وَرِيحُهُ. أَوْ فِيهِمَا حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ الرِّيحُ مِنْهُ وَالْمَسُّ مِنْهُ، كَقَوْلِهِمْ: السَّمْنُ مَنَوَانِ بِدِرْهَمٍ. وَصَفَتْهُ بِأَنَّهُ لَيِّنُ الْجَسَدِ نَاعِمُهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ حُسْنِ خُلُقِهِ وَلِينِ عَرِيكَتِهِ بِأَنَّهُ طَيَّبُ الْعَرَقِ لِكَثْرَةِ نَظَافَتِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ الطِّيبَ تَظَرُّفًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ طِيبِ حَدِيثِهِ أَوْ طِيبِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ لِجَمِيلِ مُعَاشَرَتِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهَا وَأَنَا أَغْلِبُهُ وَالنَّاسَ يَغْلِبُ فَوَصَفَتْهُ مَعَ جَمِيلِ عِشْرَتِهِ لَهَا وَصَبْرِهِ عَلَيْهَا بِالشَّجَاعَةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَغْلِبْنَ الْكِرَامَ وَيَغْلِبُهُنَّ اللِّئَامُ، قَالَ عِيَاضٌ: هَذَا مِنَ التَّشْبِيهِ بِغَيْرِ أَدَاةٍ، وَفِيهِ حُسْنُ الْمُنَاسَبَةِ وَالْمُوَازِنَةِ وَالتَّسْجِيعِ. وَأَمَّا قَوْلُهَا: وَالنَّاسَ يَغْلِبُ؛ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْبَدِيعِ يُسَمَّى التَّتْمِيمَ، لِأَنَّهَا لَوِ اقْتَصَرَتْ عَلَى قَوْلِهَا: وَأَنَا أَغْلِبُهُ لَظُنَّ أَنَّهُ جَبَانٌ ضَعِيفٌ، فَلَمَّا قَالَتْ: وَالنَّاسَ يَغْلِبُ دَلَّ عَلَى أَنَّ غَلْبَهَا إِيَّاهُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ كَرَمِ سَجَايَاهُ؛ فَتَمَّمَتْ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمبَالِغَةِ فِي حُسْنِ أَوْصَافِهِ. قَوْلُهُ (قَالَتِ التَّاسِعَةُ: زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ، طَوِيلُ النِّجَادِ، عَظِيمُ الرَّمَادِ، قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادِ) زَادَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي رِوَايَتِهِ: لَا يَشْبَعُ لَيْلَةً يُضَافُ وَلَا يَنَامُ لَيْلَةً يَخَافُ، وَصَفَتْهُ بِطُولِ الْبَيْتِ وَعُلُوِّهِ فَإِنَّ بُيُوتَ الْأَشْرَافِ كَذَلِكَ يُعْلُونَهَا وَيَضْرِبُونَهَا فِي الْمَوَاضِعِ الْمُرْتَفِعَةِ لِيَقْصِدَهُمُ الطَّارِقُونَ وَالْوَافِدُونَ، فَطُولُ بُيُوتِهِمْ إِمَّا لِزِيَادَةِ شَرَفِهِمْ أَوْ لِطُولِ قَامَاتِهِمْ، وَبُيُوتُ غَيْرِهِمْ قِصَارٌ، وَقَدْ لَهِجَ الشُّعَرَاءُ بِمَدْحِ الْأَوَّلِ وَذَمِّ الثَّانِي كَقَوْلِهِ: قِصَارُ الْبُيُوتِ لَا تَرَى صِهْوَاتِهَا، وَقَالَ آخَرُ: إِذَا دَخَلُوا بُيُوتَهُمْ أَكَبُّوا … عَلَى الرُّكْبَاتِ مِنْ قِصَرِ الْعِمَادِ وَمِنْ لَازِمِ طُولِ الْبَيْتِ أَنْ يَكُونَ مُتَّسِعًا فَيَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْحَاشِيَةِ وَالْغَاشِيَةِ، وَقِيلَ: كَنَّتْ بِذَلِكَ عَنْ شَرَفِهِ وَرِفْعَةِ قَدْرِهِ. وَالنِّجَادُ بِكَسْرٍ النُّونِ وَجِيمٍ خَفِيفَةٍ حَمَّالَةُ السَّيْفِ، تُرِيدُ أَنَّهُ طَوِيلُ الْقَامَةِ يَحْتَاجُ إِلَى طُولِ نِجَادِهِ، وَفِي ضِمْنِ كَلَامِهَا أَنَّهُ صَاحِبُ سَيْفٍ فَأَشَارَتْ إِلَى شَجَاعَتِهِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَمَادَحُ بِالطُّولِ وَتَذُمُّ بِالْقِصَرِ. وَقَوْلُهَا عَظِيمُ الرَّمَادِ تَعْنِي أَنَّ نَارَ قِرَاهُ لِلْأَضْيَافِ لَا تُطْفَأُ لِتَهْتَدِيَ الضِّيفَانُ إِلَيْهَا فَيَصِيرُ رَمَادُ النَّارِ كَثِيرًا لِذَلِكَ، وَقَوْلُهَا قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادْ وَقَفَتْ عَلَيْهَا بِالسُّكُونِ لِمُؤَاخَاةِ السَّجْعِ، وَالنَّادِي وَالنَّدِّيُّ مَجْلِسُ الْقَوْمِ، وَصَفَتْهُ بِالشَّرَفِ فِي قَوْمِهِ، فَهُمْ إِذَا تَفَاوَضُوا وَاشْتَوَرُوا فِي أَمْرٍ أَتَوْا فَجَلَسُوا قَرِيبًا مِنْ بَيْتِهِ فَاعْتَمَدُوا عَلَى رَأْيِهِ وَامْتَثَلُوا أَمْرَهُ، أَوْ أَنَّهُ وَضَعَ بَيْتَهُ فِي وَسَطِ النَّاسِ لِيَسْهُلَ لِقَاؤُهُ، وَيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى الْوَارِدِ وَطَالِبِ الْقِرَى، قَالَ زُهَيْرٌ: بَسَطَ الْبُيُوتَ لِكَيْ يَكُونَ مَظِنَّةً … مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ الْمُسْتَرْفدِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ أَنْ أَهْلَّ النَّادِي إِذَا أَتَوْهُ لَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِمْ لِقَاؤُهُ لِكَوْنِهِ لَا يَحْتَجِبُ عَنْهُمْ وَلَا يَتَبَاعَدُ مِنْهُمْ بَلْ يَقْرُبُ وَيَتَلَقَّاهُمْ وَيُبَادِرُ لِإِكْرَامِهِمْ، وَضِدُّهُ مَنْ يَتَوَارَى بِأَطْرَافِ الْحُلَلِ وَأَغْوَارِ الْمَنَازِلِ، وَيَبْعُدُ عَنْ سَمْتِ الضَّيْفِ لِئَلَّا يَهْتَدُوا إِلَى مَكَانِهِ، فَإِذَا اسْتَبْعَدُوا مَوْضِعَهُ صَدُّوا عَنْهُ وَمَالُوا إِلَى غَيْرِهِ. وَمُحَصِّلُ كَلَامِهَا أَنَّهَا وَصَفَتْهُ بِالسِّيَادَةِ وَالْكَرَمِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَطِيبِ الْمُعَاشَرَةِ. قَوْلُهُ (قَالَتِ الْعَاشِرَةُ: زَوْجِي مَالِكٌ، وَمَا مَالِكٌ؟، مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ، وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَالزُّبَيْرِ الْمَبَارِحُ بَدَلَ الْمَبَارِكِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى الْمَزَاهِرُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَعِنْدَ الزُّبَيْرِ الضَّيْفُ بَدَلَ الْمِزْهَرِ. وَالْمَبَارِكُ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ مَبْرَكٍ وَهُوَ مَوْضِعُ نُزُولِ الْإِبِلِ، وَالْمَسَارِحُ جَمْعُ مَسْرَحٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُطْلَقُ لِتَرْعَى فِيهِ، وَالْمِزْهَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَفَتْحِ الْهَاءِ آلَةٌ مِنْ آلَاتِ اللَّهْوِ، وَقِيلَ: هِيَ الْعُودُ وَقِيلَ دُفٌّ مُرَبَّعٌ، وَأَنْكَرَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ تَفْسِيرَ الْمِزْهَرِ بِالْعُودِ؛ فَقَالَ: مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَعْرِفُ الْعُودَ إِلَّا مَنْ خَالَطَ الْحَضَرَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ وَهُوَ الَّذِي يُوقِدُ النَّارَ فَيُزْهِرُهَا لِلضَّيْفِ، فَإِذَا سَمِعَتِ الْإِبِلُ صَوْتَهُ وَمَعْمَعَانَ النَّارِ عَرَفَتْ أَنَّ ضَيْفًا طَرَقَ فَتَيَقَّنَتِ الْهَلَاكَ. وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ رَوَوْهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ، ثُمَّ قَالَ: وَمِنَ الَّذِي أَخْبَرَهُ أَنَّ مَالِكًا الْمَذْكُورَ لَمْ يُخَالِطِ الْحَضَرَ وَلَا سِيَّمَا مَعَ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُنَّ كُنَّ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْيَمَنِ وَفِي الْأُخْرَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَقَدْ كَثُرَ ذِكْرُ الْمِزْهَرِ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ جَاهِلِيَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا بَدَوِيِّهَا وَحَضَرِيِّهَا اهـ. وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَيْضًا وُرُودُهُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَإِنَّهُ بِعَيْنِهِ لِلْآلَةِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَعْقُوبَ بْنِ السِّكِّيتِ، وَابْنِ الْأَنْبَارِيِّ مِنَ الزِّيَادَةِ وَهُوَ أمام الْقَوْمُ فِي الْمَهَالِكِ؛ فَجَمَعَتْ فِي وَصْفِهَا لَهُ بَيْنَ الثَّرْوَةِ وَالْكَرَمِ وَكَثْرَةِ الْقِرَى وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ وَالْمُبَالَغَةِ فِي صِفَاتِهِ، وَوَصَفَتْهُ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ بِالشَّجَاعَةِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَهَالِكِ الْحُرُوبُ، وَهُوَ لِثِقَتِهِ بِشَجَاعَتِهِ يَتَقَدَّمُ رُفْقَتَهُ، وَقِيلَ: أَرَادَتْ أَنَّهُ هَادٍ فِي السُّبُلِ الْخَفِيَّةِ عَالِمٌ بِالطَّرْقِ فِي الْبَيْدَاءِ، فَالْمُرَادُ عَلَى هَذَا بِالْمَهَالِكِ الْمَفَاوِزُ، وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ومَا فِي قَوْلِهَا: وَمَا مَالِكٌ اسْتِفْهَامِيَّةٌ يُقَالُ للِتَّعْظِيمِ وَالتَّعَجُّبِ، وَالْمَعْنَى وَأَيُّ شَيْءٍ هُوَ مَالِكٌ مَا أَعْظَمَهُ وَأَكْرَمَهُ. وَتَكْرِيرُ الِاسْمِ أُدْخِلَ فِي بَابِ التَّعْظِيمِ. وَقَوْلُهَا مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي الْإِعْظَامِ، وَتَفْسِيرٌ لِبَعْضِ الْإِبْهَامِ، وَأَنَّهُ خَيْرٌ مِمَّا أُشِيرَ إِلَيْهِ مِنْ ثَنَاءٍ وَطِيبِ ذِكْرٍ، وَفَوْقَ مَا اعْتُقِدَ فِيهِ مِنْ سُؤْدُدٍ وَفَخْرٍ، وَهُوَ أَجَلُّ مِمّن أَصِفُهُ لِشُهْرَةِ فَضْلِهِ. وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ بِقَوْلِهَا: ذَلِكَ إِلَى مَا تَعْتَقِدُهُ فِيهِ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ، وَالتَّعْمِيمُ يُسْتَفَادُ مِنَ الْمَقَامِ كَمَا قِيلَ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، أَيْ كُلُّ تَمْرَةٍ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ جَرَادَةٍ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي ذِهْنِ الْمُخَاطَبِ، أَيْ مَالِكٌ خَيْرٌ مِمَّا فِي ذِهْنِكَ مِنْ مَالِكِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ خَيْرٌ مِمَّا سَأَصِفُهُ بِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا تُقُدِّمُ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى الَّذِينَ قَبِلَهُ، وَأَنْ مَالِكًا أَجْمَعُ مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُ لِخِصَالِ السِّيَادَةِ وَالْفَضْلِ. وَمَعْنَى قَوْلِهَا: قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ أَنَّهُ لِاسْتِعْدَادِهِ لَلضِّيفَانِ بِهَا لَا يُوَجِّهُ مِنْهُنَّ إِلَى الْمَسَارِحِ إِلَّا قَلِيلًا، وَيَتْرُكُ سَائِرَهُنَّ بِفِنَائِهِ، فَإِنْ فَاجَأَهُ ضَيْفٌ وَجَدَ عِنْدَهُ مَا يَقْرِيهِ بِهِ مِنْ لُحُومِهَا وَأَلْبَانِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: حَبَسْنَا وَلَمْ نُسَرِّحْ لِكَيْلا يَلُومَنَا … عَلَى حُكْمِهِ صَبْرًا مُعَوِّدَةُ الْحَبْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهَا قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ الْإِشَارَةَ إِلَى كَثْرَةِ طُرُوقِ الضِّيفَانِ، فَالْيَوْمَ الَّذِي يَطْرُقُهُ الضَّيْفُ فِيهِ لَا تُسَرَّحُ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهَا حَاجَتَهُ لِلضِّيفَانِ، وَالْيَوْمَ الَّذِي يَطْرُقُهُ فِيهِ أَحَدٌ أَوْ يَكُونُ هُوَ فِيهِ غَائِبًا تُسَرَّحُ كُلُّهَا، فَأَيَّامُ الطُّرُوقِ أَكْثَرُ مِنْ أَيَّامِ عَدَمِهِ، فَهِيَ لِذَلِكَ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ. وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ اعْتِرَاضُ من قال: لَوْ كَانَتْ قَلِيلَاتِ الْمَسَارِحِ لَكَانَتْ فِي غَايَةِ الْهُزَالِ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَثْرَةِ الْمَبَارِكِ أَنَّهَا كَثِيرًا مَا تُثَارُ فَتَحْلِبُ ثُمَّ تُتْرَكُ فَتَكْثُرُ مَبَارِكُهَا لِذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَبَارِكَهَا عَلَى الْعَطَايَا وَالْحَمَّالَاتِ وَأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَقِرَى الْأَضْيَافِ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا يَسْرَحُ مِنْهَا مَا فَضَلَ عَنْ ذَلِكَ. فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا فِي الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ وَلِذَلِكَ كَانَتْ مَبَارِكُهَا كَثِيرَةً، ثُمَّ إِذَا سَرَحَتْ صَارَتْ قَلِيلَةً لِأَجْلِ مَا ذَهَبَ مِنْهَا. وَأَمَّا رِوَايَةُ مِنْ رَوَى عَظِيمَاتُ الْمَبَارِكِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهَا مِنْ سِمَنِهَا وَعِظَمِ جُثَّثِهَا تَعْظُمُ مَبَارِكُهَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّهَا إِذَا بَرَكَتْ كَانَتْ كَثِيرَةً لِكَثْرَةِ مَنْ يَنْضَمُّ إِلَيْهَا مِمَّنْ يَلْتَمِسُ الْقِرَى، وَإِذَا سَرَحَتْ سَرَحَتْ وَحْدَهَا فَكَانَتْ قَلِيلَةً بِالنِّسْبَةِ لِذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقِلَّةِ مَسَارِحِهَا قِلَّةَ الْأَمْكِنَةِ الَّتِي تَرْعَى فِيهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَأَنَّهَا لَا تُمَكَّنُ مِنَ الرَّعْيِ إِلَّا بِقُرْبِ الْمَنَازِلِ لِئَلَّا يَشُقَّ طَلَبُهَا إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهَا. وَيَكُونُ مَا قَرُبَ مِنَ الْمَنْزِلِ كَثِيرَ الْخِصْبِ لِئَلَّا تُهْزَلَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سَعْيدِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ أَبُو مَالِكٍ وَمَا أَبُو مَالِكٍ، ذُو إِبِلٍ كَثِيرَةِ الْمَسَالِكِ قَلِيلَةِ الْمَبَارِكِ، قَالَ عِيَاضٌ: إِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهْمًا فَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَثِيرَةٌ فِي حَالِ رَعْيِهَا إِذَا ذَهَبَتْ، قَلِيلَةٌ فِي حَالِ مَبَارِكِهَا إِذَا قَامَتْ، لِكَثْرَةِ مَا يَنْحَرُ مِنْهَا وَمَا يَسْلُكُ مِنْهَا فِيهِ مِنْ مَسَالِكَ الْجُودِ مِنْ رَفْدٍ وَمَعُونَةٍ وَحَمْلٍ وَحَمَّالَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهَا أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ؛ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَثُرَتْ عَادَتُهُ بِنَحْرِ الْإِبِلِ لِقِرَى الضِّيفَانِ، وَمِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَسْقِيَهُمْ وَيُلْهِيَهُمْ أَوْ يَتَلَقَّاهُمْ بِالْغِنَاءِ مُبَالَغَةً فِي الْفَرَحِ بِهِمْ صَارَتِ الْإِبِلُ إِذَا سَمِعَتْ صَوْتَ الْغِنَاءِ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُنْحَرُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَمْ تُرِدْ فَهْمَ الْإِبِلِ لِهَلَاكِهَا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ يَعْرِفُهُ مَنْ يَعْقِلُ أُضِيفَ إِلَى الْإِبِلِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قَوْلُهُ (قَالَتِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَادِي عَشْرَةَ وَفِي بَعْضِهَا الْحَادِيَةَ عَشَرَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ وَهِيَ أُمُّ زَرْعٍ بِنْتُ أُكَيْمِلِ بْنِ سَاعِدَةَ. قَوْلُهُ (زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ نَكَحْتُ أَبَا زَرْعٍ. قَوْلُهُ (فَمَا أَبُو زَرْعٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَمَا أَبُو زَرْعٍ، وَهُوَ الْمَحْفُوظُ لِلْأَكْثَرِ، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي رِوَايَةٍ صَاحِبُ نَعَمٍ وَزَرْعٍ. قَوْلُهُ (أَنَاسَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُهْمَلَةٌ أَيْ حَرَّكَ. قَوْلُهُ (مِنْ حُلِيٍّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ (أُذُنَيَّ بِالتَّثْنِيَةِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ مَلَأَ أُذُنَيْهَا بِمَا جَرَتْ عَادَةُ النِّسَاءُ مِنَ التَّحَلِّي بِهِ مِنْ قُرْطٍ وَشَنْفٍ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أَنَاسَ أَيْ أَثْقَلَ حَتَّى تَدَلَّى وَاضْطَرَبَ. وَالنَّوْسُ حَرَكَةُ كُلِّ شَيْءٍ مُتَدَلٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ (دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ وَنَوَّسَاتُهَا تَنْطِفُ مَعَ شَرْحِ الْمُرَادِ بِهِ فِي الْمُغَازِي. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السِّكِّيتِ أُذُنَيَّ وَفَرْعَيَّ بِالتَّثْنِيَةِ، قَالَ عِيَاضُ: يُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ بِالْفَرْعَيْنِ الْيَدَيْنِ لِأَنَّهُمَا كَالْفَرْعَيْنِ مِنَ الْجَسَدِ، تَعْنِي أَنَّهُ حَلَّى أُذُنَيْهَا وَمِعْصَمَيْهَا، أَوْ أَرَادَتِ الْعُنُقَ وَالْيَدَيْنِ، وَأَقَامَتِ الْيَدَيْنِ مَقَامَ فَرْعٍ وَاحِدٍ، أَوْ أَرَادَتِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ كَذَلِكَ، أَوِ الْغَدِيرَتَيْنِ وَقَرْنَيِ الرَّأْسِ، فَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمُتْرَفَاتُ بِتَنْظِيمِ غَدَائِرِهِنَّ وَتَحْلِيَةِ نَوَاصِيهِنَّ وَقُرِونِهِنَّ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ فَرْعِي بِالْإِفْرَادِ، أَيْ حَلَّى رَأْسِي فَصَارَ يَتَدَلَّى مِنْ كَثْرَتِهِ وَثِقَلِهِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي شَعْرَ الرَّأْسِ فَرْعًا، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: وَفَر