٥٤٧٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْمِعْرَاضِ، قَالَ: مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ، فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ، فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ، أَوْ كِلَابِكَ، كَلْبًا غَيْرَهُ، فَخَشِيتَ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مَعَهُ، وَقَدْ قَتَلَهُ، فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ عَلَى غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ (بَابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى الصَّيْدِ) سَقَطَ بَابٌ لِكَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَثَبَتَ لِلْبَاقِينَ. وَالصَّيْدُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ صَيْدًا، وَعُومِلَ مُعَامَلَةَ الْأَسْمَاءِ فَأُوقِعَ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُصَادِ.
قَوْلُهُ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَقَدَّمَ وَأَخَّرَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ الصَّيْدُ: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَعِنْدَ النَّسَفِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ الْآيَتَيْنِ، وَكَذَا لِأَبِي الْوَقْتِ لَكِنْ قَالَ: إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ وَفَرَّقَهُمَا فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَالْأَصِيلِيِّ.
قَوْلُهُ (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْعُقُودُ الْعُهُودُ، مَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ) وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَتَمَّ مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يَعْنِي بِالْعُهُودِ، مَا أَحَلَّ اللَّهُ وَمَا حَرَّمَ وَمَا فَرَضَ وَمَا حَدَّ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَنْكُثُوا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُفَرَّقًا، وَنُقِلَ مِثْلُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالسُّدِّيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَنُقِلَ عَنْ قَتَادَةَ: الْمُرَادُ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْحَلِفِ. وَنُقِلَ عَنْ غَيْرِهِ: هِيَ الْعُقُودُ الَّتِي يَتَعَاقَدُهَا النَّاسُ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ اللَّهَ أَتْبَعَ ذَلِكَ الْبَيَانَ عَمَّا أَحَلَّ وَحَرَّمَ، قَالَ: وَالْعُقُودُ جَمْعُ عَقْدٍ، وَأَصْلُ عَقْدِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَصْلُهُ بِهِ كَمَا يُعْقَدُ الْحَبْلُ بِالْحَبْلِ.
قَوْلُهُ ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الْخِنْزِيرَ، وَصَلَهُ أَيْضًا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: ﴿إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ.
قَوْلُهُ (يَجْرِمَنَّكُمْ: يَحْمِلَنَّكُمْ) يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أَيْ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ عَلَى الْعُدْوَانِ، وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا مِنَ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ غَيْرِهِ غَيْرَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَاهُ.
قَوْلُهُ (الْمُنْخَنِقَةُ إِلَخْ) وَصَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِتَمَامِهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَمَا أَدْرَكْتَهُ مِنْ هَذَا يَتَحَرَّكُ لَهُ ذَنَبٌ أَوْ تَطْرُفُ لَهُ عَيْنٌ فَاذْبَحْ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَالٌ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْمُنْخَنِقَةُ الَّتِي تُخْنَقُ فَتَمُوتُ، وَالْمَوْقُوذَةُ الَّتِي تُضْرَبُ بِالْخَشَبِ حَتَّى يُوقِذَهَا فَتَمُوتُ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنَ الْجَبَلِ، وَالنَّطِيحَةُ الشَّاةُ تَنْطَحُ الشَّاةَ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مَا أَخَذُ السَّبُعُ، إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ إِلَّا مَا أَدْرَكْتُمْ ذَكَاتَهُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ يَتَحَرَّكُ لَهُ ذَنَبٌ أَوْ تَطْرُفُ لَهُ عَيْنٌ فَاذْبَحْ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهُوَ حَلَالٌ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ وَأَكِيلُ السَّبُعِ وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ كُلُّ مَا ذُكِرَ غَيْرَ الْخِنْزِيرِ إِذَا أَدْرَكْتَ مِنْهُ عَيْنًا تَطْرُفُ أَوْ ذَنَبًا يَتَحَرَّكُ أَوْ قَائِمَةً تَرْتَكِضُ فَذَكَّيْتَهُ فَقَدْ أُحِلُّ لَكَ وَمِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَ الشَّاةَ بِالْعَصَا حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا
قَالَ: وَالْمُتَرَدِّيَةُ الَّتِي تَتَرَدَّى فِي الْبِئْرِ.
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا) هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، وَعَامِرٌ هُوَ الشَّعْبِيُّ، وَهَذَا السَّنَدُ كُوفِيُّونَ.
قَوْلُهُ (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) هُوَ الطَّائِيُّ، فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، عَنْ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا عَامِرٌ، حَدَّثَنَا عَدِّيٌّ، قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ذَكَرْتُهُ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا عَامِرٌ، حَدَّثَنَا عَدِيٌّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ زَكَرِيَّا مُدَلِّسٌ وَقَدْ عَنْعَنَهُ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ حَدَّثَنِي الشَّعْبِيُّ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَكَانَ لَنَا جَارًا وَدَخِيلًا وَرَبِيطًا بِالنَّهَرَيْنِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُوهُ حَاتِمٌ هُوَ الْمَشْهُورُ بِالْجُودِ، وَكَانَ هُوَ أَيْضًا جَوَادًا، وَكَانَ إِسْلَامُهُ سَنَةَ الْفَتْحِ، وَثَبَتَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَشَهِدَ الْفُتُوحَ بِالْعِرَاقِ، ثُمَّ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ وَعَاشَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ.
قَوْلُهُ (الْمِعْرَاضُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، قَالَ الْخَلِيلُ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ: سَهْمٌ لَا رِيشَ لَهُ وَلَا نَصْلَ. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَتَبِعَهُ ابْنُ سِيدَهْ: سَهْمٌ طَوِيلٌ لَهُ أَرْبَعُ قُذَذٍ رِقَاقٍ، فَإِذَا رَمَى بِهِ اعْتَرَضَ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمِعْرَاضُ نَصْلٌ عَرِيضٌ لَهُ ثِقَلٌ وَرَزَانَةٌ، وَقِيلَ: عُودٌ رَقِيقُ الطَّرَفَيْنِ غَلِيظُ الْوَسَطِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْحُذَافَةِ، وَقِيلَ: خَشَبَةٌ ثَقِيلَةٌ آخِرُهَا عَصًا مُحَدَّدٌ رَأْسُهَا وَقَدْ لَا يُحَدَّدُ ; وَقَوَّى هَذَا الْأَخِيرَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِعِيَاضٍ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: الْمِعْرَاضُ عَصًا فِي طَرَفِهَا حَدِيدَةٌ يَرْمِي الصَّائِدُ بِهَا الصَّيْدَ، فَمَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَهُوَ ذَكِيٌّ فَيُؤْكَلُ، وَمَا أَصَابَ بِغَيْرِ حَدِّهِ فَهُوَ وَقِيذٌ.
قَوْلُهُ (وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ بِعَرْضِهِ فَقُتِلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ وَقِيذٌ بِالْقَافِ وَآخِرَهُ ذَالٌ مُعْجَمَةٌ وَزْنَ عَظِيمٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ مَا قُتِلَ بِعَصًا أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَا لَا حَدَّ لَهُ، وَالْمَوْقُوذَةُ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا وَأَنَّهَا الَّتِي تُضْرَبُ بِالْخَشَبَةِ حَتَّى تَمُوتَ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيٍّ الْآتِيَةِ بَعْدَ بَابٍ قُلْتُ إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ قَالَ: كُلْ مَا خَزَقَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا قَافٌ أَيْ نَفَذَ، يُقَالُ: سَهْمٌ خَازِقٌ أَيْ نَافِذٌ، وَيُقَالُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَدَلَ الزَّايِ، وَقِيلَ الْخَزْقُ - بِالزَّايِ وَقِيلَ تُبْدَلُ سِينًا - الْخَدْشُ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ، فَإِنْ قِيلَ بِالرَّاءِ فَهُوَ أَنْ يَثْقُبَهُ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ السَّهْمَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِذَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ حَلَّ وَكَانَتْ تِلْكَ ذَكَاتَهُ، وَإِذَا أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ لَمْ يَحِلَّ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَشَبَةِ الثَّقِيلَةِ وَالْحَجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمُثَقَّلِ، وَقَوْلُهُ بِعَرْضِهِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ، أَيْ بِغَيْرِ طَرَفِهِ الْمُحَدَّدِ، وَهُوَ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ حَلَّ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (وَسَأَلْتُهُ عَنْ صَيْدِ الْكَلْبِ فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ، فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَسَمَّيْتَ فَكُلْ وَفِي رِوَايَةِ بَيَانِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ الْآتِيَةِ بَعْدَ أَبْوَابٍ إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ وَالْمُرَادُ بِالْمُعَلَّمَةِ الَّتِي إِذَا أَغْرَاهَا صَاحِبُهَا عَلَى الصَّيْدِ طَلَبَتْهُ، وَإِذَا زَجَرَهَا انْزَجَرَتْ وَإِذَا أَخَذَتِ الصَّيْدَ حَبَسَتْهُ عَلَى صَاحِبِهَا. وَهَذَا الثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِي اشْتِرَاطِهِ، وَاخْتُلِفَ مَتَى يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهَا فَقَالَ الْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ: أَقَلُّهُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدَ يَكْفِي مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: لَمْ يُقَدِّرْهُ الْمُعْظَمُ لِاضْطِرَابِ الْعُرْفِ وَاخْتِلَافِ طِبَاعِ الْجَوَارِحِ فَصَارَ الْمَرْجِعُ إِلَى الْعُرْفِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَمَّا التِّرْمِذِيُّ فَلَفْظُهُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي فَقَالَ: مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ وَأَمَّا أَبُو دَاوُدَ فَلَفْظُهُ: مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ. قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: إِذَا قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِصَيْدِ الْبَازِ وَالصُّقُورِ بَأْسًا، اهـ.
وَفِي مَعْنَى الْبَازِ الصَّقْرُ وَالْعُقَابُ وَالْبَاشِقُ وَالشَّاهِينُ، وَقَدْ فَسَّرَ مُجَاهِدٌ الْجَوَارِحَ فِي الْآيَةِ
بِالْكِلَابِ وَالطُّيُورِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ صَيْدِ الْكَلْبِ وَالطَّيْرِ. قَوْلُهُ (إِذْ أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ الْمُعَلَّمَةَ فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ) فِي رِوَايَةِ بَيَانٍ: وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ وَإِنْ قَتَلْنَ، إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ: قُلْتُ، فَإِنْ أَكَلَ؟ قَالَ: فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْكَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ زِيَادَةٌ فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي رَمْي الصَّيْدِ إِذَا غَابَ عَنْهُ وَوَجَدَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ. وَفِي الْحَدِيثِ اشْتِرَاطُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا شَرْطًا فِي حِلِّ الْأَكْلِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَطَائِفَةٌ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحْمَدَ - أَنَّهَا سُنَّةٌ، فَمَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَقْدَحْ فِي حِلِّ الْأَكْلِ.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ فِي الرَّاجِحِ عَنْهُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَطَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِجَعْلِهَا شَرْطًا فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ، وَلِإِيقَافِ الْإِذْنِ فِي الْأَكْلِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَالْمُعَلَّقُ بِالْوَصْفِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْمَفْهُومِ، وَالشَّرْطُ أَقْوَى مِنَ الْوَصْفِ، وَيَتَأَكَّدُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ بِأَنَّ الْأَصْلَ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ، وَمَا أُذِنَ فِيهِ مِنْهَا تُرَاعَى صِفَتُهُ، فَالْمُسَمَّى عَلَيْهَا وَافَقَ الْوَصْفَ وَغَيْرُ الْمُسَمَّى بَاقٍ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْجَوَازِ لِمَنْ تَرَكَهَا سَاهِيًا لَا عَمْدًا، لَكِنِ اخْتُلِفَ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ: هَلْ تَحْرُمُ أَوْ تُكْرَهُ؟ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَحْرُمُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْعَمْدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ، وَقِيلَ خِلَافُ الْأُولَى، وَقِيلَ: يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ وَلَا يَحْرُمُ الْأَكْلُ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ، فَذَهَبَ فِي الذَّبِيحَةِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ الثَّالِثِ، وَسَيَأْتِي حُجَّةُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِيهَا فِي الذَّبَائِحِ مُفَصَّلَةً، وَفِيهِ إِبَاحَةُ الِاصْطِيَادِ بِالْكِلَابِ الْمُعَلَّمَةِ، وَاسْتَثْنَى أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ وَقَالَا: لَا يَحِلُّ الصَّيْدُ بِهِ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَتَادَةَ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَفِيهِ جَوَازُ أَكْلِ مَا أَمْسَكَهُ الْكَلْبُ بِالشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَوْ لَمْ يُذْبَحْ لِقَوْلِهِ إِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ فَلَوْ قَتَلَ الصَّيْدَ بِظُفُرِهِ أَوْ نَابِهِ حَلَّ، وَكَذَا بِثِقَلِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْكَلْبُ لَكِنْ تَرَكَهُ وَبِهِ رَمَقٌ وَلَمْ يَبْقَ زَمَنٌ يُمْكِنُ صَاحِبَهُ فِيهِ لَحَاقُهُ وَذَبْحُهُ فَمَاتَ حَلَّ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ وَهَذَا فِي الْمُعَلَّمِ، فَلَوْ وَجَدَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً وَأَدْرَكَ ذَكَاتَهُ لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِالتَّذْكِيَةِ، فَلَوْ لَمْ يَذْبَحْهُ مَعَ الْإِمْكَانِ حَرُمَ، سَوَاءٌ كَانَ عَدَمُ الذَّبْحِ اخْتِيَارًا أَوْ إِضْرَارًا كَعَدَمِ حُضُورِ آلَةِ الذَّبْحِ، فَإِنْ كَانَ الْكَلْبُ غَيْرَ مُعَلَّمٍ اشْتَرَطَ إِدْرَاكَ تَذْكِيَتِهِ، فَلَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا لَمْ يَحِلَّ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا شَارَكَهُ فِيهِ كَلْبٌ آخَرُ فِي اصْطِيَادِهِ، وَمَحِلُّهُ مَا إِذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ أَوْ أَرْسَلَهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ حَلَّ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ أرسلاهما مَعًا فَهُوَ لَهُمَا وَإِلَّا فَلِلْأَوَّلِ، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنَ التَّعْلِيلِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرْسِلَ لَوْ سَمَّى عَلَى الْكَلْبِ لَحَلَّ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَابٌ مِنْ غَيْرِهَا فَلَا تَأْكُلْ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ حَيًّا وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَذَكَّاهُ حَلَّ، لِأَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي الْإِبَاحَةِ عَلَى التَّذْكِيَةِ لَا عَلَى إِمْسَاكِ الْكَلْبِ. وَفِيهِ تَحْرِيمُ أَكْلِ الصَّيْدِ الَّذِي أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْهُ وَلَوْ كَانَ الْكَلْبُ مُعَلَّمًا، وَقَدْ عَلَّلَ فِي الْحَدِيثِ بِالْخَوْفِ مِنْ أَنَّهُ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ مِنْ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ - وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - يَحِلُّ، وَاحْتَجُّوا بِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا يُقَالُ لَهُ أَبُو ثَعْلَبَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي كِلَابًا مُكَلَّبَةً، فَأَفْتِنِي فِي صَيْدِهَا. قَالَ: كُلْ مِمَّا
أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ. قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلَا بَأْسَ بِسَنَدِهِ.
وَسَلَكَ النَّاسُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ طُرُقًا: مِنْهَا لِلْقَائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ: عَلَى مَا إِذَا قَتَلَهُ وَخَلَّاهُ ثُمَّ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهُ، وَمِنْهَا التَّرْجِيحُ فَرِوَايَةُ عَدِيٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهَا، وَرِوَايَةُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْمَذْكُورَةُ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ مُخْتَلَفٌ فِي تَضْعِيفِهَا، وَأَيْضًا فَرِوَايَةُ عَدِيٍّ صَرِيحَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْلِيلِ الْمُنَاسِبِ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ خَوْفُ الْإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسِهِ مُتَأَيِّدَةٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَيْتَةِ التَّحْرِيمُ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ الْمُبِيحِ رَجَعْنَا إِلَى الْأَصْلِ وَظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَيْضًا وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ فَإِنَّ مُقْتَضَاهَا أَنَّ الَّذِي يُمْسِكُهُ مِنْ غَيْرِ إِرْسَالٍ لَا يُبَاحُ، وَيَتَقَوَّى أَيْضًا بِالشَّاهِدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ: إِذَا أَرْسَلْتَ الْكَلْبَ فَأَكَلَ الصَّيْدَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِذَا أَرْسَلْتَهُ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ بِمَعْنَاهُ، وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ الْإِمْسَاكِ كَافِيًا لِمَا احْتِيجَ إِلَى زِيَادَةِ عَلَيْكُمْ. وَمِنْهَا لِلْقَائِلِينَ بِالْإِبَاحَةِ حَمْلُ حَدِيثِ عَدِيٍّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ أَنَّ عَدِيًّا كَانَ مُوسِرًا فَاخْتِيرَ لَهُ الْحَمْلُ عَلَى الْأَوْلَى، بِخِلَافِ أَبِي ثَعْلَبَةَ فَإِنَّهُ كَانَ بِعَكْسِهِ. وَلَا يَخْفَى ضَعْفُ هَذَا التَّمَسُّكُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّعْلِيلِ فِي الْحَدِيثِ بِخَوْفِ الْإِمْسَاكِ عَلَى نَفْسِهِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى الَّذِي أَدْرَكَهُ مَيِّتًا مِنْ شِدَّةِ الْعَدْوِ أَوْ مِنَ الصَّدْمَةِ فَأَكَلَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ صَارَ عَلَى صِفَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِرْسَالُ وَلَا الْإِمْسَاكُ عَلَى صَاحِبِهِ، قَالَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ أَيْ لَا يُوجَدُ مِنْهُ غَيْرُ مُجَرَّدِ الْأَكْلِ دُونَ إِرْسَالِ الصَّائِدِ لَهُ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَقْطُوعَةً عَمَّا قَبْلَهَا. وَلَا يَخْفَى تَعَسُّفُ هَذَا وَبُعْدُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ: مُجَرَّدُ إِرْسَالِنَا الْكَلْبَ إِمْسَاكٌ عَلَيْنَا، لِأَنَّ الْكَلْبَ لَا نِيَّةَ لَهُ وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ مَيْزُهَا، وَإِنَّمَا يَتَصَيَّدُ بِالتَّعْلِيمِ ; فَإِذَا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِأَنْ يُمْسِكَ عَلَيْنَا أَوْ عَلَى نَفْسِهِ وَاخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَتَمَيَّزَ ذَلِكَ بِنِيَّةِ مَنْ لَهُ نِيَّةٌ وَهُوَ مُرْسِلُهُ، فَإِذَا أَرْسَلَهُ فَقَدْ أَمْسَكَ عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يُرْسِلْهُ لَمْ يُمْسِكْ عَلَيْهِ، كَذَا قَالَ: وَلَا يَخْفَى بُعْدُهُ أَيْضًا وَمُصَادَمَتُهُ لِسِيَاقِ الْحَدِيثِ. وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُورُ: إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ صِدْنَ لَكُمْ، وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ أَكْلَهُ مِنْهُ عَلَامَةً عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ لِنَفْسِهِ لَا لِصَاحِبِهِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: إِنْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلَّمْ مَا عَلَّمْتَهُ وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا شَرَعَ فِي أَكْلِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ التَّعْلِيمَ الْمُشْتَرَطَ. وَسَلَكَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ التَّرْجِيحَ فَقَالَ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ ذَكَرَهَا الشَّعْبِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْهَا هَمَّامٌ، وَعَارَضَهَا حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ، وَهَذَا تَرْجِيحٌ مَرْدُودٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَتَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ أَكْلِهِ إِذَا أَخَذَهُ الْكَلْبُ بِفِيهِ وَهَمَّ بِأَكْلِهِ فَأُدْرِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَ، قَالَ فَلَوْ كَانَ أَكْلُهُ مِنْهُ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لَكَانَ تَنَاوُلُهُ بِفِيهِ وَشُرُوعُهُ فِي أَكْلِهِ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَقِفَ الصَّائِدُ حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ يَأْكُلُ أَوْ لَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهِ إِبَاحَةُ الِاصْطِيَادِ لِلِانْتِفَاعِ بِالصَّيْدِ لِلْأَكْلِ وَالْبَيْعِ وَكَذَا اللَّهْوُ، بِشَرْطِ قَصْدِ التَّذْكِيَةِ وَالِانْتِفَاعِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ.
قَالَ اللَّيْثُ: لَا أَعْلَمُ حَقًّا أَشْبَهَ بِبَاطِلٍ مِنْهُ، فَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الِانْتِفَاعَ بِهِ حَرُمَ لِأَنَّهُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِإِتْلَافِ نَفْسٍ عَبَثًا. وَيَنْقَدِحُ أَنْ يُقَالَ: يُبَاحُ، فَإِنْ لَازَمَهُ وَأَكْثَرَ مِنْهُ كُرِهَ، لِأَنَّهُ قَدْ يَشْغَلُهُ عَنْ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْمَنْدُوبَاتِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ: مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ وَلَهُ شَاهِدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَيْضًا وَآخَرُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ. وَفِيهِ جَوَازُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ لِلصَّيْدِ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ فِي حَدِيثِ مَنِ اقْتَنَى
كَلْبًا وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ لِلْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ كَلْبُكَ وَأَجَابَ مَنْ مَنَعَ بِأَنَّهَا إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ سُؤْرِ كَلْبِ الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْكِلَابِ لِلْإِذْنِ فِي الْأَكْلِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَكَلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْغَسْلَ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ إِلَى الْبَيَانِ.