وَوَرَدَ فِي عَدَدٍ مِنَ الشَّهْرِ أَحَادِيثُ: مِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَسَعِيدٌ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُ، وَلَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ. وَشَاهِدٌ آخَرُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ، لَكِنْ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ وَلِكَوْنِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ قَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ أَحْمَدُ يَحْتَجِمُ أَيْ وَقْتَ هَاجَ بِهِ الدَّمُ وَأَيَّ سَاعَةٍ كَانَتْ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَطِبَّاءُ عَلَى أَنَّ الْحِجَامَةَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ الشَّهْرِ ثُمَّ فِي الرُّبُعِ الثَّالِثِ مِنْ أَرْبَاعِهِ أَنْفَعُ مِنَ الْحِجَامَةِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْلَاطَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ تَهِيجُ وَفِي آخِرِهِ تَسْكُنُ، فَأَوْلَى مَا يَكُونُ الِاسْتِفْرَاغُ فِي أَثْنَائِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ، قَالَهُ ابْنُ بُحَيْنَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
٥٦٩٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، وَعَطَاءٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ، قَالَهُ ابْنُ بُحَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَأَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى مَا أَوْرَدَهُ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ مَوْصُولًا عَنْ عُبَدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ حِينَئِذٍ مُحْرِمًا، فَانْتُزِعَتِ التَّرْجَمَةُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحْدَهُ كَافٍ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ كَوْنِهِ ﷺ كَانَ مُحْرِمًا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُحْرِمْ قَطُّ وَهُوَ مُقِيمٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِحِجَامَةِ الْمُحْرِمِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ، وَأَمَّا الْحِجَامَةُ لِلْمُسَافِرِ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّهَا تُفْعَلُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهَا مِنْ هَيَجَانِ الدَّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِحَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٣ - بَاب الْحِجَامَةِ مِنْ الدَّاءِ
٥٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ، فَخَفَّفُوا عَنْهُ، وَقَالَ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ. وَقَالَ: لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنْ الْعُذْرَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ.
٥٦٩٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَغَيْرُهُ، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ عَادَ الْمُقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى يحْتَجِمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ فِيهِ شِفَاءً.
قَوْلُهُ: (بَابُ الْحِجَامَةِ مِنَ الدَّاءِ)، أَيْ: بِسَبَبِ الدَّاءِ. قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ: الْحِجَامَةُ تُنَقِّي سَطْحَ الْبَدَنِ أَكْثَرَ مِنَ الْفَصْدِ، وَالْفَصْدُ لِأَعْمَاقِ الْبَدَنِ، وَالْحِجَامَةُ لِلصِّبْيَانِ، وَفِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ أَوْلَى مِنَ الْفَصْدِ وَآمَنُ غَائِلَةً، وَقَدْ تُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَلِهَذَا وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذِكْرِهَا دُونَ الْفَصْدِ، وَلِأَنَّ الْعَرَبَ غَالِبًا مَا كَانَتْ تَعْرِفُ إِلَّا الْحِجَامَةَ. وَقَالَ صَاحِبُ الْهَدْيِ: التَّحْقِيقُ فِي أَمْرِ الْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ أَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْمَزَاجِ، فَالْحِجَامَةُ فِي الْأَزْمَانِ الْحَارَّةِ وَالْأَمْكِنَةِ الْحَارَّةِ وَالْأَبْدَانِ الْحَارَّةِ الَّتِي دَمُ أَصْحَابِهَا فِي غَايَةِ النُّضْجِ أَنْفَعُ، وَالْفَصْدُ بِالْعَكْسِ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْحِجَامَةُ أَنْفَعَ لِلصِّبْيَانِ وَلِمَنْ لَا يَقْوَى عَلَى الْفَصْدِ.
قَوْلُهُ: (عَبْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَنَسٍ) فِي رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ: سَمِعْتُ أَنَسًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ.
قَوْلُهُ (عَنْ أَجْرِ الْحَجَّامِ) فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ، عَنْ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ حُمَيْدٍ: كَسْبِ الْحَجَّامِ.
قَوْلُهُ: (حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ ذِكْرُ تَسْمِيَتِهِ وَتَعْيِينُ مَوَالِيهِ، وَكَذَا جِنْسُ مَا أُعْطِيَ مِنَ الْأُجْرَةِ وَأَنَّهُ تَمْرٌ، وَحُكْمُ كَسْبِهِ، فَأَغْنَى عَنِ إِعَادَتِهِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُفْرَدًا مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، وَمِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: أَفْضَلُ، قَالَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ: الْخِطَابُ بِذَلِكَ لِأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، لِأَنَّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَةٌ وَتَمِيلُ إِلَى ظَاهِرِ الْأَبْدَانِ لِجَذْبِ الْحَرَارَةِ الْخَارِجَةِ لَهَا إِلَى سَطْحِ الْبَدَنِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْخِطَابَ أَيْضًا لِغَيْرِ الشُّيُوخِ لِقِلَّةِ الْحَرَارَةِ فِي أَبْدَانِهِمْ. وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِذَا بَلَغَ الرَّجُلُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَحْتَجِمْ. قَالَ الطَّبَرِيُّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ حِينَئِذٍ فِي انْتِقَاصٍ مِنْ عُمُرِهِ وَانْحِلَالٍ مِنْ قُوَى جَسَدِهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَهُ وَهْيًا بِإِخْرَاجِ الدَّمِ، اهـ. وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ حَاجَتُهُ إِلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِينَا فِي أُرْجُوزَتِهِ:
وَمَنْ يَكُنْ تَعَوَّدَ الْفِصَادَهْ … فَلَا يَكُنْ يَقْطَعُ تِلْكَ الْعَادَهْ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يُقَلِّلُ ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ جُمْلَةً فِي عَشْرِ الثَّمَانِينَ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرَةِ ; وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ) هُوَ مَوْصُولٌ أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. وَقَدْ أَوْرَدَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ مَضْمُومًا إِلَى حَدِيثِ: خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ، وَقَدِ اشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْحِجَامَةِ وَالتَّرْغِيبِ فِي الْمُدَاوَاةِ بِهَا، وَلَا سِيَّمَا لِمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا، وَعَلَى حُكْمِ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْإِجَارَةِ، وَعَلَى التَّدَاوِي بِالْقُسْطِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْأَعْلَاقِ فِي الْعُذْرَةِ وَالْغَمْزَةِ فِي بَابِ اللَّدُودِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ) بِمُثَنَّاةٍ وَلَامٍ وَزْنِ سَعِيدٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ عِيسَى بْنِ تَلِيدٍ نُسِبَ لِجَدِّهِ، وَهُوَ مِصْرِيٌّ، وَثَّقَهُ أَبُو يُونُسَ وَقَالَ: كَانَ فَقِيهًا ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ، وَكَانَ يَكْتُبُ لِلْقُضَاةِ.
قَوْلُهُ: (أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَغَيْرُهُ) أَمَّا عَمْرٌو فَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَمَا عَرَفْتُهُ ; وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّي أَنَّهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَوَانَةَ، وَالطَّحَاوِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَحْدَهُ، لَمْ يَقُلِ أَحَدٌ فِي الْإِسْنَادِ: وَغَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ) هَكَذَا أَفْرَدَ الضَّمِيرَ لِوَاحِدٍ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ ذِكْرَ اثْنَيْنِ، وَبُكَيْرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، وَرُبَّمَا نُسِبَ لِجَدِّهِ، مَدَنِيٌّ سَكَنَ مِصْرَ، وَالْإِسْنَادُ إِلَيْهِ مِصْرِيُّونَ.
قَوْلُهُ: (عَادَ الْمُقَنَّعُ) بِقَافٍ
وَنُونٍ ثَقِيلَةٍ مَفْتُوحَةٍ هُوَ ابْنُ سِنَانٍ تَابِعِيٌّ.