٦٢٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، قُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَآتِيَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي مَلَأ فَسَارَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: رَحْمَتُ اللَّهِ عَلَى مُوسَى أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ.
قَوْلُهُ (بَاب إِذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ بِالْمُسَارَّةِ وَالْمُنَاجَاةِ) أَيْ مَعَ بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وَسَقَطَ بَابٌ لِأَبِي ذَرٍّ، وَعَطْفُ الْمُنَاجَاةِ عَلَى الْمُسَارَّةِ مِنْ عَطْفِ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، إِذَا كَانَ بِغَيْرِ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَقِيلَ: بَيْنَهُمَا مُغَايَرَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْمُسَارَّةَ وَإِنِ اقْتَضَتِ الْمُفَاعَلَةَ لَكِنَّهَا بِاعْتِبَارِ مَنْ يُلْقِي السِّرَّ، وَمَنْ يُلْقَى إِلَيْهِ، وَالْمُنَاجَاةُ تَقْتَضِي وُقُوعَ الْكَلَامِ سِرًّا مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَالْمُنَاجَاةُ أَخَصُّ مِنَ الْمُسَارَّةِ فَتَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ.
قَوْلُهُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ.
قَوْلُهُ: فَلَا يَتَنَاجَ. فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِجِيمٍ لَيْسَ بَعْدَهَا يَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ قَبْلَ بَابٍ.
قَوْلُهُ: حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ أَيْ يَخْتَلِطَ الثَّلَاثَةُ بِغَيْرِهِمْ، وَالْغَيْرُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ فَطَابَقَتِ التَّرْجَمَةُ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً لَمْ يَمْتَنِعْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ لِإِمْكَانِ أَنْ يَتَنَاجَى الِاثْنَانِ الْآخَرَانِ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِيمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً؟ قَالَ: لَا يَضُرُّهُ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُسَارِرَ رَجُلًا وَكَانُوا ثَلَاثَةً دَعَا رَابِعًا، ثُمَّ قَالَ لِلِاثْنَيْنِ: اسْتَرِيحَا شَيْئًا، فَإِنِّي سَمِعْتُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ فِي جَامِعِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِيَ رَجُلًا دَعَا آخَرَ، ثُمَّ نَاجَى الَّذِي أَرَادَ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاجِيَ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ دَعَا رَابِعًا وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ: حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الثَّلَاثَةِ يَعْنِي سَوَاءً جَاءَ اتِّفَاقًا أَمْ عَنْ طَلَبٍ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: أَجْلَ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ أَيْ مِنْ أَجْلِ، وَكَذَا هُوَ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ بِزِيَادَةِ: مِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: قَدْ نَطَقُوا بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْقَاطِ مِنْ وَذَكَرَ لِذَلِكَ شَاهِدًا، وَيَجُوزُ كَسْرُ هَمْزَةِ إِنَّ ذَلِكَ وَالْمَشْهُورُ فَتْحُهَا قَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ يُحْزِنُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ نَجَوَاهُمَا إِنَّمَا هِيَ لِسُوءِ رَأْيِهِمَا فِيهِ أَوْ لِدَسِيسَةٍ غَائِلَةٍ لَهُ.
قُلْتُ: وَيُؤْخَذُ مِنَ التَّعْلِيلِ اسْتِثْنَاءُ صُورَةٍ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ إِطْلَاقِ الْجَوَازِ إِذَا كَانُوا أَرْبَعَةً، وَهِيَ مِمَّا لَوْ كَانَ بَيْنَ الْوَاحِدِ الْبَاقِي وَبَيْنَ الِاثْنَيْنِ مُقَاطَعَةٌ بِسَبَبٍ يُعْذَرَانِ بِهِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الْمُنْفَرِدِ، وَأَرْشَدَ هَذَا التَّعْلِيلُ إِلَى أَنَّ الْمُنَاجِيَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ إِذَا خَصَّ أَحَدًا بِمُنَاجَاتِهِ أَحْزَنَ الْبَاقِينَ امْتَنَاعَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ مُهِمٍّ لَا يَقْدَحُ فِي الدِّينِ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ أَشْهَبَ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشَرَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ نُهِيَ أَنْ يَتْرُكَ وَاحِدًا قَالَ: وَهَذَا مُسْتَنْبَطٌ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ لِلْوَاحِدِ كَتَرْكِ الِاثْنَيْنِ لِلْوَاحِدِ، قَالَ: وَهَذَا مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ لِئَلَّا يَتَبَاغَضُوا وَيَتَقَاطَعُوا.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ الِاثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْوَاحِدِ زَادَ الْقُرْطُبِيُّ: بَلْ وُجُودُهُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَمْكَنُ وَأَشَدُّ فَلْيَكُنِ الْمَنْعُ أَوْلَى، وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ
يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَمَهْمَا وُجِدَ الْمَعْنَى فِيهِ أُلْحِقَ بِهِ فِي الْحُكْمِ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَكُلَّمَا كَثُرَ الْجَمَاعَةُ مَعَ الَّذِي لَا يُنَاجَى كَانَ أَبْعَدَ لِحُصُولِ الْحُزْنِ وَوُجُودِ التُّهْمَةِ فَيَكُونُ أَوْلَى، وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا انْفَرَدَ جَمَاعَةٌ بِالتَّنَاجِي دُونَ جَمَاعَةٍ، قَالَ ابْنُ التِّينِ: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ فَاطِمَةَ دَالٌّ عَلَى الْجَوَازِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قِصَّةِ الَّذِي قَالَ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ فِي مَلَأ فَسَارَرْتُهُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ يَرْتَفِعُ إِذَا بَقِيَ جَمَاعَةٌ لَا يَتَأَذَّوْنَ بِالسِّرَارِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ أَصْلِ الْحُكْمِ مَا إِذَا أَذِنَ مَنْ يَبْقَى سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَمْ أَكْثَرَ لِلِاثْنَيْنِ فِي التَّنَاجِي دُونَهُ أَوْ دُونَهُمْ، فَإِنَّ الْمَنْعَ يَرْتَفِعُ لِكَوْنِهِ حَقَّ مَنْ يَبْقَى وَأَمَّا إِذَا انْتَجَى اثْنَانِ ابْتِدَاءً، وَثَمَّ ثَالِثٌ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا لَوْ تَكَلَّمَا جَهْرًا، فَأَتَى لِيَسْتَمِعَ عَلَيْهِمَا فَلَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا مَعَهُمَا أَصْلًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ مَرَرْتُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَمَعَهُ رَجُلٌ يَتَحَدَّثُ، فَقُمْتُ إِلَيْهِمَا فَلَطَمَ صَدْرِي وَقَالَ: إِذَا وَجَدْتَ اثْنَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ فَلَا تَقُمْ مَعَهُمَا حَتَّى تَسْتَأْذِنَهُمَا زَادَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ: وَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا تَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُمَا، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُتَنَاجِيَيْنِ فِي حَالِ تَنَاجِيهِمَا.
قُلْتُ: وَلَا يَنْبَغِي لِدَاخِلٍ الْقُعُودُ عِنْدَهُمَا، وَلَوْ تَبَاعَدَ عَنْهُمَا إِلَّا بِإِذْنِهِمَا لَمَّا افْتَتَحَا حَدِيثَهُمَا سِرًّا وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمَا أَلَّا يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى كَلَامِهِمَا، وَيَتَأَكَّدُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ صَوْتُ أَحَدِهِمَا جَهُورِيًّا لَا يَتَأَتَّى لَهُ إِخْفَاءُ كَلَامِهِ مِمَّنْ حَضَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ لِبَعْضِ النَّاسِ قُوَّةُ فَهْمٍ بِحَيْثُ إِذَا سَمِعَ بَعْضَ الْكَلَامِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بَاقِيهِ، فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى تَرْكِ مَا يُؤْذِي الْمُؤْمِنَ مَطْلُوبَةٌ وَإِنْ تَفَاوَتَتِ الْمَرَاتِبُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي جَامِعِهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ: أَلَا تَرَوْنَ الْقَتْلَ شَيْئًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: فَذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ وَزَادَ فِي آخِرِهِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الْمُسْلِمِ وَأَظُنُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، اسْتَنْبَطَهَا مِنَ الْحَدِيثِ فَأُدْرِجَتْ فِي الْخَبَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ النَّوَوِيُّ: النَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ لِلتَّحْرِيمِ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ رِضَاهُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِلَّا بِإِذْنِهِ، أَيْ صَرِيحًا كَانَ أَوْ غَيْرَ صَرِيحٍ وَالْإِذْنُ أَخَصُّ مِنَ الرِّضَا؛ لِأَنَّ الرِّضَا قَدْ يُعْلَمُ بِالْقَرِينَةِ فَيُكْتَفَى بِهَا عَنِ التَّصْرِيحِ وَالرِّضَا أَخَصُّ مِنَ الْإِذْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ يَقَعُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَنَحْوِهِ، وَالرِّضَا لَا يُطَّلَعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَكِنِ الْحُكْمُ لَا يُنَاطُ إِلَّا بِالْإِذْنِ الدَّالِّ عَلَى الرِّضَا، وَظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مُخْتَصٌّ بِالسَّفَرِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ فِيهِ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ وَفِي الْعِمَارَةِ فَلَا بَأْسَ.
وَحَكَى عِيَاضٌ نَحْوَهُ وَلَفْظُهُ: قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ السَّفَرُ وَالْمَوَاضِعُ الَّتِي لَا يَأْمَنُ فِيهَا الرَّجُلُ رَفِيقَهُ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ لَا يَثِقُ بِهِ وَيَخْشَى مِنْهُ، قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: وَلَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضِ فَلَاةٍ أَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا الْحَدِيثَ وَفِي سَنَدِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ فَتَقْيِيدُهُ بِأَرْضِ الْفَلَاةِ يَتَعَلَّقُ بِإِحْدَى عِلَّتَيِ النَّهْيِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا قَالَ يُحْزِنُهُ لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّ نَجَوَاهُمَا إِنَّمَا هِيَ لِسُوءِ رَأْيِهِمَا فِيهِ أَوْ أَنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ عَلَى غَائِلَةٍ تَحْصُلُ لَهُ مِنْهُمَا قُلْتُ: فَحَدِيثُ الْبَابِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يَتَعَلَّقُ بِالثَّانِي وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عَوَّلَ ابْنُ حَرْبَوَيْهِ، وَكَأَنَّهُ مَا اسْتَحْضَرَ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ.
قَالَ عِيَاضٌ: قِيلَ: كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَأَمِنَ النَّاسُ سَقَطَ هَذَا الْحُكْمُ وَتَعَقَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ
بِأَنَّ هَذَا تَحَكُّمٌ وَتَخْصِيصٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْخَبَرُ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَالْعِلَّةُ الْحُزْنُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَعُمَّهُمَا النَّهْيُ جَمِيعًا.