أَيْضًا بِالْمُعَارَضَةِ بِقَوْلِ نُوحٍ ﵇ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، وَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُمِرَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ السُّؤَالَ بِلَفْظِ التَّعْمِيمِ لَا يَسْتَلْزِمُ طَلَبَ ذَلِكَ لِكُلِّ فَرْدٍ بِطَرِيقِ التَّعْيِينِ، فَلَعَلَّ مُرَادَ الْقَرَافِيِّ مَنْعُ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ لَا مَنْعُ أَصْلِ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ، ثُمَّ إنِّي لَا يَظْهَرُ لِي مُنَاسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦١ - بَاب الدُّعَاءِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ
٦٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ، وَقَالَ بِيَدِهِ. قُلْنَا: يُقَلِّلُهَا: يُزَهِّدُهَا.
قَوْلُهُ (بَابُ الدُّعَاءِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ) أَيِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا إِجَابَةُ الدُّعَاءِ، وَقَدْ تَرْجَمَ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ بَابُ السَّاعَةِ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابَيْنِ شَيْئًا يُشْعِرُ بِتَعْيِينِهَا، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا، وَاقْتَصَرَ الْخَطَّابِيُّ مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا سَاعَةُ الصَّلَاةِ، وَالْآخَرُ: أَنَّهَا سَاعَةٌ مِنَ النَّهَارِ عِنْدَ دُنُوِّ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ، وَتَقَدَّمَ سِيَاقُ الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا، وَقَدْ ذَكَرْتُ شَرْحَهُ هُنَاكَ، وَاسْتَوْعَبْتُ الْخِلَافَ الْوَارِدَ فِي السَّاعَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَزَادَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ قَوْلًا، وَاتَّفَقَ لِي نَظِيرُ ذَلِكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَقَدْ ظَفِرْتُ بِحَدِيثٍ يَظْهَرُ مِنْهُ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَنَا عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْهَا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أُعْلِمْتُهَا ثُمَّ أُنْسِيتُهَا كَمَا أُنْسِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ رِوَايَةٍ جَاءَ فِيهَا تَعْيِينُ وَقْتِ السَّاعَةِ الْمَذْكُورَةِ مَرْفُوعًا وَهَمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ (يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا) يُقَيِّدُ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ شَيْئًا وَأَنَّ الْفَضْلَ الْمَذْكُورَ لِمَنْ يَسْأَلُ الْخَيْرَ، فَيَخْرُجُ الشَّرُّ مِثْلُ الدُّعَاءِ بِالْإِثْمِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ وَقَالَ بِيَدِهِ فِيهِ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ.
قَوْلُهُ (قُلْنَا يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ يُزَهِّدُهَا وَقَعَ تَأْكِيدًا لِقولِهِ: يُقَلِّلُهَا، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ الْخَطَّابِيُّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ فَجَمَعَهُمَا الرَّاوِي، ثُمَّ وَجَدْتُهُ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ يُقَلِّلُهَا وَيُزَهِّدُهَا فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ عَطْفُ تَأْكِيدٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ شَيْخِ مُسَدِّدٍ فِيهِ، فَلَمْ يَقَعْ عِنْدَهُ قُلْنَا وَلَفْظُهُ وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا، وَأَخْرَجَهُ أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بِلَفْظِ وَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا فَقُلْنَا يُزَهِّدُهَا أَوْ يُقَلِّلُهَا، وَهَذِهِ أَوْضَحُ الرِّوَايَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
٦٢ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يُسْتَجَابُ لَنَا فِي الْيَهُودِ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا
٦٤٠١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: إنَّ الْيَهُودَ أَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، قَالَ: وَعَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمْ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ - أَوْ الْفُحْشَ - قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ، رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ. قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ يُسْتَجَابُ لَنَا فِي الْيَهُودِ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا) أَيْ لِأَنَّا نَدْعُو عَلَيْهِمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَدْعُونَ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي قَوْلِ الْيَهُودِ السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَفِي قَوْلِهَا لَهُمْ السَّامُ عَلَيْكُمْ وَاللَّعْنَةُ، وَفِي آخِرِهِ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا، وَلِأَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ عَائِشَةَ فِي نَحْوِ حَدِيثِ الْبَابِ فَقَالَ: مَهْ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ، قَالُوا قَوْلًا فَرَدَدْنَاهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَضُرَّنَا شَيْءٌ وَلَزِمَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الِاسْتِئْذَانِ، وَفِيهِ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الدَّاعِيَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا عَلَى مَنْ دَعَا عَلَيْهِ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ، وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ وَقَوْلُهُ هُنَا وَإِيَّاكَ وَالْعُنْفَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا وَفَتْحُهَا، وَهُوَ ضِدُّ الرِّفْقِ. ٦٣ - بَاب التَّأْمِينِ ٦٤٠٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. قَوْلُهُ (بَابُ التَّأْمِينِ) يَعْنِي قَوْلَ آمِينَ عَقِبَ الدُّعَاءِ. ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَارِئِ هُنَا الْإِمَامُ إِذَا قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْقَارِئِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، وَوَرَدَ فِي التَّأْمِينِ مُطْلَقًا أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: مَا حَسَدَتْكُمُ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ: مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى آمِينَ فَأَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ آمِينَ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَجْتَمِعُ مَلَأٌ فَيَدْعُو بَعْضُهُمْ وَيُؤَمِّنُ بَعْضُهُمْ إِلَّا أَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَلَحَّ فِي الدُّعَاءِ، فَقَالَ: أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ، فَقَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: بِآمِينَ. فَأَتَاهُ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، اخْتِمْ بِآمِينَ وَأَبْشِرْ. وَكَانَ أَبُو زُهَيْرٍ يَقُولُ: آمِينَ مِثْلُ الطَّابِعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي بَابِ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ - مَا فِي آمِينَ مِنَ اللُّغَاتِ وَاخْتِلَافٍ فِي مَعْنَاهَا، فَأَغْنَى عَنِ الْإِعَادَةِ. ٦٤ -