فتح الباري · ابن حجر · ج12 ص315عَلَى مَنْ فَرَّقَ فِي الْإِكْرَاهِ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِأَنَّ الْعَمَلَ فِعْلٌ، وَإِذَا كَانَ لَا يُعْتَبَرُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، فَالْمُكْرَهُ لَا نِيَّةَ لَهُ، بَلْ نِيَّتُهُ عَدَمُ الْفِعْلِ الَّذِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنَّ التَّفْصِيلَ يُشْبِهُ مَا نَزَلَ فِي الْقُرْآنِ لِأَنَّ الَّذِينَ أُكْرِهُوا إِنَّمَا هُوَ عَلَى الْكَلَامِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ، فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مُعْتَقِدِينَ لَهُ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يُؤَثِّرْ لَا فِي بَدَنٍ وَلَا مَالٍ، بِخِلَافِ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ وَالْمَالِ، هَذَا مَعْنَى مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّهُمْ أُكْرِهُوا عَلَى النُّطْقِ بِالْكُفْرِ وَعَلَى مُخَالَطَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتِهِمْ وَتَرْكِ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ.
وَالتُّرُوكُ أَفْعَالٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَمْ يُؤَاخَذُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَثْنَى الْمُعْظَمُ قَتْلَ النَّفْسِ فَلَا يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنِ الْقَاتِلِ وَلَوْ أُكْرِهَ لِأَنَّهُ آثَرَ نَفْسَهُ عَلَى نَفْسِ الْمَقْتُولِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُنَجِّيَ نَفْسَهُ مِنَ الْقَتْلِ بِأَنْ يَقْتُلَ غَيْرَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَزَادَ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَفِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ الْحَدِيثَ.
وَفِيهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ يَدْعُو لِرِجَالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ الْبَابِ وَزَادَ: وَأَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ، وَفِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ فَذَكَرَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَالتَّعْرِيفُ بِالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ هُنَا فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْقُنُوتِ فِي النَّازِلَةِ وَمَحَلُّهُ فِي كِتَابِ الْوِتْرِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَقَوْلُهُ: وَالْمُسْتَضْعَفِينَ هُوَ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ وَتَعَلَّقَ الْحَدِيثُ بِالْإِكْرَاهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُكْرَهِينَ عَلَى الْإِقَامَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْمُسْتَضْعَفَ لَا يَكُونُ إِلَّا مُكْرَهًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْكُفْرِ لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا دَعَا لَهُمْ وَسَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ.
١ - بَاب مَنْ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ
٦٩٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبٍ الطَّائِفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.
٦٩٤٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ سَمِعْتُ قَيْسًا سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي عَلَى الْإِسْلَامِ. وَلَوْ انْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ كَانَ مَحْقُوقًا أَنْ يَنْقَضَّ.
٦٩٤٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ
وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْقَتْلَ وَالْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ) تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَأَنَّ بِلَالًا كَانَ مِمَّنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالْهَوَانَ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ وَكَذَلِكَ خَبَّابٌ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْبَابِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ وَأَنَّ وَالِدَيْ عَمَّارٍ مَاتَا تَحْتَ الْعَذَابِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَلَى شَرْطِ الصِّحَّةِ اكْتَفَى الْمُصَنِّفُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: حَدِيثُ ثَلَاثٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ الْحَدِيثَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي أَوَائِلِ الصَّحِيحِ، وَوَجْهُ أَخْذِ التَّرْجَمَةِ مِنْهُ أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ كَرَاهِيَةِ الْكُفْرِ وَكَرَاهِيَةِ دُخُولِ النَّارِ، وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَالْهَوَانُ أَسْهَلُ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ مِنْ دُخُولِ النَّارِ فَيَكُونُ أَسْهَلَ مِنَ الْكُفْرِ إِنِ اخْتَارَ الْأَخْذَ بِالشِّدَّةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ.
وَقَالَ أَيْضًا: فِيهِ حُجَّةٌ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى اخْتِيَارِ الْقَتْلِ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّ التَّلَفُّظَ بِالْكُفْرِ أَوْلَى مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْقَتْلِ، وَنَقَلَ عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ قَوْمًا مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ قَالَ تِلْوَ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ فَقَيَّدَهُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ مَنْ أَهْلَكَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ ظَالِمًا وَلَا مُعْتَدِيًا. وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ تَقَحُّمِ الْمَهَالِكِ فِي الْجِهَادِ، انْتَهَى.
وَهَذَا يَقْدَحُ فِي نَقْلِ ابْنِ التِّينِ الِاتِّفَاقَ الْمَذْكُورَ وَأَنَّ ثَمَّ مَنْ قَالَ بِأَوْلَوِيَّةِ التَّلَفُّظِ عَلَى بَذْلِ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ، وَإِنْ كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ يُعَمِّمُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِمَا لَوْ عَرَضَ مَا يُرَجِّحُ الْمَفْضُولَ كَمَا لَوْ عَرَضَ عَلَى مَنْ إِذَا تَلَفَّظَ بِهِ نَفْعُ مُتَعَدٍّ ظَاهِرًا فَيُتَّجَهُ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَبَّادٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي الْعَوَّامِ فِيمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو مَسْعُودٍ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي بَابِ إِسْلَامِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ لِأَنَّ سَعِيدًا وَزَوْجَتَهُ أُخْتَ عُمَرَ اخْتَارَا الْهَوَانَ عَلَى الْكُفْرِ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ.
وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كَوْنِ عُثْمَانَ اخْتَارَ الْقَتْلَ عَلَى مَا يُرْضِي قَاتِلِيهِ فَيَكُونُ اخْتِيَارُهُ الْقَتْلَ عَلَى الْكُفْرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَاسْمُ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ فِيمَا يُقَالُ، وَقِيلَ سَبَقَتْهَا أُمُّ الْفَضْلِ زَوْجُ الْعَبَّاسِ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: (يَحْيَى) هُوَ الْقَطَّانُ، وَإِسْمَاعِيلُ هُوَ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَقَيْسٌ هُوَ ابْنُ أَبِي حَازِمٍ أَيْضًا، وَخَبَّابٌ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى مُشَدَّدَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَدُخُولُهُ فِي التَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ طَلَبَ خَبَّابٍ الدُّعَاءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْكُفَّارِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدِ اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ بِالْأَذَى ظُلْمًا وَعُدْوَانًا.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: إِنَّمَا لَمْ يُجِبِ النَّبِيُّ ﷺ سُؤَالَ خَبَّابٍ وَمَنْ مَعَهُ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ الْقَدَرُ بِمَا جَرَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَلْوَى لِيُؤْجَرُوا عَلَيْهَا كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَنِ اتَّبَعَ الْأَنْبِيَاءَ فَصَبَرُوا عَلَى الشِّدَّةِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، ثُمَّ كَانَتْ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ بِالنَّصْرِ وَجَزِيلِ الْأَجْرِ، قَالَ: فَأَمَّا غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِمُ الدُّعَاءُ عِنْدَ كُلِّ نَازِلَةٍ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطَّلِعُوا عَلَى مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَدْعُ لَهُمْ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَعَا، وَإِنَّمَا قَالَ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ إِلَخْ تَسْلِيَةً لَهُمْ وَإِشَارَةً إِلَى الصَّبْرِ حَتَّى تَتَقَضَّى