فتح الباري · ابن حجر · ج13 ص45وَفِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي فِي بَابِ بَعْثِ مُعَاذٍ، وَأَبِي مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ آخَرُ، وَمَنْ جَاءَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ فِي الْبُخَارِيِّ فَهُوَ عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّقَّامُ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ، وَيَزِيدُ شَيْخُهُ هُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، وَسَعِيدٌ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رُسْتَهْ - بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ مَفْتُوحَةٌ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بِهِ وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ كَوْنَهُ بِالْمُهْمَلَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ لَيْسَ فِيهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ.
قَوْلُهُ: (بِهَذَا)؛ أَيْ بِهَذَا الْحَدِيثِ الْمَاضِي، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ فِيهِ زِيَادَةُ قَوْلِهِ: لَافًّا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ زِيَادَتَهَا فِي الْأَوَّلِ وَهْمٌ مِنَ الْكُشْمِيهَنِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ: عَائِذًا. . . إِلَخْ) بَيَّنَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ سَعِيدٍ بِالشَّكِّ فِي سُوءٍ وَسُوأَى.
قَوْلُهُ: (عَائِذًا بِاللَّهِ) وَهَكَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ، وَهُوَ عَلَى الْحَالِ؛ أَيْ: أَقُولُ ذَلِكَ عَائِذًا. أَوْ عَلَى الْمَصْدَرِ؛ أَيْ عِيَاذًا. وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِالرَّفْعِ؛ أَيْ: أَنَا عَائِذٌ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ) هُوَ ابْنُ خَيَّاطٍ الْعُصْفُرِيُّ، وَأَكْثَرُ مَا يُخَرِّجُ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ يَقَعُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لَا يَقُولُ حَدَّثَنَا وَلَا أَخْبَرَنَا، وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي الْمُذَاكَرَةِ. وَقَوْلُهُ: سَعِيدٌ؛ هُوَ ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَمُعْتَمِرٌ هُوَ ابْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ أَبِيهِ) يَعْنِي عَنْ أَبِي مُعْتَمِرٍ، وَذَكَرَ هَذِهِ الطَّرِيقَ الْأُخْرَى لِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ: مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ وَأَنَّ بَقِيَّةَ شَرْحِهِ يَأْتِي فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
١٦ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ
٧٠٩٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: الْفِتْنَةُ هَاهُنَا، الْفِتْنَةُ هَاهُنَا؛ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ.
٧٠٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُولُ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ.
٧٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ "عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ"
٧٠٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ شَاهِينَ الْوَاسِطِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ بَيَانٍ عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا قَالَ فَبَادَرَنَا إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ وَ﴿قَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ"
قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ)؛ أَيْ مِنْ جِهَتِهِ، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ: الْأَوَّلُ ذَكَرَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُسَامَةَ فِي أَوَائِلِ كِتَابِ الْفِتَنِ وَجْهَ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﷺ: إِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ وَكَانَ خِطَابُهُ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ.
قَوْلُهُ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ بِسَنَدِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ.
قَوْلُهُ: (الْفِتْنَةُ هَهُنَا، الْفِتْنَةُ هَهُنَا) كَذَا فِيهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ: هَاإِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا؛ أَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَوْلُهُ: (مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ) كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: هَهُنَا أَرْضُ الْفِتَنِ، وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ يَعْنِي حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا، يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِثْلُ مَعْمَرٍ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ: أَوْ قَالَ: قَرْنُ الشَّمْسِ. بَلْ قَالَ: يَعْنِي الْمَشْرِقَ. وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ سَالِمٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ: هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا ثَلَاثًا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَالِمٍ مِثْلُهُ، لَكِنْ قَالَ: إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا ثَلَاثًا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، مَا أَسْأَلُكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبُكُمُ الْكَبِيرَةَ! سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَهُنَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ.
كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ، وَلَهُ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ سِيَاقِ حَنْظَلَةَ سَوَاءٌ، وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَخْرَجَهُ فِي الطَّلَاقِ ثُمَّ سَاقَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا وَلَمْ يُكَرِّرْ، وَكَذَا لِمُسْلِمٍ، وَأَوْرَدَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، عَنِ اللَّيْثِ؛ فَكَرَّرَهَا مَرَّتَيْنِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي قَوْلُهُ: (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا. . . الْحَدِيثَ) كَذَا أَوْرَدَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَزْهَرَ السَّمَّانِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ بِشْرِ بْنِ آدَمَ ابْنِ بِنْتِ أَزْهَرَ حَدَّثَنِي جَدِّي أَزْهَرُ بِهَذَا السَّنَدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ. وَمِثْلُهُ لِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ، عَنْ أَزْهَرَ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ أَبِيهِ كَذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مَوْقُوفًا، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ الِاخْتِلَافَ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا. فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، وَالدَّوْرَقِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَفِي نَجْدِنَا: قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَبَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا. قَالَ: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: هُنَاكَ فَذَكَرَهُ، لَكِنْ شَكَّ هَلْ قَالَ بِهَا أَوْ مِنْهَا، وَقَالَ يَخْرُجُ بَدَلَ يَطْلُعُ، وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِثْلُهُ فِي الْإِعَادَةِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةِ وَلَدِ ابْنِ عَوْنٍ: فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثَةُ أَوِ الرَّابِعَةُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: بِهَا الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَمِنْهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: إِنَّمَا تَرَكَ ﷺ الدُّعَاءَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ لِيَضْعُفُوا عَنِ الشَّرِّ الَّذِي هُوَ مَوْضُوعٌ فِي جِهَتِهِمْ لِاسْتِيلَاءِ الشَّيْطَانِ بِالْفِتَنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: قَرْنُ الشَّمْسِ فَقَالَ الدَّاوُدِيُّ: لِلشَّمْسِ قَرْنٌ حَقِيقَةً، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْقَرْنِ قُوَّةَ الشَّيْطَانِ وَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْإِضْلَالِ، وَهَذَا أَوْجَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَقْرِنُ رَأْسَهُ بِالشَّمْسِ عِنْدَ طُلُوعِهَا لِيَقَعَ سُجُودُ عَبَدَتِهَا لَهُ.
قِيلَ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّمْسِ شَيْطَانٌ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْقَرْنُ الْأُمَّةُ مِنَ النَّاسِ يَحْدُثُونَ بَعْدَ
فَنَاءِ آخَرِينَ، وَقَرْنُ الْحَيَّةِ أَنْ يُضْرَبَ الْمَثَلُ فِيمَا لَا يُحْمَدُ مِنَ الْأُمُورِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ أَهْلَ كُفْرٍ، فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ الْفِتْنَةَ تَكُونُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ فَكَانَ كَمَا أَخْبَرَ، وَأَوَّلُ الْفِتَنِ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ مِمَّا يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ وَيَفْرَحُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْبِدَعُ نَشَأَتْ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: نَجْدٌ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ، وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ نَجْدُهُ بَادِيَةَ الْعِرَاقِ وَنَوَاحِيهَا وَهِيَ مَشْرِقُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَصْلُ النَّجْدِ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ، وَهُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ فَإِنَّهُ مَا انْخَفَضَ مِنْهَا، وَتِهَامَةُ كُلُّهَا مِنَ الْغَوْرِ وَمَكَّةُ مِنْ تِهَامَةَ، انْتَهَى وَعُرِفَ بِهَذَا وَهَاءَ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ أنَّ نَجْدًا مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ نَجْدًا مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَلِيهِ يُسَمَّى الْمُرْتَفِعُ نَجْدًا وَالْمُنْخَفِضُ غَوْرًا.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ) هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَخَالِدٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَيَانٌ - بِمُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ خَفِيفَةٍ - هُوَ ابْنُ عَمْرٍو، وَوَبَرَةُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْمُوَحَّدَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَقَالَ عِيَاضٌ: ضَبَطْنَاهُ فِي مُسْلِمٍ بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا)؛ أَيْ حَسَنَ اللَّفْظِ يَشْتَمِلُ عَلَى ذِكْرِ التَّرْجَمَةِ وَالرُّخْصَةِ، فَشَغَلَهُ الرَّجُلُ فَصَدَّهُ عَنْ إِعَادَتِهِ حَتَّى عَدَلَ إِلَى التَّحَدُّثِ عَنِ الْفِتْنَةِ.
قَوْلُهُ: (فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ) تَقَدَّمَ فِي الْأَنْفَالِ أَنَّ اسْمَهُ حَكِيمٌ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَيَانٍ أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ فَذَكَرَهُ، وَفِيهِ: فَمَرَرْنَا بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: حَكِيمٌ.
قَوْلُهُ: (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هِيَ كُنْيَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (حَدِّثْنَا عَنِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ) يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْآيَةِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَأَنَّ فِيهَا الرَّدَّ عَلَى مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ كَابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُهُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكُ ظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ، وَقَدْ يَرِدُ مَوْرِدَ الزَّجْرِ كَمَا هُنَا، وَحَاصِلُ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وقاتلوهم) لِلْكُفَّارِ، فَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِقِتَالِ الْكَافِرِينَ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ يُفْتَنُ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَيَرْتَدُّ إِلَى الْكُفْرِ، وَوَقَعَ نَحْوُ هَذَا السُّؤَالِ مِنْ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ وَجَمَاعَةٍ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَأَجَابَهُمْ بِنَحْوِ جَوَابِ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَيَانٍ بِزِيَادَةِ: فَقَالَ بَدَلَ قَوْلِهِ: وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةٌ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ إِمَّا يَقْتُلُونَهُ وَإِمَّا يُوثِقُونَهُ حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلَامُ فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ؛ أَيْ لَمْ يَبْقَ فِتْنَةٌ، أَيْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ سُؤَالَهُ عَنْ عَلِيٍّ، وَعُثْمَانَ وَجَوَابَ ابْنِ عُمَرَ.
وَقَوْلُهُ هُنَا: وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ؛ أَيْ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ، يُشِيرُ إِلَى مَا وَقَعَ بَيْنَ مَرْوَانَ ثُمَّ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِهِ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَكَانَ رَأْيُ ابْنِ عُمَرَ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ مُحِقَّةٌ وَالْأُخْرَى مُبْطِلَةٌ، وَقِيلَ: الْفِتْنَةُ مُخْتَصَّةٌ بِمَا إِذَا وَقَعَ الْقِتَالُ بِسَبَبِ التَّغَالُبِ فِي طَلَبِ الْمُلْكِ، وَأَمَّا إِذَا عُلِمَتِ الْبَاغِيَةُ فَلَا تُسَمَّى فِتْنَةً وَتَجِبُ مُقَاتَلَتُهَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الطَّاعَةِ ; وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
١٧ - بَاب الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً … تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ
حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا … وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ
شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ … مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ