قُلْتُ: وَيَرُدُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ إِطْلَاقُ كَوْنِهِ مِنْ قَحْطَانَ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنَ الْأَحْرَارِ، وَتَقْيِيدُهُ فِي جَهْجَاهٍ بِأَنَّهُ مِنَ الْمَوَالِي مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ، وَعَلَى سِيرَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ دُونَهُ. ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ التِّيجَانِ لِابْنِ هِشَامٍ مَا يُعْرَفُ مِنْهُ - إِنْ ثَبَتَ - اسْمُ الْقَحْطَانِيِّ وَسِيرَتُهُ وَزَمَانُهُ، فَذَكَرَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ عَامِرٍ كَانَ مَلِكًا مُتَوَّجًا، وَكَانَ كَاهِنًا مُعَمِّرًا، وَأَنَّهُ قَالَ لِأَخِيهِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْمَعْرُوفِ بِمُزَيْقِيَا لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: إِنَّ بِلَادَكُمْ سَتُخَرَّبُ، وَإِنَّ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ سَخْطَتَيْنِ وَرَحْمَتَيْنِ: فَالسَّخْطَةُ الْأُولَى هَدْمُ سُدِّ مَأْرَبٍ وَتَخْرَبُ الْبِلَادُ بِسَبَبِهِ، وَالثَّانِيَةُ غَلَبَةُ الْحَبَشَةِ عَلَى أَرْضِ الْيَمَنِ.
وَالرَّحْمَةُ الْأُولَى بَعْثَةُ نَبِيٍّ مِنْ تِهَامَةَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ يُرْسَلُ بِالرَّحْمَةِ وَيَغْلِبُ أَهْلَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِيَةُ إِذَا خَرِبَ بَيْتُ اللَّهِ يَبْعَثُ اللَّهُ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ شُعَيْبُ بْنُ صَالِحٍ فَيُهْلِكُ مَنْ خَرَّبَهُ وَيُخْرِجُهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ بِالدُّنْيَا إِيمَانٌ إِلَّا بِأَرْضِ الْيَمَنِ انْتَهَى. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَجِّ أَنَّ الْبَيْتَ يُحَجُّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَتَقَدَّمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ وَأَنَّ الْكَعْبَةَ يُخَرِّبُهَا ذُو السَّوِيقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ، فَيَنْتَظِمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَبَشَةَ إِذَا خَرَّبَتِ الْبَيْتَ خَرَجَ عَلَيْهِمُ الْقَحْطَانِيُّ فَأَهْلَكَهُمْ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ ذَلِكَ يَحُجُّونَ فِي زَمَنِ عِيسَى بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَهَلَاكِهِمْ، وَأَنَّ الرِّيحَ الَّتِي تَقْبِصُ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تَبْدَأُ بِمَنْ بَقِيَ بَعْدَ عِيسَى وَيَتَأَخَّرُ أَهْلُ الْيَمَنِ بَعْدَهَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِمَّا يُفَسَّرُ بِهِ قَوْلُهُ: الْإِيمَانُ يَمَانٌ، أَيْ يَتَأَخَّرُ الْإِيمَانُ بِهَا بَعْدَ فَقْدِهِ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ. وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ الْقَحْطَانِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ تَخْرِيبِ الْكَعْبَةِ ذُو السَّوِيقَتَيْنِ فَلَعَلَّهُ رَمَزَ إِلَى هَذَا، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْأَحْكَامِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي الْخُلَفَاءِ الْاثْنَي عَشَرَ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِالْقَحْطَانِيِّ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هُنَا: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبَابِ فِي شَيْءٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ الْمُهَلَّبَ أَجَابَ بِأَنَّ وَجْهَهُ أَنَّ الْقَحْطَانِيَّ إِذَا قَامَ وَلَيْسَ مِنْ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَلَا مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِينَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمُ الْخِلَافَةَ فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَتَبْدِيلِ الْأَحْكَامِ بِأَنْ يُطَاعَ فِي الدِّينِ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ … انْتَهَى. وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ مُطَابِقٌ لِصَدْرِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ تَغَيُّرُ الزَّمَانِ، وَتَغَيُّرُهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الْفِسْقِ أَوِ الْكُفْرِ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْكُفْرِ، فَقِصَّةُ الْقَحْطَانِيِّ مُطَابِقَةٌ لِلتَّغَيُّرِ بِالْفِسْقِ مَثَلًا، وَقِصَّةُ ذِي الْخَلَصَةِ لِلتَّغَيُّرِ بِالْكُفْرِ، وَاسْتُدِلَّ بِقَصِّهِ الْقَحْطَانِيِّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِ قُرَيْشٍ، وَأَجَابَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّهُ إِنْذ ارٌ بِمَا يَكُونُ مِنَ الشَّرِّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ تَسَوُّرِ الْعَامَّةِ عَلَى مَنَازِلِ الِاسْتِقَامَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُدَّعِي، وَلَا يُعَارِضُ مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ … انْتَهَى. وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي بَابِ الْأُمَرَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ أَوَّلَ كِتَابِ الْأَحْكَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
٢٤ - بَاب خُرُوجِ النَّارِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنْ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ.
٧١١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى.
٧١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله ﷺ: "يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ
عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا قَالَ عُقْبَةُ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ" إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ "يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ"
قَوْلُهُ: (بَابُ خُرُوجِ النَّارِ) أَيْ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، ذَكَرَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ:
الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ: وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمُغْرِبِ) وَتَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ بَابِ الْهِجْرَةِ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مَوْصُولًا، مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ وَلَفْظُهُ: وَأَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَحْشُرُهُمْ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَوَصَلَهُ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ حُمَيْدٍ بِلَفْظِ: نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ، وَالْمُرَادُ بِالْأَشْرَاطِ الْعَلَامَاتُ الَّتِي يَعْقُبُهَا قِيَامُ السَّاعَةِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَشْرِ مِنْ كِتَابِ الرِّقَاقِ صِفَةُ حَشْرِ النَّارِ لَهُمْ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي: قَوْلُهُ: (عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: قَدْ خَرَجَتْ نَارٌ بِالْحِجَازِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ بَدْؤُهَا زَلْزَلَةً عَظِيمَةً فِي لَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَتَمَةِ الثَّالِثِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، وَاسْتَمَرَّتْ إِلَى ضُحَى النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَسَكَنَتْ، وَظَهَرَتِ النَّارُ بِقُرَيْظَةَ بِطَرَفِ الْحَرَّةِ، تُرَى فِي صُورَةِ الْبَلَدِ الْعَظِيمِ عَلَيْهَا سُورٌ مُحِيطٌ عَلَيْهِ شَرَارِيفُ وَأَبْرَاجٌ وَمَآذِنُ، وَتَرَى رِجَالًا يَقُودُونَهَا، لَا تَمُرُّ عَلَى جَبَلٍ إِلَّا دَكَّتْهُ وَأَذَابَتْهُ، وَيَخْرُجُ مِنْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ مِثْلُ النَّهَرِ أَحْمَرُ وَأَزْرَقُ لَهُ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ الرَّعْدِ يَأْخُذُ الصُّخُورَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْتَهِي إِلَى مَحَطِّ الرَّكْبِ الْعِرَاقِيِّ، وَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ رَدْمٌ صَارَ كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ، فَانْتَهَتِ النَّارُ إِلَى قُرْبِ الْمَدِينَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَأْتِي الْمَدِينَةَ نَسِيمٌ بَارِدٌ، وَشُوهِدَ لِهَذِهِ النَّارِ غَلَيَانٌ كَغَلَيَانِ الْبَحْرِ، وَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا: رَأَيْتُهَا صَاعِدَةً فِي الْهَوَاءِ مِنْ نَحْوِ خَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَسَمِعْتُ أَنَّهَا رُئِيَتْ مِنْ مَكَّةَ وَمِنْ جِبَالِ بُصْرَى. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: تَوَاتَرَ الْعِلْمُ بِخُرُوجِ هَذِهِ النَّارِ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الشَّامِ. وَقَالَ أَبُو شَامَةَ فِي ذَيْلِ الرَّوْضَتَيْنِ: وَرَدَتْ فِي أَوَائِلِ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ كُتُبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ فِيهَا شَرْحُ أَمْرٍ عَظِيمٍ حَدَثَ بِهَا فِيهِ تَصْدِيقٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ مِمَّنْ شَاهَدَهَا أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ كَتَبَ بِتَيْمَاءَ عَلَى ضَوْئِهَا الْكُتُبَ، فَمِنَ الْكُتُبِ.
فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: ظَهَرَ فِي أَوَّلِ جُمْعَةٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ فِي شَرْقَيِ الْمَدِينَةِ نَارٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ نِصْفُ يَوْمٍ انْفَجَرَتْ مِنَ الْأَرْضِ، وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ مِنْ نَارٍ حَتَّى حَاذَى جَبَلَ أُحُدٍ. وَفِي كِتَابٍ آخَرَ: انْبَجَسَتِ الْأَرْضُ مِنَ الْحَرَّةِ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ يَكُونُ قَدْرُهَا مِثْلَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ بِرَأْيِ الْعَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَسَالَ مِنْهَا وَادٍ يَكُونُ مِقْدَارُهُ أَرْبَعَ فَرَاسِخَ، وَعَرْضُهُ أَرْبَعَ أَمْيَالٍ، يَجْرِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ مِهَادٌ وَجِبَالٌ صِغَارٌ. وَفِي كِتَابٍ آخَرَ: ظَهَرَ ضَوْؤُهَا إِلَى أَنْ رَأَوْهَا مِنْ مَكَّةَ، قَالَ: وَلَا أَقْدِرُ أَصِفُ عِظَمَهَا، وَلَهَا دَوِيٌّ. قَالَ أَبُو شَامَةَ: وَنَظَمَ النَّاسُ فِي هَذَا أَشْعَارًا، وَدَامَ أَمْرُهَا أَشْهُرًا، ثُمَّ خَمَدَتْ. وَالَّذِي ظَهَرَ لِي أَنَّ النَّارَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ هِيَ الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ كَمَا فَهِمَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَأَمَّا النَّارُ الَّتِي تَحْشُرُ النَّاسَ فَنَارٌ أُخْرَى. وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْحِجَازِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَحْوُ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي ظَهَرَتْ بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيِّ، فَقَامَ فِي أَمْرِهَا حَتَّى أَخْمَدَهَا، وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قِصَّةٍ لَهُ ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِ الْجَمَاجِمِ وَأَوْرَدَهَا الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ طَرِيقِ يَعْلَى بْنِ مَهْدِيِّ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ
لِقَوْمِهِ: إِنِّي أُطْفي عَنْكُمْ نَارَ الْحِدْثَانِ …
فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَفِيهَا: فَانْطَلَقَ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْ شَقِّ جَبَلٍ مِنْ حَرَّةٍ. يُقَالُ لَهَا: حَرَّةُ أَشْجَعَ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ فِي دُخُولِهِ الشَّقَّ وَالنَّارُ كَأَنَّهَا جَبَلُ سَقَرَ: فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ حَتَّى أَدْخَلَهَا وَخَرَجَ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ طَرَفًا مِنْ تَرْجَمَتِهِ فِي كِتَابِي فِي الصَّحَابَةِ.
قَوْلُهُ: (تُضِيءُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى) قَالَ ابْنُ التِّينِ: يَعْنِي مِنْ آخِرِهَا يَبْلُغُ ضَوْؤُهَا إِلَى الْإِبِلِ الَّتِي تَكُونُ بِبُصْرَى، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَأَضَاءَ يَجِيءُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا، يُقَالُ: أَضَاءَتِ النَّارُ وَأَضَاءَتِ النَّارُ غَيْرَهَا وَبُصْرَى بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ مَقْصُورٌ: بَلَدٌ بِالشَّامِ، وَهِيَ حَوْرَانُ. وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: أَعْنَاقٌ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ تُضِيءُ مُتَعَدٍّ وَالْفَاعِلُ النَّارُ، أَيْ: تَجْعَلُ عَلَى أَعْنَاقِ الْإِبِلِ ضَوْءًا، قَالَ: وَلَوْ رَوَى بِالرَّفْعِ لَكَانَ مُتَّجِهًا، أَيْ: تُضِيءُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِهِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، أَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ التَّنُوخِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَرْفَعُهُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسِيلَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ الْحِجَازِ بِالنَّارِ تُضِيءُ لَهُ أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى، وَعُمَرُ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ، وَلَيَّنَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَهَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى النَّارِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْمِائَةِ السَّابِعَةِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي مَضَى التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ رُومَانَ أَوْ رَكُوبَةٍ تُضِيءُ مِنْهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى.
قُلْتُ: وَرَكُوبَةٌ ثَنِيَّةٌ صَعْبَةُ الْمُرْتَقَى فِي طَرِيقِ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ، مَرَّ بِهَا النَّبِيُّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، ذَكَرَهُ الْبَكْرِيُّ، وَرُومَانُ لَمْ يَذْكُرْهُ الْبَكْرِيُّ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ رُومَةُ الْبِئْرِ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَدِينَةِ، فَجَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ النَّارَيْنِ، وَأَنَّ إِحْدَاهُمَا تَقَعُ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ مَعَ جُمْلَةِ الْأُمُورِ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا الصَّادِقُ ﷺ ; وَالْأُخْرَى هِيَ الَّتِي يَعْقُبُهَا قِيَامُ السَّاعَةِ بِغَيْرِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ آخَرَ، وَتَقَدُّمُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى فِي الذِّكْرِ لَا يَضُرُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ) هُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَصِفَتِهِ، وَهُوَ مِنَ الطَّبَقَةِ الْوُسْطَى الثَّالِثَةِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، وَعَاشَ بَعْدَ الْبُخَارِيِّ سَنَةً وَاحِدَةً، وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعُمَرِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرٌ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ الْأَنْصَارِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ) أَيِ ابْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَالضَّمِيرُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، لَا لِشَيْخِهِ.
قَوْلُهُ: (يُوشِكُ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَقْرُبُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَحْسِرَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ وَالْحَاءُ وَالسِّينُ مُهْمَلَتَانِ: أَيْ يَنْكَشِفُ.
قَوْلُهُ: (الْفُرَاتُ) أَيِ النَّهَرُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ بِالتَّاءِ الْمَجْرُورَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَيُقَالُ: يَجُوزُ أَنَّهُ يُكْتَبُ بِالْهَاءِ كَالتَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالْعَنْكَبُوهِ أَفَادَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْعَدِيمِ فِي تَارِيخِهِ نَقْلًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ اللَّيْثِ.
قَوْلُهُ: (فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا) هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْأَخْذَ مِنْهُ مُمْكِنٌ، وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَنَانِيرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِطَعًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تِبْرًا.
قَوْلُهُ: (قَالَ عُقْبَةُ) هُوَ ابْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ هُوَ وَالَّذِي قَبْلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ، وَالْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، عَنِ الشَّيْخَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ) هُوَ ابْنُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ.
قَوْلُهُ: (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) يَعْنِي أَنَّ لِعُبَيْدِ اللَّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِسْنَادَيْنِ.
قَوْلُهُ: (يَحْسِرَ جَبَلٌ مِنْ ذَهَبٍ) يَعْنِي أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ اتَّفَقَتَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ كَنْزٌ، فَقَالَ الْأَعْرَجُ: جَبَلٌ، وَقَدْ سَاقَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ الْحَدِيثَيْنِ بِسَنَدٍ وَاحِدٍ مِنْ رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُقْبِلٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ، وَفَرَّقَهُمَا، وَلَفْظُهُمَا وَاحِدٌ إِلَّا لَفْظَ كَنْزٍ وَجَبَلٍ، وَتَسْمِيَتُهُ كَنْزًا بِاعْتِبَارِ حَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْكَشِفَ، وَتَسْمِيَتُهُ جَبَلًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى كَثْرَتِهِ، وَيُؤَيِّدُهُ
مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: تَقِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُتِلْتُ، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدْعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ ابْنُ التِّينِ: إِنَّمَا نَهَى عَنِ الْأَخْذِ مِنْهُ لِأَنَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِحَقِّهِ، قَالَ: وَمَنْ أَخَذَهُ وَكَثُرَ الْمَالُ نَدِمَ لِأَخْذِهِ مَا لَا يَنْفَعُهُ، وَإِذَا ظَهَرَ جَبَلٌ مِنْ ذَهَبٍ كَسَدَ الذَّهَبُ وَلَمْ يُرَدْ.