- عَهْدٍ
- ( بَابُ الْعَيْنِ مَعَ الْهَاءِ ) ( عَهِدَ ) * فِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ ، أَيْ : أَنَا مُقِيمٌ عَلَى مَا عَاهَدْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ بِكَ وَالْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّتِكَ ، لَا أَزُولُ عَنْهُ ، وَاسْتَثْنَى بِقَوْلِهِ : مَا اسْتَطَعْتُ مَوْضِعَ الْقَدَرِ السَّابِقِ فِي أَمْرِهِ : أَيْ إِنْ كَانَ قَدْ جَرَى الْقَضَاءُ أَنْ أَنْقُضَ الْعَهْدَ يَوْمًا مَا ، فَإِنِّي أُخْلِدُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى التَّنَصُّلِ وَالِاعْتِذَارِ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ فِي دَفْعِ مَا قَضَيْتَهُ عَلَيَّ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ : إِنِّي مُتَمَسِّكٌ بِمَا عَهِدْتَهُ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ وَنَهْيِكَ ، وَمُبْلِي الْعُذْرَ فِي الْوَفَاءِ بِهِ قَدْرَ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ ، وَإِنْ كُنْتُ لَا أَقْدِرُ أَنْ أَبْلُغَ كُنْهَ الْوَاجِبِ فِيهِ . [3/325] ( هـ س ) وَفِيهِ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ - أَيْ وَلَا ذُو ذِمَّةٍ فِي ذِمَّتِهِ - وَلَا مُشْرِكٌ أُعْطِيَ أَمَانًا فَدَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يَعُودَ إِلَى مَأْمَنِهِ . وَلِهَذَا الْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ بِمُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ مُطْلَقًا ؛ مُعَاهَدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُعَاهَدٍ ، حَرْبِيًّا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا ، مُشْرِكًا [ كَانَ ] أَوْ كِتَابِيًّا ، فَأَجْرَى اللَّفْظَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَلَمْ يُضْمِرْ لَهُ شَيْئًا ، فَكَأَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالْكَافِرِ ، وَعَنْ قَتْلِ الْمُعَاهَدِ ، وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ ؛ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّهُ قَدْ نُفِيَ عَنْهُ الْقَوَدُ بِقَتْلِهِ الْكَافِرَ فَيَظُنَّ أَنَّ الْمُعَاهَدَ لَوْ قَتَلَهُ كَانَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ ، فَقَالَ : وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ ، مُنْتَظِمًا فِي سِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ شَيْءٍ مَحْذُوفٍ . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ خَصَّصَ الْكَافِرَ فِي الْحَدِيثِ بِالْحَرْبِيِّ دُونَ الذِّمِّيِّ ، وَهُوَ بِخِلَافِ الْإِطْلَاقِ ؛ لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذِّمِّيِّ ، فَاحْتَاجَ أَنْ يُضْمِرَ فِي الْكَلَامِ شَيْئًا مُقَدَّرًا ، وَيَجْعَلُ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ بِكَافِرٍ : أَيْ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا كَافِرٌ مُعَاهَدٌ بِكَافِرٍ ؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَكُونُ مُعَاهَدًا وَغَيْرَ مُعَاهَدٍ . ( هـ ) وَفِيهِ : مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا عَلَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ ، وَهُوَ فِي الْحَدِيثِ بِالْفَتْحِ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ . وَالْمُعَاهَدُ : مَنْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَهْدٌ ، وَأَكْثَرُ مَا يُطْلَقُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَقَدْ يُطْلِقُ عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ إِذَا صُولِحُوا عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ مُدَّةً مَا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ أَيْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتَمَلَّكَ لُقَطَتُهُ الْمَوْجُودَةُ مِنْ مَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومُ الْمَالِ ، يَجْرِي حُكْمُهُ مَجْرَى حُكْمِ الذِّمِّيِّ . * وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ " الْعَهْدِ " فِي الْحَدِيثِ . وَيَكُونُ بِمَعْنَى الْيَمِينِ ، وَالْأَمَانِ ، وَالذِّمَّةِ ، وَالْحِفَاظِ ، وَرِعَايَةِ الْحُرْمَةِ ، وَالْوَصِيَّةِ . وَلَا تَخْرُجُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهِ عَنْ أَحَدِ هَذِهِ الْمَعَانِي . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ حُسْنُ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ ، يُرِيدُ الْحِفَاظَ وَرِعَايَةَ الْحُرْمَةِ . [3/326] ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : تَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ ، أَيْ مَا يُوصِيكُمْ بِهِ وَيَأْمُرُكُمْ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُهُ الْآخَرُ : رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ لِمَعْرِفَتِهِ بِشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَنَصِيحَتِهِ لَهُمْ . وَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - " عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَيْ : أَوْصَى . * وَحَدِيثُ عَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ " هُوَ ابْنُ أَخِي عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ أَخِي " . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ : وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ ، أَيْ عَمَّا كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الْبَيْتِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَنَحْوِهِمَا ؛ لِسَخَائِهِ وَسَعَةِ نَفْسِهِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِعَائِشَةَ : وَتَرَكْتِ عُهَّيْدَاهُ ، الْعُهَّيْدَى - بِالتَّشْدِيدِ وَالْقَصْرِ - فُعَّيْلَى مِنَ الْعَهْدِ ، كَالْجُهَّيْدَى مِنَ الْجَهْدِ ، وَالْعُجَّيْلَى مِنَ الْعَجَلَةِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ " عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ " هُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّقِيقَ وَلَا يَشْتَرِطَ الْبَائِعُ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْعَيْبِ ، فَمَا أَصَابَ الْمُشْتَرِي مِنْ عَيْبٍ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ ، وَيُرَدُّ إِنْ شَاءَ بِلَا بَيِّنَةٍ ، فَإِنْ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ فَلَا يُرَدُّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ .
- عِمِّيَّةٍ
- ( عَمَا ) [ هـ ] فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ ؟ فَقَالَ : كَانَ فِي عَمَاءٍ ، تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَفَوْقَهُ هَوَاءٌ ، الْعَمَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ : السَّحَابُ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَا يُدْرَى كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَاءُ . وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ فِي عَمًا " بِالْقَصْرِ ، وَمَعْنَاهُ لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ . وَقِيلَ : هُوَ كُلُّ أَمْرٍ لَا تُدْرِكُهُ عُقُولُ بَنِي آدَمَ ، وَلَا يَبْلُغُ كُنْهَهُ الْوَصْفُ وَالْفِطَنُ . وَلَا بُدَّ فِي قَوْلِهِ : أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا مِنْ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ ، كَمَا حُذِفَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ وَنَحْوِهِ ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : أَيْنَ كَانَ عَرْشُ رَبِّنَا ؟ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نُكَيِّفُهُ بِصِفَةٍ : أَيْ نُجْرِي اللَّفْظَ عَلَى مَا جَاءَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الصَّوْمِ : فَإِنْ عُمِّيَ عَلَيْكُمْ ، هَكَذَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ ، قِيلَ : هُوَ مِنَ الْعَمَاءِ : السَّحَابُ الرَّقِيقُ : أَيْ حَالَ دُونَهُ مَا أَعْمَى الْأَبْصَارَ عَنْ رُؤْيَتِهِ . * وَفِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ : لَأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي ، مِنَ التَّعْمِيَةِ وَالْإِخْفَاءِ وَالتَّلْبِيسِ ، حَتَّى لَا يَتْبَعَكُمَا أَحَدٌ . ( هـ س ) وَفِيهِ مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةِ عِمِّيَّةٍ فَقِتْلَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ قِيلَ : هُوَ فِعِّيلَةٌ ، مِنَ الْعَمَاءِ : الضَّلَالَةُ ، كَالْقِتَالِ فِي الْعَصَبِيَّةِ وَالْأَهْوَاءِ . وَحَكَى بَعْضُهُمْ فِيهَا ضَمَّ الْعَيْنِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّبَيْرِ " لِئَلَّا نَمُوتَ مِيتَةَ عِمِّيَّةٍ " أَيْ : مِيتَةَ فِتْنَةٍ وَجَهَالَةٍ . [3/305] * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّا فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فَهُوَ خَطَأٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ : فِي عِمِّيَةٍ فِي رِمِّيَّا تَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالْحِجَارَةِ فَهُوَ خَطَأٌ ، الْعِمِّيَّا بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيدِ وَالْقَصْرِ : فِعِّيلَى مِنَ الْعَمَى ، كَالرِّمِّيَّا مِنَ الرَّمْيِ ، وَالْخِصِّيصَى مِنَ التَّخْصِيصِ ، وَهِيَ مَصَادِرُ . وَالْمَعْنَى أَنْ يُوجَدَ بَيْنَهُمْ قَتِيلٌ يَعْمَى أَمْرُهُ وَلَا يَتَبَيَّنُ قَاتِلُهُ ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ قَتِيلِ الْخَطَأِ تَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : يَنْزُو الشَّيْطَانُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونُ دَمًا فِي عَمْيَاءَ فِي غَيْرِ ضَغِينَةٍ ، أَيْ : فِي غَيْرِ جَهَالَةٍ مِنْ غَيْرِ حِقْدٍ وَعَدَاوَةٍ . وَالْعَمْيَاءُ : تَأْنِيثُ الْأَعْمَى ، يُرِيدُ بِهَا الضَّلَالَةَ وَالْجَهَالَةَ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْأَعْمَيَيْنِ ، هُمَا السَّيْلُ وَالْحَرِيقُ ; لِمَا يُصِيبُ مَنْ يُصِيبَانِهِ مِنَ الْحَيْرَةِ فِي أَمْرِهِ ، أَوْ لِأَنَّهُمَا إِذَا حَدَثَا وَوَقَعَا لَا يُبْقِيَانِ مَوْضِعًا وَلَا يَتَجَنَّبَانِ شَيْئًا ، كَالْأَعْمَى الَّذِي لَا يَدْرِي أَيْنَ يَسْلُكُ ، فَهُوَ يَمْشِي حَيْثُ أَدَّتْهُ رِجْلُهُ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ سَلْمَانَ " سُئِلَ مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ ذِمَّتِنَا ؟ فَقَالَ : مِنْ عَمَاكَ إِلَى هُدَاكَ " أَيْ : إِذَا ضَلَلْتَ طَرِيقًا أَخَذْتَ مِنْهُمْ رَجُلًا حَتَّى يَقِفَكَ عَلَى الطَّرِيقِ . وَإِنَّمَا رَخَّصَ سَلْمَانَ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ كَانُوا صُولِحُوا عَلَى ذَلِكَ وَشُرِطَ عَلَيْهِمْ ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُشْرَطْ فَلَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْأُجْرَةِ . وَقَوْلُهُ : " مِنْ ذِمَّتِنَا " : أَيْ مِنْ أَهْلِ ذِمَّتِنَا . ( س ) وَفِيهِ : إِنَّ لَنَا الْمَعَامِيَ يُرِيدُ الْأَرْضَ الْمَجْهُولَةَ الْأَغْفَالِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا أَثَرُ عِمَارَةٍ ، وَاحِدُهَا : مَعْمًى ، وَهُوَ مَوْضِعُ الْعَمَى ، كَالْمَجْهَلِ . * وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ " تَسَفَّهُوا عَمَايَتَهُمْ " الْعَمَايَةُ : الضَّلَالَةُ ، وَهِيَ فَعَالَةٌ مِنَ الْعَمَى . ( هـ ) وَفِيهِ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ إِذَا قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ صَكَّةَ عُمَيٍّ ، يُرِيدُ أَشَدَّ الْهَاجِرَةِ . يُقَالُ : لَقِيتُهُ صَكَّةَ عُمَيٍّ : أَيْ نِصْفَ النَّهَارِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَلَا يُقَالُ إِلَّا فِي الْقَيْظِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا خَرَجَ وَقْتَئِذٍ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَمْلَأَ عَيْنَيْهِ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا فِي حَرْفِ الصَّادِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ " أَنَّهُ كَانَ يُغِيرُ عَلَى الصِّرْمِ فِي عَمَايَةِ الصُّبْحِ " أَيْ : فِي بَقِيَّةِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ . [3/306] ( هـ ) وَفِيهِ : مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ شَاةٍ بَيْنَ رَبِيضَيْنِ ، تَعْمُو إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً ، يُقَالُ : عَمَا يَعْمُو إِذَا خَضَعَ وَذَلَّ ، مِثْلَ عَنَا يَعْنُو ، يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَمِيلُ إِلَى هَذِهِ وَإِلَى هَذِهِ .
- مِيتَةً
- ( مَوَتَ ) * فِي دُعَاءِ الِانْتِبَاهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَما أَمَاتَنَا ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ، سَمَّى النَّوْمَ مَوْتًا ، لِأَنَّهُ يَزُولُ مَعَهُ الْعَقْلُ وَالْحَرَكَةُ ، تَمْثِيلًا وَتَشْبِيهًا ، لَا تَحْقِيقًا . وَقِيلَ : الْمَوْتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى السُّكُونِ . يُقَالُ : مَاتَتِ الرِّيحُ : أَيْ سَكَنَتْ . وَالْمَوْتُ يَقَعُ عَلَى أَنْوَاعٍ بِحَسَبِ أَنْوَاعِ الْحَيَاةِ ، فَمِنْهَا مَا هُوَ بِإِزَاءِ الْقُوَّةِ النَّامِيَةِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا . وَمِنْهَا زَوَالُ الْقُوَّةِ الْحِسِّيَّةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا . وَمِنْهَا زَوَالُ الْقُوَّةِ الْعَاقِلَةِ ، وَهِيَ الْجَهَالَةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ، وَ : إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى . وَمِنْهَا الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ الْمُكَدِّرُ لِلْحَيَاةِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ . وَمِنْهَا الْمَنَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا . وَقَدْ قِيلَ : الْمَنَامُ : الْمَوْتُ الْخَفِيفُ ، وَالْمَوْتُ : النَّوْمُ الثَّقِيلُ . وَقَدْ يُسْتَعَارُ الْمَوْتُ لِلْأَحْوَالِ الشَّاقَّةِ ، كَالْفَقْرِ ، وَالذُّلِّ ، وَالسُّؤَالِ ، وَالْهَرَمِ ، وَالْمَعْصِيَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " أَوَّلُ مَنْ مَاتَ إِبْلِيسُ " لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَصَى . ( س ) وَحَدِيثُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ " قِيلَ لَهُ : إِنَّ هَامَانَ قَدْ مَاتَ ، فَلَقِيَهُ ، فَسَأَلَ رَبَّهُ ، فَقَالَ لَهُ : أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَفْقَرْتُهُ فَقَدْ أَمَتُّهُ . ( س ) وَحَدِيثُ عُمَرَ " اللَّبَنُ لَا يَمُوتُ " أَرَادَ أَنَّ الصَّبِيَّ إِذَا رَضَعَ امْرَأَةً مَيِّتَةً حَرُمَ عَلَيْهِ مِنْ وَلَدِهَا وَقَرَابَتِهَا مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ لَوْ كَانَتْ حَيَّةً وَقَدْ رَضِعَهَا . [4/370] وَقِيلَ : مَعْنَاهُ إِذَا فُصِلَ اللَّبَنُ مِنَ الثَّدْيِ وَأُسْقِيَهُ الصَّبِيُّ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ وَلَا يَبْطُلُ عَمَلُهُ بِمُفَارَقَةِ الثَّدْيِ ، فَإِنَّ كُلَّ مَا انْفَصَلَ مِنَ الْحَيِّ مَيِّتٌ إِلَّا اللَّبَنَ وَالشَّعْرَ وَالصُّوفَ ، لِضَرُورَةِ الِاسْتِعْمَالِ . * وَفِي حَدِيثِ الْبَحْرِ : الْحِلُّ مَيْتَتُهُ : هُوَ بِفَتْحِ الْمِيمِ : اسْمٌ لِمَا مَاتَ فِيهِ مِنْ حَيَوَانِهِ ، وَلَا تُكْسَرُ الْمِيمُ . * وَفِي حَدِيثِ الْفِتَنِ : فَقَدَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ، هِيَ بِالْكَسْرِ حَالَةُ الْمَوْتِ : أَيْ كَمَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْفُرْقَةِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ : لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَحَزِّقِينَ وَلَا مُتَمَاوِتِينَ ، يُقَالُ : تَمَاوَتَ الرَّجُلُ إِذَا أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ التَّخَافُتَ وَالتَّضَاعُفَ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَالصَّوْمِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " رَأَى رَجُلًا مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ فَقَالَ : ارْفَعْ رَأْسَكَ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِمَرِيضٍ " . وَرَأَى رَجُلًا مُتَمَاوِتًا فَقَالَ : لَا تُمِتْ عَلَيْنَا دِينَنَا ، أَمَاتَكَ اللَّهُ . ( س ) وَحَدِيثُ عَائِشَةَ : نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ كَادَ يَمُوتُ تَخَافُتًا ، فَقَالَتْ : مَا لِهَذَا ؟ فَقِيلَ : إِنَّهُ مِنَ الْقُرَّاءِ ، فَقَالَتْ : كَانَ عُمَرُ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ ، كَانَ إِذَا مَشَى أَسْرَعَ وَإِذَا قَالَ أَسْمَعَ وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ بَدْرٍ : أَرَى الْقَوْمَ مُسْتَمِيتِينَ ، أَيْ مُسْتَقْتِلِينَ وَهُمُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْمَوْتِ . ( س ) وَفِيهِ : يَكُونُ فِي النَّاسِ مُوتَانٌ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ، الْمُوتَانُ بِوَزْنِ الْبُطْلَانِ : الْمَوْتُ الْكَثِيرُ الْوُقُوعِ . * وَفِيهِ : مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، الْمَوَاتُ : الْأَرْضُ الَّتِي لَمْ تُزْرَعْ وَلَمْ تُعْمَرْ ، وَلَا جَرَى عَلَيْهَا مِلْكُ أَحَدٍ . وَإِحْيَاؤُهَا : مُبَاشَرَةُ عِمَارَتِهَا ، وَتَأْثِيرُ شَيْءٍ فِيهَا . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : مَوَتَانُ الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، يَعْنِي مَوَاتَهَا الَّذِي لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ . [4/371] وَفِيهِ لُغَتَانِ : سُكُونُ الْوَاوِ ، وَفَتْحُهَا مَعَ فَتْحِ الْمِيمِ . وَالْمَوَتَانُ أَيْضًا : ضِدُّ الْحَيَوَانِ . * وَفِيهِ " كَانَ شِعَارُنَا يَا مَنْصُورُ أَمِتْ " هُوَ أَمْرٌ بِالْمَوْتِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ التَّفَاؤُلُ بِالنَّصْرِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْإِمَاتَةِ ، مَعَ حُصُولِ الْغَرَضِ لِلشِّعَارِ ، فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَامَةً بَيْنَهُمْ يَتَعَارَفُونَ بِهَا لِأَجْلِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ . * وَفِي حَدِيثِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ : مَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا ، أَيْ : فَلْيُبَالِغْ فِي طَبْخِهَما لِتَذْهَبَ حِدَّتُهُمَا وَرَائِحَتُهُمَا . * وَفِي حَدِيثِ الشَّيْطَانِ : أَمَّا هَمْزُهُ فَالْمُوتَةُ : يَعْنِي الْجُنُونَ . وَالتَّفْسِيرُ فِي الْحَدِيثِ . فَأَمَّا " غَزْوَةُ مُؤْتَةَ " فَإِنَّهَا بِالْهَمْزِ ، وَهِيَ مَوْضِعٌ مِنْ بَلَدِ الشَّامِ .
- وَفَارَقَ
- ( فَرِقَ ) ( س هـ ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ " أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ يُقَالُ لَهُ : الْفَرَقُ " الْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ : مِكْيَالٌ يَسَعُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا ، وَهِيَ اثْنَا عَشَرَ مُدًّا ، أَوْ ثَلَاثَةُ آصُعٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ . وَقِيلَ : الْفَرَقُ خَمْسَةُ أَقْسَاطٍ ، وَالْقِسْطُ : نِصْفُ صَاعٍ ، فَأَمَّا الْفَرْقُ بِالسُّكُونِ فَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مَا أَسْكَرَ الْفَرْقُ مِنْهُ فَالْحُسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ " . ( هـ ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ " مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَكُونَ كَصَاحِبِ فَرْقِ الْأَرُزِّ فَلْيَكُنْ مِثْلَهُ " . [3/438] ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " فِي كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرُقِ عَسَلٍ فَرَقٌ " الْأَفْرُقُ : جَمْعُ قِلَّةٍ لِفَرَقٍ ، مِثْلَ جَبَلٍ وَأَجْبُلٍ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ " فَجُئِثْتُ مِنْهُ فَرَقًا " الْفَرَقُ بِالتَّحْرِيكِ : الْخَوْفُ وَالْفَزَعُ . يُقَالُ : فَرِقَ يَفْرَقُ فَرَقًا . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي بَكْرٍ " أَبِاللَّهِ تُفَرِّقُنِي ؟ " أَيْ : تُخَوِّفُنِي . ( هـ ) وَفِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيصَتُهُ فَرَقَ " أَيْ : إِنْ صَارَ شَعْرُهُ فِرْقَيْنِ بِنَفْسِهِ فِي مَفْرَقِهِ تَرَكَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَرِقْ لَمْ يَفْرِقْهُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ " لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ " قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا فِي حَرْفِ الْجِيمِ وَالْخَاءِ مَبْسُوطًا . وَذَهَبَ أَحْمَدُ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ بِالْكُوفَةِ أَرْبَعُونَ شَاةً وَبِالْبَصْرَةِ أَرْبَعُونَ كَانَ عَلَيْهِ شَاتَانِ ؛ لِقَوْلِهِ : " لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ " ; وَلَوْ كَانَ لَهُ بِبَغْدَادَ عِشْرُونَ وَبِالْكُوفَةِ عِشْرُونَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَلَوْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى ; إِنْ جُمِعَتْ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ ، وَإِنْ لَمْ تُجْمَعْ لَمْ تَجِبْ فِي كُلِّ بَلَدٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْءٌ . ( س ) وَفِيهِ : الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا ، وَفِي رِوَايَةٍ : " مَا لَمْ يَفْتَرِقَا " ، اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّفَرُّقِ الَّذِي يَصِحُّ وَيَلْزَمُ الْبَيْعُ بِوُجُوبِهِ ، فَقِيلَ : هُوَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ وَالْفُقَهَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمَا : إِذَا تَعَاقَدَا صَحَّ الْبَيْعُ وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَشْهَدُ لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ ؛ فَإِنَّ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ فِي تَمَامِهِ " أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَايَعَ رَجُلًا فَأَرَادَ [3/439] أَنْ يُتِمَّ الْبَيْعَ مَشَى خُطُوَاتٍ حَتَّى يُفَارِقَهُ " وَإِذَا لَمْ يُجْعَلِ التَّفَرُّقُ شَرْطًا فِي الِانْعِقَادِ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فَائِدَةٌ ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَا لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ قَبُولُ الْبَيْعِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ، وَكَذَلِكَ الْبَائِعُ خِيَارُهُ ثَابِتٌ فِي مِلْكِهِ قَبْلَ عَقْدِ الْبَيْعِ . وَالتَّفَرُّقُ وَالِافْتِرَاقُ سَوَاءٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ ، وَالِافْتِرَاقَ فِي الْكَلَامِ . يُقَالُ : فَرَقْتُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فَافْتَرَقَا ، وَفَرَّقْتُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَتَفَرَّقَا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ " صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ " أَيْ : ذَهَبَ كُلٌّ مِنْكُمْ إِلَى مَذْهَبٍ وَمَالَ إِلَى قَوْلٍ وَتَرَكْتُمُ السُّنَّةَ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ " فَرِّقُوا عَنِ الْمَنِيَّةِ وَاجْعَلُوا الرَّأْسَ رَأْسَيْنِ " يَقُولُ : إِذَا اشْتَرَيْتُمُ الرَّقِيقَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْحَيَوَانِ فَلَا تُغَالُوا فِي الثَّمَنِ ، وَاشْتَرُوا بِثَمَنِ الرَّأْسِ الْوَاحِدِ رَأْسَيْنِ ، فَإِنْ مَاتَ الْوَاحِدُ بَقِيَ الْآخَرُ ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ فَرَقْتُمْ مَالَكُمْ عَنِ الْمَنِيَّةِ . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " كَانَ يُفَرِّقُ بِالشَّكِّ وَيَجْمَعُ بِالْيَقِينِ " يَعْنِي فِي الطَّلَاقِ ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى أَمْرٍ قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ وَلَا يُعْلَمُ مَنِ الْمُصِيبُ مِنْهُمْ ، فَكَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ احْتِيَاطًا فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ مِنْ صُوَرِ الشَّكِّ ، فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ بَعْدَ الشَّكِّ الْيَقِينُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا . * وَفِيهِ : مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ ، مَعْنَاهُ كُلُّ جَمَاعَةٍ عَقَدَتْ عَقْدًا يُوَافِقُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَارِقَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَقْدِ ، فَإِنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ اسْتَحَقَّ الْوَعِيدَ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ " : أَيْ يَمُوتُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْجَهْلِ . * وَفِي حَدِيثِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ : مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا الْإِنْجِيلِ وَلَا الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا ، الْفُرْقَانُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ : أَيْ أَنَّهُ فَارِقٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، وَالْحَلَّالِ وَالْحَرَامِ . يُقَالُ : فَرَقْتُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَفْرُقُ فَرْقًا وَفُرْقَانًا . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " مُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ " أَيْ : يَفْرُقُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ بِتَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : فِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " أَنَّ اسْمَهُ فِي الْكُتُبِ السَّالِفَةِ فَارِقُ لِيَطَا " أَيْ : يَفْرُقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . [3/440] * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " فَرَقَ لِي رَأْيٌ " أَيْ : بَدَا وَظَهَرَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الرِّوَايَةُ " فُرِقَ " عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . * وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ " قَالَ لَخَيْفَانَ : كَيْفَ تَرَكْتَ أَفَارِيقَ الْعَرَبِ ؟ " الْأَفَارِيقُ : جَمْعُ أَفْرَاقٍ ، وَأَفْرَاقٌ : جَمْعُ فِرْقٍ ، وَالْفِرْقُ وَالْفَرِيقُ وَالْفِرْقَةُ بِمَعْنًى . ( هـ ) وَفِيهِ : مَا ذِئْبَانِ عَادِيَانِ أَصَابَا فَرِيقَةَ غَنَمٍ ؟ الْفَرِيقَةُ : الْقِطْعَةُ مِنَ الْغَنَمِ تَشِذُّ عَنْ مُعْظَمِهَا . وَقِيلَ : هِيَ الْغَنَمُ الضَّالَّةُ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ " سُئِلَ عَنْ مَالِهِ ، فَقَالَ : فِرْقٌ لَنَا وَذَوْدٌ " الْفِرْقُ : الْقِطْعَةُ مِنَ الْغَنَمِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ طَهْفَةَ " بَارِكْ لَهُمْ فِي مَذْقِهَا وَفِرْقِهَا " وَبَعْضُهُمْ يَقُولُهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَهُوَ مِكْيَالٌ يُكَالُ بِهِ اللَّبَنُ . ( س ) وَفِيهِ تَأْتِي الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ، أَيْ : قِطْعَتَانِ . * وَفِيهِ " عُدُّوا مَنْ أَفَرَقَ مِنَ الْحَيِّ " أَيْ : بَرَأَ مِنَ الطَّاعُونِ . يُقَالُ : أَفْرَقَ الْمَرِيضُ مِنْ مَرَضِهِ إِذَا أَفَاقَ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إِلَّا فِي عِلَّةٍ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ مَرَّةً ، كَالْجُدَرِيِّ وَالْحَصْبَةِ . * وَفِيهِ " أَنَّهُ وَصَفَ لِسَعْدٍ فِي مَرَضِهِ الْفَرِيقَةَ " هِيَ تَمْرٌ يُطْبَخُ بِحُلْبَةٍ ، وَهُوَ طَعَامٌ يُعْمَلُ لِلنُّفَسَاءِ .