HadithLab
RU
صحيح مسلم

رقم الحديث ٢٤٧٣

حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ. وَكَانُوا يُحِلُّونَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ. فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَخِي أُنَيْسٌ وَأُمُّنَا. فَنَزَلْنَا عَلَى خَالٍ لَنَا. فَأَكْرَمَنَا خَالُنَا وَأَحْسَنَ إِلَيْنَا. فَحَسَدَنَا قَوْمُهُ فَقَالُوا: إِنَّكَ إِذَا خرجت عَنْ أَهْلِكَ خَالَفَ إِلَيْهِمْ أُنَيْسٌ. فَجَاءَ خَالُنَا فَنَثَا عَلَيْنَا الَّذِي قِيلَ لَهُ. فَقُلْتُ: أَمَّا مَا مَضَى مِنْ مَعْرُوفِكَ فَقَدْ كَدَّرْتَهُ، وَلَا جِمَاعَ لَكَ فِيمَا بَعْدُ. فَقَرَّبْنَا صِرْمَتَنَا. فَاحْتَمَلْنَا عَلَيْهَا. وَتَغَطَّى خَالُنَا ثَوْبَهُ فَجَعَلَ يَبْكِي. فَانْطَلَقْنَا حَتَّى نَزَلْنَا بِحَضْرَةِ مَكَّةَ. فَنَافَرَ أُنَيْسٌ عَنْ صِرْمَتِنَا وَعَنْ مِثْلِهَا. فَأَتَيَا الْكَاهِنَ. فَخَيَّرَ أُنَيْسًا. فَأَتَانَا أُنَيْسٌ بِصِرْمَتِنَا وَمِثْلِهَا مَعَهَا. قَالَ: وَقَدْ صَلَّيْتُ، يَا ابْنَ أَخِي! قَبْلَ أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِثَلَاثِ سِنِينَ. قُلْتُ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ. قُلْتُ: فَأَيْنَ تَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُوَجِّهُنِي رَبِّي. أُصَلِّي عِشَاءً حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أُلْقِيتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ. حَتَّى تَعْلُوَنِي الشَّمْسُ. فَقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ فَاكْفِنِي. فَانْطَلَقَ أُنَيْسٌ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ. فَرَاثَ عَلَيَّ. ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا بِمَكَّةَ عَلَى دِينِكَ. يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَاعِرٌ، كَاهِنٌ، سَاحِرٌ. وَكَانَ أُنَيْسٌ أَحَدَ الشُّعَرَاءِ. قَالَ أُنَيْسٌ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ. فَمَا هُوَ بِقَوْلِهِمْ. وَلَقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ. فَمَا يَلْتَئِمُ عَلَى لِسَانِ أَحَدٍ بَعْدِي؛ أَنَّهُ شِعْرٌ. وَاللَّهِ! إِنَّهُ لَصَادِقٌ. وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. قَالَ: قُلْتُ: فَاكْفِنِي حَتَّى أَذْهَبَ فَأَنْظُرَ. قَالَ فَأَتَيْتُ مَكَّةَ. فَتَضَعَّفْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ. فَقُلْتُ: أَيْنَ هَذَا الَّذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟ فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: الصَّابِئَ. فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ. حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ. قَالَ فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ. قَالَ فَأَتَيْتُ زَمْزَمَ فَغَسَلْتُ عَنِّي الدِّمَاءَ: وَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا. وَلَقَدْ لَبِثْتُ، يَا ابْنَ أَخِي! ثَلَاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي. وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ فَبَيْنَا أَهْلِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إِضْحِيَانَ، إِذْ ضُرِبَ عَلَى أَسْمِخَتِهِمْ. فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ. وَامْرَأَتَيْنِ مِنْهُمْ تَدْعُوَانِ إِسَافًا وَنَائِلَةَ. قَالَ فَأَتَتَا عَلَيَّ فِي طَوَافِهِمَا فَقُلْتُ: أَنْكِحَا أَحَدَهُمَا الْأُخْرَى. قَالَ فَمَا تَنَاهَتَا عَنْ قَوْلِهِمَا. قَالَ فَأَتَتَا عَلَيَّ. فَقُلْتُ: هَنٌ مِثْلُ الْخَشَبَةِ. غَيْرَ أَنِّي لَا أَكْنِي. فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ، وَتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ ههنا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا! قَالَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ. وَهُمَا هَابِطَانِ. قَالَ «مَا لَكُمَا؟» قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا. قَالَ «مَا قَالَ لَكُمَا؟» قَالَتَا: إِنَّهُ قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ. وَجَاءَ رسول الله ﷺ حتى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ. وَطَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ. ثُمَّ صَلَّى. فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ (قَالَ أَبُو ذَرٍّ) فَكُنْتُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ. قَالَ فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ «وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ». ثُمَّ قَالَ «مَنْ أَنْتَ؟» قَالَ قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ. قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أَنِ انْتَمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ. فَذَهَبْتُ آخُذُ بِيَدِهِ. فَقَدَعَنِي صَاحِبُهُ. وَكَانَ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ. ثُمَّ قَالَ «مَتَى كنت ههنا؟» قال قلت: قد كنت ههنا مُنْذُ ثَلَاثِينَ، بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ. قَالَ «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟» قَالَ قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ. فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي. وَمَا أَجِدُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ. قَالَ «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ. إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ. فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ. وَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا. فَفَتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا. فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ. وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ طَعَامٍ أَكَلْتُهُ بِهَا. ثُمَّ غَبَرْتُ مَا غَبَرْتُ. ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «إِنَّهُ قَدْ وُجِّهَتْ لِي أَرْضٌ ذَاتُ نَخْلٍ. لَا أُرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ. فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌ عَنِّي قَوْمَكَ؟ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ وَيَأْجُرَكَ فِيهِمْ». فَأَتَيْتُ أُنَيْسًا فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: صَنَعْتُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. قَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ. فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَأَتَيْنَا أُمَّنَا. فَقَالَتْ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا. فَإِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ. فَاحْتَمَلْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارًا. فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمْ. وَكَانَ يَؤُمُّهُمْ أَيْمَاءُ بْنُ رَحَضَةَ الْغِفَارِيُّ. وَكَانَ سَيِّدَهُمْ. وَقَالَ نِصْفُهُمْ: إِذَا قَدِمَ رسول الله ﷺ المدينة أَسْلَمْنَا. فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. فَأَسْلَمَ نِصْفُهُمُ الْبَاقِي. وَجَاءَتْ أَسْلَمُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِخْوَتُنَا. نُسْلِمُ عَلَى الذين أَسْلَمُوا عَلَيْهِ. فَأَسْلَمُوا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا. وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ».
  • مسلم:أورده في صحيحهصحيح مسلم ج7 ص152
ج ٤ ص ١٩١٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين سنن الدارمي, مسند أحمد
أَقْرَاءِ
( قَرَّا ) ( س ) فِيهِ : النَّاسُ قَوَارِي اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، أَيْ : شُهُودُهُ ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَتَبَّعُ بَعْضُهُمْ أَحْوَالَ بَعْضٍ ، فَإِذَا شَهِدُوا لِإِنْسَانٍ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فَقَدْ وَجَبَ ، وَاحِدُهُمْ : قَارٍ ، وَهُوَ جَمْعٌ شَاذٌّ حَيْثُ هُوَ وَصْفٌ لِآدَمِيٍّ ذَكَرٍ ، كَفَوَارِسَ ، وَنَوَاكِسَ . يُقَالُ : قَرَوْتُ النَّاسَ ، وَتَقَرَّيْتُهُمْ ، وَاقْتَرَيْتُهُمْ ، وَاسْتَقْرَيْتُهُمْ بِمَعْنًى . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَنَسٍ : «فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ» . ( س ) وَحَدِيثُ ابْنِ سَلَامٍ : «فَمَا زَالَ عُثْمَانُ يَتَقَرَّاهُمْ وَيَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ» . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ : «بَلَغَنِي عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ ، أَقُولُ : لَتَكْفُفْنَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ» . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «فَجَعَلَ يَسْتَقْرِي الرِّفَاقَ» . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ : «مَا وَلِيَ أَحَدٌ إِلَّا حَامَى عَلَى قَرَابَتِهِ وَقَرَى فِي عَيْبَتِهِ» أَيْ : جَمَعَ . يُقَالُ : قَرَى الشَّيْءَ يَقْرِيهِ قَرْيًا إِذَا جَمَعَهُ ، يُرِيدُ أَنَّهُ خَانَ فِي عَمَلِهِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ هَاجَرَ حِينَ فَجَّرَ اللَّهُ لَهَا زَمْزَمَ : فَقَرَتْ فِي سِقَاءٍ أَوْ شَنَّةٍ كَانَتْ مَعَهَا . ( هـ ) وَحَدِيثُ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ : «أَنَّهُ عُوتِبَ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ ، فَقَالَ : إِنَّ بِي جُرْحًا يَقْرِي ، وَرُبَّمَا ارْفَضَّ فِي إِزَارِي» أَيْ : يَجْمَعُ الْمِدَّةَ وَيَنْفَجِرُ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : «قَامَ إِلَى مَقْرَى بُسْتَانٍ فَقَعَدَ يَتَوَضَّأُ» الْمَقْرَى وَالْمَقْرَاةُ : الْحَوْضُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَاءُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ ظَبْيَانَ : «رَعَوْا قُرْيَانَهُ» أَيْ : مَجَارِيَ الْمَاءِ . وَاحِدُهَا : قَرِيٌّ ، بِوَزْنِ طَرِيٍّ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ قُسٍّ : «وَرَوْضَةٍ ذَاتِ قُرْيَانٍ» . * وَفِيهِ : إِنَّ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، هِيَ مَسْكَنُهَا وَبَيْتُهَا ، وَالْجَمْعُ : قُرًى ، وَالْقَرْيَةُ مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالْأَبْنِيَةِ : الضِّيَاعُ ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْمُدُنِ . [4/57] ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» هِيَ مَدِينَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَمَعْنَى أَكْلِهَا الْقُرَى مَا يُفْتَحُ عَلَى أَيْدِي أَهْلِهَا مِنَ الْمُدُنِ ، وَيُصِيبُونَ مِنْ غَنَائِمِهَا . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ : أَنَّهُ أُتِيَ بِضَبٍّ فَلَمْ يَأْكُلْهُ وَقَالَ : إِنَّهُ قَرَوِيٌّ ، أَيْ : مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ، يَعْنِي : إِنَّمَا يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْقُرَى وَالْبَوَادِي وَالضِّيَاعِ دُونَ أَهْلِ الْمُدُنِ . وَالْقَرَوِيُّ : مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَرْيَةِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ يُونُسَ ، وَالْقِيَاسُ : قَرَئِيٌّ . وَفِي حَدِيثِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ : «وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَلَيْسَ هُوَ بِشِعْرٍ» أَقْرَاءُ الشِّعْرِ : طَرَائِقُهُ وَأَنْوَاعُهُ ، وَاحِدُهَا : قَرْوٌ ، وَقَرْيٌ ، وَقَرِيٌّ . وَذَكَرَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْهَمْزِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ : «حِينَ مَدَحَ الْقُرْآنَ لَمَّا تَلَاهُ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ : هُوَ شِعْرٌ . قَالَ : لَا ، لَأَنِّي عَرَضْتُهُ عَلَى أَقْرَاءِ الشِّعْرِ فَلَيْسَ هُوَ بِشِعْرٍ» . ( س ) وَفِيهِ : «لَا تَرْجِعُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى قَرْوَاهَا» أَيْ : عَلَى أَوَّلِ أَمْرِهَا وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ . وَيُرْوَى : «عَلَى قَرْوَائِهَا» بِالْمَدِّ . * وَفِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ : «أَنَّهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِشَاةٍ وَشَفْرَةٍ ، فَقَالَ : ارْدُدِ الشَّفْرَةَ وَهَاتِ لِي قَرْوًا» يَعْنِي : قَدَحًا مِنْ خَشَبٍ . وَالْقَرْوُ : أَسْفَلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَيُنْبَذُ فِيهِ . وَقِيلَ : الْقَرْوُ : إِنَاءٌ صَغِيرٌ يُرَدَّدُ فِي الْحَوَائِجِ .
أَنْفَارِنَا
( نَفَرَ ) ( س ) فِيهِ : بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ، أَيْ لَا تَلْقَوْهُمْ بِمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى النُّفُورِ . يُقَالُ : نَفَرَ يَنْفِرُ نُفُورًا وَنِفَارًا ، إِذَا فَرَّ وَذَهَبَ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ، أَيْ مِنْ يَلْقَى النَّاسَ بِالْغِلْظَةِ وَالشِّدَّةِ ، فَيَنْفِرُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «لَا تُنَفِّرِ النَّاسَ» . ( س ) وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ : أنَّهُ اشْتَرَطَ لِمَنْ أَقْطَعُهُ أَرْضًا أَلَّا يُنَفَّرَ مَالُهُ ، أَيْ لَا يُزْجَرُ مَا يَرْعَى فِيهَا مِنْ مَالِهِ ، وَلَا يُدْفَعُ عَنِ الرَّعْيِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَجِّ : يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ . هُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ . وَالنَّفْرُ الْآخِرُ الْيَوْمُ الثَّالِثُ . * وَفِيهِ : وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . الِاسْتِنْفَارُ : الِاسْتِنْجَادُ وَالِاسْتِنْصَارُ : أَيْ إِذَا طُلِبَ مِنْكُمُ النُّصْرَةَ فَأَجِيبُوا وَانْفِرُوا خَارِجِينَ إِلَى الْإِعَانَةِ . وَنَفِيرُ الْقَوْمِ : جَمَاعَتُهُمُ الَّذِينَ يُنْفِرُونَ فِي الْأَمْرِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ بَعَثَ جَمَاعَةً إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ ، فَنَفَرَتْ لَهُمْ هُذَيْلٌ ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِهِمْ لَجَأوا إِلَى قَرْدَدٍ» أَيْ خَرَجُوا لِقِتَالِهِمْ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «غَلَبَتْ نُفُورَتُنَا نُفُورَتَهُمْ» يُقَالُ لِأَصْحَابِ الرَّجُلِ وَالَّذِينَ يَنْفِرُونَ مَعَهُ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ : نَفْرَتُهُ وَنَفْرُهُ ، وَنَافِرَتُهُ وَنُفُورَتُهُ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ حَمْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ «أُنْفِرَ بِنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» [5/93] يُقَالُ : أَنْفَرْنَا : أَيْ تَفَرَّقَتْ إِبِلُنَا ، وَأُنْفِرَ بِنَا : أَيْ جُعِلْنَا مُنْفِرِينَ ذَوِي إِبِلٍ نَافِرَةٍ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَأَنْفَرَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ بَعِيرَهَا حَتَّى سَقَطَتْ» . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ «مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ : لَا تُنْفِرُوا» أَيْ لَا تُنْفِرُوا إِبِلَنَا . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أَنْفَارِنَا» أَيْ مِنْ قَوْمِنَا ، جَمْعُ نَفَرٍ ، وَهُمْ رَهْطُ الْإِنْسَانِ وَعَشِيرَتُهُ ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ ، يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «وَنَفَرُنَا خُلُوفٌ» أَيْ رِجَالُنَا ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «أَنَّ رَجُلًا تَخَلَّلَ بِالْقَصَبِ ، فَنَفَرَ فُوهُ ، فَنَهَى عَنِ التَّخَلُّلِ بِالْقَصَبِ» أَيْ وَرِمَ . وَأَصْلُهُ مِنَ النِّفَارِ ; لِأَنَّ الْجِلْدَ يَنْفِرُ عَنِ اللَّحْمِ ، لِلدَّاءِ الْحَادِثِ بَيْنَهُمَا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ غَزْوَانَ «أَنَّهُ لَطَمَ عَيْنَهُ فَنَفَرَتْ» ، أَيْ وَرِمَتْ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «نَافَرَ أَخِي أُنَيْسٌ فُلَانًا الشَّاعِرَ» تَنَافَرَ الرَّجُلَانِ ، إِذَا تَفَاخَرَا ثُمَّ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا وَاحِدًا ، أَرَادَ أَنَّهُمَا تَفَاخَرَا أَيُّهُمَا أَجْوَدُ شِعْرًا . وَالْمُنَافَرَةُ : الْمُفَاخَرَةُ وَالْمُحَاكَمَةُ ، يُقَالُ : نَافَرَهُ فَنَفَرَهُ يَنْفُرُهُ ، بِالضَّمِّ ، إِذَا غَلَبَهُ . وَنَفَّرَهُ وَأَنْفَرَهُ ، إِذَا حَكَمَ لَهُ بِالْغَلَبَةِ . * وَفِيهِ : إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْعِفْرِيَةَ النِّفْرِيَةَ ، أَيِ الْمُنْكَرَ الْخَبِيثَ . وَقِيلَ : النِّفْرِيَةُ وَالنِّفْرِيتُ : إِتْبَاعٌ لِلْعِفْرِيَةِ وَالْعِفْرِيتِ .
الشَّهْرَ
( شَهَرَ ) ( هـ س ) فِيهِ صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ الشَّهْرُ : الْهِلَالُ ، سُمِّيَ بِهِ لِشُهْرَتِهِ وَظُهُورِهِ ، أَرَادَ صُومُوا أَوَّلَ الشَّهْرِ وَآخِرَهُ . وَقِيلَ : سِرُّهُ وَسَطُهُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ وَفِي رِوَايَةٍ إِنَّمَا الشَّهْرُ أَيْ إِنَّ فَائِدَةَ ارْتِقَابِ الْهِلَالِ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لِيُعْرَفَ نَقْصُ الشَّهْرِ قَبْلَهُ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّهْرُ نَفْسُهُ فَتَكُونُ اللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ . * وَفِيهِ سُئِلَ أَيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ ؟ فَقَالَ : شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ أَضَافَ الشَّهْرَ إِلَى اللَّهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَفْخِيمًا ، كَقَوْلِهِمْ : بَيْتُ اللَّهِ ، وَآلُ اللَّهِ ، لِقُرَيْشٍ . ( س ) وَفِيهِ شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ يُرِيدُ شَهْرَ رَمَضَانَ وَذَا الْحِجَّةِ : أَيْ إِنْ نَقَصَ عَدَدُهُمَا فِي الْحِسَابِ فَحُكْمُهَما عَلَى التَّمَامِ ؛ لِئَلَّا تَحْرَجَ أُمَّتُهُ إِذَا صَامُوا تِسْعَةً وَعِشْرِينَ ، أَوْ وَقَعَ حَجُّهُمْ خَطَأً عَنِ التَّاسِعِ أَوِ الْعَاشِرِ ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ قَضَاءٌ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي نُسُكِهِمْ نَقْصٌ . وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَهَذَا أَشْبَهُ . ( س ) وَفِيهِ مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الشُّهْرَةُ : ظُهُورُ الشَّيْءِ فِي شُنْعَةٍ حَتَّى يَشْهَرَهُ النَّاسُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ خَرَجَ أَبِي شَاهِرًا سَيْفَهُ رَاكِبًا رَاحِلَتَهُ تَعْنِي يَوْمَ الرِّدَّةِ : أَيْ مُبْرِزًا لَهُ مِنْ غِمْدِهِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ ثُمَّ وَضَعَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ أَيْ مَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ غِمْدِهِ لِلْقِتَالِ ، وَأَرَادَ بِوَضَعَهُ ضَرَبَ بِهِ . [2/516] ( هـ ) وَفِي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ : فَإِنِّي وَالضَّوَابِحِ كُلَّ يَوْمٍ وَمَا تَتْلُو السَّفَاسِرَةُ الشُّهُورُ أَيِ الْعُلَمَاءُ ، وَاحِدُهُمْ شَهْرٌ . كَذَا قَالَ الْهَرَوِيُّ .
الْكَاهِنَ
( كَهَنَ ) ( س ) فِيهِ نَهَى عَنْ حُلْوَانِ الْكَاهِنِ ، الْكَاهِنُ : الَّذِي يَتَعَاطَى الْخَبَرَ عَنِ الْكَائِنَاتِ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ ، وَيَدَّعِي مَعْرِفَةَ الْأَسْرَارِ . وَقَدْ كَانَ فِي الْعَرَبِ كَهَنَةٌ ، كَشِقٍّ ، وَسَطِيحٍ ، وَغَيْرِهِمَا ، فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ تَابِعًا مِنَ الْجِنِّ وَرَئِيًّا يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ [4/215] كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ الْأُمُورَ بِمُقَدِّمَاتِ أَسْبَابٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَى مَوَاقِعِهَا مِنْ كَلَامِ مَنْ يَسْأَلُهُ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ حَالِهِ ، وَهَذَا يَخُصُّونَهُ بِاسْمِ الْعَرَّافِ ، كَالَّذِي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ ، وَمَكَانِ الضَّالَّةِ وَنَحْوِهِمَا . * وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ : مَنْ أَتَى كَاهِنًا ، قَدْ يَشْتَمِلُ عَلَى إِتْيَانِ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ وَالْمُنَجِّمِ . وَجَمْعُ الْكَاهِنِ : كَهَنَةٌ وَكُهَّانٌ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْجَنِينِ : إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ ، إِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ ، وَلَمْ يَعِبْهُ بِمُجَرَّدِ السَّجْعِ دُونَ مَا تَضَمَّنَ سَجْعُهُ مِنَ الْبَاطِلِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : كَيْفَ نَدِيَ مَنْ لَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ . وَإِنَّمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالْكُهَّانِ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُرَوِّجُونَ أَقَاوِيلَهُمُ الْبَاطِلَةَ بِأَسْجَاعٍ تَرُوقُ السَّامِعِينَ ، فَيَسْتَمِيلُونَ بِهَا الْقُلُوبَ ، وَيَسْتَصْغُونَ إِلَيْهَا الْأَسْمَاعَ . فَأَمَّا إِذَا وُضِعَ السَّجْعُ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ الْكَلَامِ فَلَا ذَمَّ فِيهِ . وَكَيْفَ يُذَمُّ وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثِيرًا . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ ، مُفْرَدًا وَجَمْعًا ، وَاسْمًا وَفِعْلًا . * وَفِيهِ «أَنَّهُ قَالَ : يَخْرُجُ مِنَ الْكَاهِنَيْنِ رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ لَا يَقْرَأُ أَحَدٌ قِرَاءَتَهُ» قِيلَ : إِنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ . وَكَانَ يُقَالُ لِقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ : الْكَاهِنَانِ ، وَهُمَا قَبِيلَا الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وَفَهْمٍ وَعِلْمٍ ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ مِنْ أَوْلَادِهِمْ . وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَنْ يَتَعَاطَى عِلْمًا دَقِيقًا : كَاهِنًا . وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُسَمِّي الْمُنَجِّمَ وَالطَّبِيبَ كَاهِنًا .
انْتَمَيْتُ
[5/121] ( نَمَا ) ( هـ ) فِيهِ : لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ ، فَقَالَ خَيْرًا أَوْ نَمَى خَيْرًا . يُقَالُ : نَمَيْتُ الْحَدِيثَ أَنْمِيهِ ، إِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِصْلَاحِ وَطَلَبِ الْخَيْرِ ، فَإِذَا بَلَّغْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ وَالنَّمِيمَةِ ، قُلْتَ : نَمَّيْتُهُ ، بِالتَّشْدِيدِ . هَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الْحَرْبِيُّ : نَمَّى مُشَدَّدَةٌ . وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهَا مُخَفَّفَةً . وَهَذَا لَا يَجُوزُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَكُنْ يَلْحَنُ . وَمَنْ خَفَّفَ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ : خَيْرٌ ، بِالرَّفْعِ . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، فَإِنَّهُ يَنْتَصِبُ بِنَمَى ، كَمَا انْتَصَبَ بِقَالَ ، وَكِلَاهُمَا عَلَى زَعْمِهِ لَازِمَانِ ، وَإِنَّمَا نَمَّى مُتَعَدٍّ . يُقَالُ : نَمَيْتُ الْحَدِيثَ : أَيْ رَفَعْتُهُ وَأَبْلَغْتُهُ . [ هـ ] وَفِيهِ : لَا تُمَثِّلُوا بِنَامِيَةِ اللَّهِ النَّامِيَةُ : الْخَلْقُ ، مِنْ نَمَى الشَّيْءُ يَنْمِي وَيَنْمُو ، إِذَا زَادَ وَارْتَفَعَ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «يَنْمِي صُعُدًا» ، أَيْ يَرْتَفِعُ وَيَزِيدُ صُعُودًا . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى تَبُوكٍ ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ ، أَوِ امْرَأَتُهُ : كَيْفَ بِالْوَدِيِّ ؟ فَقَالَ : الْغَزْوُ أَنْمَى لِلْوَدِيِّ» ، أَيْ يُنَمِّيهِ اللَّهُ لِلْغَازِي ، وَيُحْسِنُ خِلَافَتَهُ عَلَيْهِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ «لَبِعْتُ الْفَانِيَةَ وَاشْتَرَيْتُ النَّامِيَةَ» أَيْ لَبِعْتُ الْهَرِمَةَ مِنَ الْإِبِلِ ، وَاشْتَرَيْتُ الْفَتِيَّةَ مِنْهَا . ( هـ ) وَفِيهِ : كُلْ مَا أَصْمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْتَ . الْإِنْمَاءُ : أَنْ تَرْمِيَ الصَّيْدَ فَيَغِيبَ عَنْكَ فَيَمُوتَ وَلَا تَرَاهُ . يُقَالُ : أَنْمَيْتُ الرَّمِيَّةَ فَنَمَتْ تَنْمِي ، إِذَا غَابَتْ ثُمَّ مَاتَتْ . وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا ، لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي هَلْ مَاتَتْ بِرَمْيِكَ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِهِ . * وَفِيهِ : مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ ، أَيِ انْتَسَبَ إِلَيْهِمْ وَمَالَ ، وَصَارَ مَعْرُوفًا بِهِمْ . يُقَالُ : نَمَيْتُ الرَّجُلَ إِلَى أَبِيهِ نَمْيًا : نَسَبْتُهُ إِلَيْهِ ، وَانْتَمَى هُوَ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «أَنَّهُ طَلَبَ مِنَ امْرَأَتِهِ نُمِّيَّةً أَوْ نَمَامِيَّ ، لِيَشْتَرِيَ بِهِ عِنَبًا ، فَلَمْ يَجِدْهَا» النُّمِّيَّةُ : الْفَلْسُ ، وَجَمْعُهَا : نَمَامِيٌّ ، كَذُرِّيَّةٍ وَذَرَارِيٍّ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : النُّمِّيُّ : الْفَلْسُ ، بِالرُّومِيَّةِ . وَقِيلَ : الدِّرْهَمُ الَّذِي فِيهِ رَصَاصٌ أَوْ نُحَاسٌ ، الْوَاحِدَةُ : نُمِّيَّةٌ .
تَمْلَأُ
( بَابُ الْمِيمِ مَعَ اللَّامِ ) ( مَلَأَ ) * قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ «الْمَلَإِ» فِي الْحَدِيثِ . وَالْمَلَأُ : أَشْرَافُ النَّاسِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ ، وَمُقَدَّمُوهُمُ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِهِمْ . وَجَمْعُهُ : أَمْلَاءٌ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا ، مُنْصَرَفَهُمْ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ ، يَقُولُ : مَا قَتَلْنَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا ، فَقَالَ : أُولَئِكَ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ ، لَوْ حَضَرْتَ فِعَالَهُمْ لَاحْتَقَرْتَ فِعْلَكَ» أَيْ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى ؟» يُرِيدُ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ حِينَ طُعِنَ «أَكَانَ هَذَا عَنْ مَلَأٍ مِنْكُمْ ؟» أَيْ تَشَاوُرٍ مِنْ أَشْرَافِكُمْ وَجَمَاعَتِكُمْ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ «لَمَّا ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَى الْمِيضَأَةِ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْسِنُوا الْمَلَأَ ، فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى» الْمَلَأُ : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَالْهَمْزَةِ كَالْأَوَّلِ : الْخُلُقُ . * وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : تَنَادَوْا يَا لَبُهْثَةَ إِذْ رَأَوْنَا فَقُلْنَا : أَحْسِنِي مَلَأً جُهَيْنَا * وَأَكْثَرُ قُرَّاءِ الْحَدِيثِ يَقْرَأونَهَا «أَحْسِنُوا الْمِلْءَ» بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ ، مِنْ مِلْءِ الْإِنَاءِ . وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ «أَحْسِنُوا أَمْلَاءَكُمْ» أَيْ أَخْلَاقَكُمْ . * وَفِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي الْمَسْجِدِ «فَصَاحَ بِهِ أَصْحَابُهُ ، فَقَالَ : أَحْسِنُوا مَلَأً» أَيْ خُلُقًا . [4/352] وَفِي غَرِيبِ أَبِي عُبَيْدَةَ «مَلَأً : أَيْ غَلَبَةً» . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ «أَنَّهُمُ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ : أَحْسِنُوا مَلَأَكُمْ أَيُّهَا الْمَرْؤونَ» . ( س ) وَفِي دُعَاءِ الصَّلَاةِ «لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ» هَذَا تَمْثِيلٌ ، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يَسَعُ الْأَمَاكِنَ . وَالْمُرَادُ بِهِ كَثْرَةُ الْعَدَدِ . يَقُولُ : لَوْ قُدِّرَ أَنْ تَكُونَ كَلِمَاتُ الْحَمْدِ أَجْسَامًا ، لَبَلَغَتْ مِنْ كَثْرَتِهَا أَنْ تَمْلَأَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ تَفْخِيمَ شَأْنِ كَلِمَةِ الْحَمْدِ . وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَجْرَهَا وَثَوَابَهَا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ «قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الْفَمَ» أَيْ أَنَّهَا عَظِيمَةٌ شَنِيعَةٌ ، لَا يَجُوزُ أَنْ تُحْكَى وَتُقَالَ ، فَكَأَنَّ الْفَمَ مَلْآنُ بِهَا ، لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ «امْلَئُوا أَفْوَاهَكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ» . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ «مِلْءُ كِسَائِهَا ، وَغَيْظُ جَارَتِهَا» أَرَادَتْ أَنَّهَا سَمِينَةٌ ، فَإِذَا تَغَطَّتْ بِكِسَائِهَا مَلَأَتْهُ . * وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ وَمَزَادَةِ الْمَاءِ «إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً مِنْهَا حِينَ ابْتُدِئَ فِيهَا» أَيْ أَشَدُّ امْتِلَاءً . يُقَالُ : مَلَأْتُ الْإِنَاءَ أَمْلَؤُهُ مَلْأً . وَالْمِلْءُ : الِاسْمُ . وَالْمِلْأَةُ أَخَصُّ مِنْهُ . * وَفِي حَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ «فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَتَمَزَّقُ كَأَنَّهُ الْمُلَاءُ حِينَ تُطْوَى» الْمُلَاءُ ، بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ : جَمْعُ مُلَاءَةٍ ، وَهِيَ الْإِزَارُ وَالرَّيْطَةُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ الْجَمْعَ مُلَأٌ ، بِغَيْرِ مَدٍّ . وَالْوَاحِدُ مَمْدُودٌ . وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ . شَبَّهَ تَفَرُّقَ الْغَيْمِ وَاجْتِمَاعَ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ فِي أَطْرَافِ السَّمَاءِ بِالْإِزَارِ ، إِذَا جُمِعَتْ أَطْرَافُهُ وَطُوِيَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ قَيْلَةَ «وَعَلَيْهِ أَسْمَالُ مُلَيَّتَيْنِ» هِيَ تَصْغِيرُ مُلَاءَةٍ ، مُثَنَّاةً مُخَفَّفَةَ الْهَمْزِ . * وَفِي حَدِيثِ الدَّيْنِ «إِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» الْمَلِيءُ بِالْهَمْزِ : الثِّقَةُ الْغَنِيُّ ، وَقَدْ مَلُؤَ ، فَهُوَ مَلِيءٌ بَيِّنَ الْمَلَاءِ وَالْمَلَاءَةِ بِالْمَدِّ . وَقَدْ أُولِعَ النَّاسُ فِيهِ بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ . [4/353] ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «لَا مَلِيءٌ وَاللَّهِ بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ» . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ «لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَأَقَدْتُهُمْ بِهِ» أَيْ تَسَاعَدُوا وَاجْتَمَعُوا وَتَعَاوَنُوا . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ «وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ وَلَا مَالَأْتُ فِي قَتْلِهِ» أَيْ مَا سَاعَدْتُ وَلَا عَاوَنْتُ .
تُوَلْوِلَانِ
( وَلْوَلَ ) فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «فَسَمِعَ تَوَلْوُلَهَا تُنَادِي : يَا حَسَنَانِ ، يَا حُسَيْنَانِ» الْوَلْوَلَةُ : صَوْتٌ مُتَتَابِعٌ بِالْوَيْلِ وَالِاسْتِغَاثَةِ . وَقِيلَ : هِيَ حِكَايَةُ صَوْتِ النَّائِحَةِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ «جَاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ ، فِي يَدِهَا فِهْرٌ وَلَهَا وَلْوَلَةٌ» . وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ «فَانْطَلَقَتَا تُوَلْوِلَانِ» . ( ه س ) وَفِي حَدِيثِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ : [5/227] أَنَا ابْنُ عَتَّابٍ وَسَيْفِي وَلْوَلْ وَالْمَوْتُ دُونَ الْجَمَلِ الْمُجَلَّلْ هُوَ اسْمُ سَيْفٍ كَانَ لِأَبِيهِ ، سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ بِهِ الرِّجَالَ ، فَتُوَلْوِلُ نِسَاؤُهُمْ عَلَيْهِمْ .
خِفَاءٌ
( خَفَا ) ( هـ ) فِيهِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنِ الْبَرْقِ فَقَالَ : أَخَفْوًا أَمْ وَمِيضًا خَفَا الْبَرْقُ يَخْفُو وَيَخْفِي خَفْوًا وَخَفْيًا : إِذَا بَرَقَ بَرْقًا ضَعِيفًا . ( هـ ) وَفِيهِ مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا ، أَوْ تَخْتَفُوا بَقْلًا أَيْ تُظْهِرُونَهُ . يُقَالُ : اخْتَفَيْتُ الشَّيْءَ : إِذَا أَظْهَرْتَهُ ، وَأَخْفَيْتُهُ : إِذَا سَتَرْتَهُ . وَيُرْوَى بِالْجِيمِ وَالْحَاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ كَانَ يُخْفِي صَوْتَهُ بِآمِينَ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ خَفَى يَخْفِي : إِذَا أَظْهَرَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا . فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ . ( هـ ) وَفِيهِ إِنَّ الْحَزَاءَةَ تَشْتَرِيهَا أَكَايِسُ النِّسَاءِ لِلْخَافِيَةِ وَالْإِقْلَاتِ الْخَافِيَةُ : الْجِنُّ ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْأَبْصَارِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَا تُحْدِثُوا فِي الْقَرَعِ فَإِنَّهُ مُصَلَّى الْخَافِينَ أَيِ الْجِنِّ . وَالْقَرَعُ بِالتَّحْرِيكِ : قِطَعٌ مِنَ الْأَرْضِ بَيْنَ الْكَلَأِ لَا نَبَاتَ فِيهَا . [2/57] ( س ) وَفِيهِ أَنَّهُ لَعَنَ الْمُخْتَفِيَ وَالْمُخْتَفِيَةَ الْمُخْتَفِي : النَّبَّاشُ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ ، وَهُوَ مِنَ الِاخْتِفَاءِ : الِاسْتِخْرَاجِ ، أَوْ مِنَ الِاسْتِتَارِ ; لِأَنَّهُ يَسْرِقُ فِي خُفْيَةٍ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ مَنِ اخْتَفَى مَيِّتًا فَكَأَنَّمَا قَتَلَهُ . ( س ) وَحَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ السُّنَّةُ أَنْ تُقْطَعَ الْيَدُ الْمُسْتَخْفِيَةُ وَلَا تُقْطَعَ الْيَدُ الْمُسْتَعْلِيَةُ يُرِيدُ بِالْمُسْتَخْفِيَةِ يَدَ السَّارِقِ وَالنَّبَّاشِ ، وَبِالْمُسْتَعْلِيَةِ يَدَ الْغَاصِبِ وَالنَّاهِبِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمَا . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ سَقَطْتُ كَأَنِّي خِفَاءٌ الْخِفَاءُ : الْكِسَاءُ ، وَكُلُّ شَيْءٍ غَطَّيْتَ بِهِ شَيْئًا فَهُوَ خِفَاءٌ . * وَفِيهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ هُوَ الْمُعْتَزِلُ عَنِ النَّاسِ الَّذِي يَخْفَى عَلَيْهِمْ مَكَانُهُ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْهِجْرَةِ أَخْفِ عَنَّا أَيِ اسْتُرِ الْخَبَرَ لِمَنْ سَأَلَكَ عَنَّا . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ أَيْ مَا أَخْفَاهُ الذَّاكِرُ وَسَتَرَهُ عَنِ النَّاسِ . قَالَ الْحَرْبِيُّ : وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ الشُّهْرَةُ وَانْتِشَارُ خَبَرِ الرَّجُلِ ; لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَجَابَ ابْنَهُ عُمَرَ عَلَى مَا أَرَادَهُ عَلَيْهِ وَدَعَاهُ إِلَيْهِ مِنَ الظُّهُورِ وَطَلَبِ الْخِلَافَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ . ( س ) وَفِيهِ إِنَّ مَدِينَةَ قَوْمِ لُوطٍ حَمَلَهَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى خَوَافِي جَنَاحِهِ هِيَ الرِّيشُ الصِّغَارُ الَّتِي فِي جَنَاحِ الطَّائِرِ ، ضِدُّ الْقَوَادِمِ ، وَاحِدَاتُهَا خَافِيَةٌ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ وَمَعِي خَنْجَرٌ مِثْلُ خَافِيَةِ النَّسْرِ يُرِيدُ أَنَّهُ صَغِيرٌ .
سُخْفَةَ
( سَخَفَ ) * فِي إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ لَبِثَ أَيَّامًا فَمَا وَجَدَ سَخْفَةَ جُوعٍ يَعْنِي رِقَّتَهُ وَهُزَالَهُ . وَالسَّخَفُ بِالْفَتْحِ رِقَّةُ الْعَيْشِ ، وَبِالضَّمِّ رِقَّةُ الْعَقْلِ . وَقِيلَ : هِيَ الْخِفَّةُ الَّتِي تَعْتَرِي الْإِنْسَانَ إِذَا جَاعَ ، مِنَ السُّخْفِ وَهِيَ الْخِفَّةُ فِي الْعَقْلِ وَغَيْرِهِ .
ضُرِبَ
( ضَرَبَ ) قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ : «ضَرْبُ الْأَمْثَالِ» . وَهُوَ اعْتِبَارُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ وَتَمْثِيلُهُ بِهِ . وَالضَّرْبُ : الْمِثَالُ . * وَفِي صِفَةِ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : «أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ» . هُوَ الْخَفِيفُ اللَّحْمِ الْمَمْشُوقُ الْمُسْتَدِقُّ . * وَفِي رِوَايَةٍ : «فَإِذَا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ ، رَجْلُ الرَّأْسِ» . هُوَ مُفْتَعِلٌ مِنَ الضَّرْبِ ، وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنْ تَاءِ الِافْتِعَالِ . [3/79] ( س ) وَمِنْهُ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ : «طُوَالٌ ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ» . ( س ) وَفِيهِ : لَا تُضْرَبُ أَكْبَادُ الْإِبِلِ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ . أَيْ : لَا تُرْكَبُ وَلَا يُسَارُ عَلَيْهَا . يُقَالُ : ضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ ، إِذَا سَافَرْتَ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ : «إِذَا كَانَ كَذَا ضَرَبَ يَعْسُوبُ الدِّينِ بِذَنَبِهِ» . أَيْ : أَسْرَعَ الذَّهَابَ فِي الْأَرْضِ فِرَارًا مِنَ الْفِتَنِ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ : «لَا تَصْلُحُ مُضَارَبَةُ مَنْ طُعْمَتُهُ حَرَامٌ» . الْمُضَارَبَةُ : أَنْ تُعْطِيَ مَالًا لِغَيْرِكَ يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَكُونُ لَهُ سَهْمٌ مَعْلُومٌ مِنَ الرِّبْحِ ، وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الضَّرْبِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّيْرِ فِيهَا لِلتِّجَارَةِ . * وَفِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ : «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْطَلَقَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي فَضَرَبَ الْخَلَاءَ ثُمَّ جَاءَ» . يُقَالُ : ذَهَبَ يَضْرِبُ الْغَائِطَ . وَالْخَلَاءَ ، وَالْأَرْضَ ، إِذَا ذَهَبَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «لَا يَذْهَبُ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ يَتَحَدَّثَانِ» . وَفِيهِ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ ضِرَابِ الْجَمَلِ . هُوَ نَزْوُهُ عَلَى الْأُنْثَى . وَالْمُرَادُ بِالنَّهْيِ مَا يُؤْخَذُ عَلَيْهِ مِنَ الْأُجْرَةِ ، لَا عَنْ نَفْسِ الضِّرَابِ . وَتَقْدِيرُهُ : نَهَى عَنْ ثَمَنِ ضِرَابِ الْجَمَلِ ، كَنَهْيِهِ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ . أَيْ : عَنْ ثَمَنِهِ . يُقَالُ : ضَرَبَ الْجَمَلُ النَّاقَةَ يَضْرِبُهَا إِذَا نَزَا عَلَيْهَا . وَأَضْرَبَ فُلَانٌ نَاقَتَهُ . أَيْ : أَنْزَى الْفَحْلَ عَلَيْهَا . ( س ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : «ضِرَابُ الْفَحْلِ مِنَ السُّحْتِ» . أَيْ : أَنَّهُ حَرَامٌ . وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ فَحْلٍ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّامِ : «كَمْ ضَرِيبَتُكَ ؟» . الضَّرِيبَةُ : مَا يُؤَدِّي الْعَبْدُ إِلَى سَيِّدِهِ مِنَ الْخَرَاجِ الْمُقَرَّرِ عَلَيْهِ ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ ، وَتُجْمَعُ عَلَى ضَرَائِبَ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِمَاءِ : «اللَّاتِي كَانَ عَلَيْهِنَّ لِمَوَالِيهِنَّ ضَرَائِبُ» . وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ مُفْرَدًا وَمَجْمُوعًا . ( هـ ) وَفِيهِ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ . هُوَ أَنْ يَقُولَ الْغَائِصُ فِي الْبَحْرِ لِلتَّاجِرِ : أَغُوصُ غَوْصَةً ، فَمَا أَخْرَجْتُهُ فَهُوَ لَكَ بِكَذَا ، نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ . [3/80] ( هـ ) وَفِيهِ : ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ وَسَطَ الشَّجَرِ الَّذِي تَحَاتَّ مِنَ الضَّرِيبِ . هُوَ الْجَلِيدُ . ( هـ ) وَفِيهِ : إِنَّ الْمُسْلِمَ الْمُسَدِّدَ لَيُدْرِكُ دَرَجَةَ الصُّوَّامِ بِحُسْنِ ضَرِيبَتِهِ . أَيْ : طَبِيعَتِهِ وَسَجِيَّتِهِ . ( هـ ) وَفِيهِ : «أَنَّهُ اضْطَرَبَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ» . أَيْ : أَمَرَ أَنْ يُضْرَبَ لَهُ وَيُصَاغَ ، وَهُوَ افْتَعَلَ مِنَ الضَّرْبِ : الصِّيَاغَةُ ، وَالطَّاءُ بَدَلٌ مِنَ التَّاءِ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ : «يَضْطَرِبُ بِنَاءً فِي الْمَسْجِدِ» . أَيْ : يَنْصِبُهُ وَيُقِيمُهُ عَلَى أَوْتَادٍ مَضْرُوبَةٍ فِي الْأَرْضِ . * وَفِيهِ : «حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» . أَيْ : رَوِيَتْ إِبِلُهُمْ حَتَّى بَرَكَتْ وَأَقَامَتْ مَكَانَهَا . * وَفِيهِ : «فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ» . هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ النَّوْمِ ، وَمَعْنَاهُ حُجِبَ الصَّوْتُ وَالْحِسُّ أَنْ يَلِجَا آذَانَهُمْ فَيَنْتَبِهُوا ، فَكَأَنَّهَا قَدْ ضُرِبَ عَلَيْهَا حِجَابٌ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ : «ضُرِبَ عَلَى أَصْمِخَتِهِمْ فَمَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ أَحَدٌ» . * وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : «فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى يَدِهِ» . أَيْ : أَعْقِدَ مَعَهُ الْبَيْعَ ; لِأَنَّ مِنْ عَادَةِ الْمُتَبَايِعَيْنِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُهُمَا يَدَهُ فِي يَدِ الْآخَرِ عِنْدَ عَقْدِ التَّبَايُعِ . ( س ) وَفِيهِ : «الصُّدَاعُ ضَرَبَانٌ فِي الصُّدْغَيْنِ» . ضَرَبَ الْعِرْقُ ضَرَبَانًا وَضَرْبًا إِذَا تَحَرَّكَ بِقُوَّةٍ . ( س ) وَفِيهِ : «فَضَرَبَ الدَّهْرُ مِنْ ضَرَبَانِهِ» . وَيُرْوَى : «مِنْ ضَرْبِهِ» . أَيْ : مَرَّ مِنْ مُرُورِهِ وَذَهَبَ بَعْضُهُ . * وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ : «عَتَبُوا عَلَى عُثْمَانَ ضَرْبَةَ السَّوْطِ وَالْعَصَا» . أَيْ : كَانَ مَنْ قَبْلَهُ يَضْرِبُ فِي الْعُقُوبَاتِ بِالدِّرَّةِ وَالنَّعْلِ ، فَخَالَفَهُمْ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ : «إِذَا ذَهَبَ هَذَا وَضُرَبَاؤُهُ» . هُمُ الْأَمْثَالُ وَالنُّظَرَاءُ وَاحِدُهُمْ : ضَرِيبٌ . [3/81] ( س ) وَفِي حَدِيثِ الْحَجَّاجِ : «لَأَجْزُرَنَّكَ جَزْرَ الضَّرَبِ» . هُوَ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - : الْعَسَلُ الْأَبْيَضُ الْغَلِيظُ . وَيُرْوَى بِالصَّادِ ، وَهُوَ الْعَسَلُ الْأَحْمَرُ .
طُعْمٍ
[3/125] ( بَابُ الطَّاءِ مَعَ الْعَيْنِ ) ( طَعِمَ ) ( س ) فِيهِ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطْعِمَ . يُقَالُ : أَطْعَمَتِ الشَّجَرَةُ إِذَا أَثْمَرَتْ ، وَأَطْعَمَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا أُدْرِكَتْ . أَيْ : صَارَتْ ذَاتَ طَعْمٍ وَشَيْئًا يُؤْكَلُ مِنْهَا . وَرُوِيَ : «حَتَّى تُطْعَمَ» . أَيْ : تُؤْكَلَ ، وَلَا تُؤْكَلَ إِلَّا إِذَا أُدْرِكَتْ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الدَّجَّالِ : «أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ هَلْ أَطْعَمَ ؟» أَيْ : هَلْ أَثْمَرَ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : «كَرِجْرِجَةِ الْمَاءِ لَا تُطْعِمُ» . أَيْ : لَا طَعْمَ لَهَا . يُقَالُ : أَطْعَمَتِ الثَّمَرَةُ إِذَا صَارَ لَهَا طَعْمٌ . وَالطَّعْمُ - بِالْفَتْحِ - : مَا يُوَدِّيهِ ذَوْقُ الشَّيْءِ مِنْ حَلَاوَةٍ وَمَرَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَلَهُ حَاصِلٌ وَمَنْفَعَةٌ . وَالطُّعْمُ بِالضَّمِّ : الْأَكْلُ . وَيُرْوَى : «لَا تَطَّعِمُ» بِالتَّشْدِيدِ . وَهُوَ تَفْتَعِلُ مِنَ الطَّعْمِ ، كَتَطَّرِدُ مِنَ الطَّرْدِ . ( هـ ) وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي زَمْزَمَ : «أَنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقُمٍ» . أَيْ : يَشْبَعُ الْإِنْسَانُ إِذَا شَرِبَ مَاءَهَا كَمَا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعَامِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْكِلَابِ : «إِذَا وَرَدْنَ الْحَكَرَ الصَّغِيرَ فَلَا تَطْعَمْهُ» . أَيْ : لَا تَشْرَبْهُ . ( س ) وَمِنْهُ حَدِيثُ بَدْرٍ : «مَا قَتَلْنَا أَحَدًا بِهِ طَعْمٌ ، مَا قَتَلْنَا إِلَّا عَجَائِزَ صُلْعًا» . هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ . أَيْ : قَتَلْنَا مَنْ لَا اعْتِدَادَ بِهِ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ وَلَا قَدْرَ . وَيَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الطَّاءِ وَضَمُّهَا ; لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طُعْمٌ وَلَا لَهُ طَعْمٌ فَلَا جَدْوَى فِيهِ لِلْآكِلِ وَلَا مَنْفَعَةَ . ( هـ ) وَفِيهِ : طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ . يَعْنِي : شِبَعُ الْوَاحِدِ قُوتُ الِاثْنَيْنِ ، وَشِبَعُ الِاثْنَيْنِ قُوتُ الْأَرْبَعَةِ . وَمِثْلُهُ قَوْلُ عُمَرَ عَامَ الرَّمَادَةِ : لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُنْزِلَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ بَيْتٍ مِثْلَ عَدَدِهِمْ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ بَطْنِهِ . [3/126] ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ : «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَطْعَمَ نَبِيًّا طُعْمَةً ثُمَّ قَبَضَهُ جَعَلَهَا لِلَّذِي يَقُومُ بَعْدَهُ» . الطُّعْمَةُ - بِالضَّمِّ - : شِبْهُ الرِّزْقِ ، يُرِيدُ بِهِ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِ . وَجَمْعُهَا : طُعَمٌ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ مِيرَاثِ الْجَدِّ : «إِنَّ السُّدُسَ الْآخَرَ طُعْمَةٌ» . أَيْ : أَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى حَقِّهِ . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ الْحَسَنِ : «وَقِتَالٌ عَلَى كَسْبِ هَذِهِ الطُّعْمَةِ» . يَعْنِي : الْفَيْءَ وَالْخَرَاجَ . وَالطِّعْمَةُ - بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ - : وَجْهُ الْمَكْسَبِ . يُقَالُ : هُوَ طَيِّبُ الطِّعْمَةِ وَخَبِيثُ الطِّعْمَةِ ، وَهِيَ بِالْكَسْرِ خَاصَّةً حَالَةُ الْأَكْلِ . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ : «فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ» . أَيْ : حَالَتِي فِي الْأَكْلِ . ( هـ س ) وَفِي حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ : مَنِ ابْتَاعَ مُصَرَّاةً فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ ; إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ . الطَّعَامُ : عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُقْتَاتُ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَحَيْثُ اسْتَثْنَى مِنْهُ السَّمْرَاءَ وَهِيَ الْحِنْطَةُ فَقَدْ أَطْلَقَ الصَّاعَ فِيمَا عَدَاهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ ، إِلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ خَصُّوهُ بِالتَّمْرِ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ كَانَ الْغَالِبَ عَلَى أَطْعِمَتِهِمْ ، وَالثَّانِي : أَنَّ مُعْظَمَ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّمَا جَاءَتْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ، وَفِي بَعْضِهَا قَالَ : «مِنْ طَعَامٍ» ثُمَّ أَعْقَبَهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ : «لَا سَمْرَاءَ» . حَتَّى إِنَّ الْفُقَهَاءَ قَدْ تَرَدَّدُوا فِيمَا لَوْ أَخْرَجَ بَدَلَ التَّمْرِ زَبِيبًا أَوْ قُوتًا آخَرَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَبِعَ التَّوْقِيفَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَآهُ فِي مَعْنَاهُ إِجْرَاءً لَهُ مَجْرَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ . وَهَذَا الصَّاعُ الَّذِي أَمَرَ بِرَدِّهِ مَعَ الْمُصَرَّاةِ هُوَ بَدَلٌ عَنِ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ فِي الضَّرْعِ عِنْدَ الْعَقْدِ . وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ رَدُّ عَيْنِ اللَّبَنِ أَوْ مِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ ; لِأَنَّ عَيْنَ اللَّبَنِ لَا تَبْقَى غَالِبًا ، وَإِنْ بَقِيَتْ فَتَمْتَزِجُ بِآخَرَ اجْتَمَعَ فِي الضَّرْعِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى تَمَامِ الْحَلْبِ . وَأَمَّا الْمِثْلِيَّةُ فَلِأَنَّ الْقَدْرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا بِمِعْيَارِ الشَّرْعِ كَانَتِ الْمُقَابَلَةُ مِنْ بَابِ الرِّبَا ، وَإِنَّمَا قُدِّرَ مِنَ التَّمْرِ دُونَ النَّقْدِ لِفَقْدِهِ عِنْدَهُمْ غَالِبًا ، وَلِأَنَّ التَّمْرَ يُشَارِكُ اللَّبَنَ فِي الْمَالِيَّةِ وَالْقُوتِيَّةِ . وَلِهَذَا الْمَعْنَى نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ بِعَيْبٍ آخَرَ سِوَى التَّصْرِيَةِ رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ لِأَجْلِ اللَّبَنِ . ( س ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ : «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ، أَوْ صَاعًا [3/127] مِنْ شَعِيرٍ» . قِيلَ : أَرَادَ بِهِ الْبُرَّ . وَقِيلَ : التَّمْرَ ، وَهُوَ أَشْبَهُ ; لِأَنَّ الْبُرَّ كَانَ عِنْدَهُمْ قَلِيلًا لَا يَتَّسِعُ لِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ . وَقَالَ الْخَلِيلُ : إِنَّ الْعَالِيَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الطَّعَامَ هُوَ الْبُرُّ خَاصَّةً . ( س ) وَفِيهِ : إِذَا اسْتَطْعَمَكُمُ الْإِمَامُ فَأَطْعِمُوهُ . أَيْ : إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ فِي قِرَاءَةِ الصَّلَاةِ وَاسْتَفْتَحَكُمْ فَافْتَحُوا عَلَيْهِ وَلَقِّنُوهُ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ تَشْبِيهًا بِالطَّعَامِ ، كَأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الْقِرَاءَةَ فِي فِيهِ كَمَا يُدْخَلُ الطَّعَامُ . * وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ : «فَاسْتَطْعَمْتُهُ الْحَدِيثَ» . أَيْ : طَلَبْتُ مِنْهُ أَنْ يُحَدِّثَنِي وَأَنْ يُذِيقَنِي طَعْمَ حَدِيثِهِ .
غَفَرَ
( بَابُ الْغَيْنِ مَعَ الْفَاءِ ) ( غَفَرَ ) * فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى : «الْغَفَّارُ وَالْغَفُورُ» وَهُمَا مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ ، وَمَعْنَاهُمَا السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ وَعُيُوبِهِمْ ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ ، وَأَصْلُ الْغَفْرِ : التَّغْطِيَةُ ، يُقَالُ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ غَفْرًا وَغُفْرَانًا وَمَغْفِرَةً ، وَالْمَغْفِرَةُ : إِلْبَاسُ اللَّهِ تَعَالَى الْعَفْوَ لِلْمُذْنِبِينَ . * وَفِيهِ : «كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ :» غُفْرَانَكَ « ، الْغُفْرَانُ : مَصْدَرٌ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَطْلُبُ ، وَفِي تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : التَّوْبَةُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي شُكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ مِنْ إِطْعَامِهِ وَهَضْمِهِ وَتَسْهِيلِ مَخْرَجِهِ ، فَلَجَأَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنَ التَّقْصِيرِ . وَالثَّانِي : أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ مِنْ تَرْكِهِ ذِكْرَ اللَّهِ - تَعَالَى - مُدَّةَ لُبْثِهِ عَلَى الْخَلَاءِ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَتْرُكُ ذِكْرَ اللَّهِ بِلِسَانِهِ أَوْ قَلْبِهِ إِلَّا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، فَكَأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ تَقْصِيرًا فَتَدَارَكَهُ بِالِاسْتِغْفَارِ . [3/374] وَفِيهِ : «غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا» يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاءً لَهَا بِالْمَغْفِرَةِ ، أَوْ إِخْبَارًا أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهَا . * وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ : «قُلْتُ لِعُرْوَةَ : كَمْ لَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَكَّةَ ؟ قَالَ : عَشْرًا ، قُلْتُ : فَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ بِضْعَ عَشْرَةَ ، قَالَ : فَغَفَّرَهُ» ، أَيْ قَالَ : غَفَرَ اللَّهُ لَهُ . ( هـ ) وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ ، لَمَّا حَصَّبَ الْمَسْجِدَ : «قَالَ : هُوَ أَغْفَرُ لِلنُّخَامَةِ» أَيْ : أَسْتَرُ لَهَا . وَفِي حَدِيثِ الْحُدَيْبِيَةِ : «وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَيْهِ الْمِغْفَرُ» هُوَ مَا يَلْبَسُهُ الدَّارِعُ عَلَى رَأْسِهِ مِنَ الزَّرَدِ وَنَحْوِهِ ، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ . [ هـ ] وَفِيهِ : «أَنَّ قَادِمًا قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ : كَيْفَ تَرَكْتَ الْحَزْوَرَةَ ؟ فَقَالَ : جَادَهَا الْمَطَرُ فَأَغْفَرَتْ بَطْحَاؤُهَا» : أَيْ أَنَّ الْمَطَرَ نَزَلَ عَلَيْهَا حَتَّى صَارَ كَالْغَفْرِ مِنَ النَّبَاتِ ، وَالْغَفْرُ : الزِّئْبَرُ عَلَى الثَّوْبِ . وَقِيلَ : أَرَادَ أَنَّ رِمْثَهَا قَدْ أَغْفَرَتْ : أَيْ أَخْرَجَتْ مَغَافِيرَهَا ، وَالْمَغَافِيرُ : شَيْءٌ يَنْضَحُهُ شَجَرُ الْعُرْفُطِ حُلْوٌ كَالنَّاطِفِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَصَفَ شَجَرَهَا فَقَالَ : «وَأَبْرَمَ سَلَمُهَا ، وَأَعْذَقَ إِذْخِرُهَا» . ( هـ ) وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ : «قَالَتْ لَهُ سَوْدَةُ : أَكَلْتَ مَغَافِيرَ !» ، وَاحِدُهَا مُغْفُورٌ ، بِالضَّمِّ ، وَلَهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ مُنْكَرَةٌ ، وَيُقَالُ أَيْضًا : «الْمَغَاثِيرُ» بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَهَذَا الْبِنَاءُ قَلِيلٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَرِدْ مِنْهُ إِلَّا مُغْفُورٌ ، وَمُنْخُورٌ لِلْمُنْخُرِ ، وَمُغْرُودٌ لِضَرْبٍ مِنَ الْكَمْأَةِ ، وَمُعْلُوقٌ وَاحِدُ الْمَعَالِيقِ . * وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ : «إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ لِأَخِيهِ غَفِيرَةً فِي أَهْلٍ أَوْ مَالٍ فَلَا يَكُونَنَّ لَهُ فِتْنَةً» ، الْغَفِيرَةُ : الْكَثْرَةُ وَالزِّيَادَةُ ، مِنْ قَوْلِهِمْ لِلْجَمْعِ الْكَثِيرِ : الْجَمُّ الْغَفِيرُ . [3/375] * وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : «قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَمِ الرُّسُلُ ، قَالَ : ثَلَاثُ مِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمَّ الْغَفِيرِ» ، أَيْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَرْفِ الْجِيمِ مَبْسُوطًا مُسْتَقْصًى .