فِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ الْأُولَى عَدَمُ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ الثَّانِيَةُ جَوَازُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَكْلِ بِغَيْرِ الْمَضْمَضَةِ الثَّالِثَةُ جَوَازُ مَسْحِ الْيَدِ بَعْدَ الطَّعَامِ وَأَنَّ غَسْلَهَا لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
[١٩٠] (انْتَهَشَ) النَّهْشُ بِالْمُعْجَمَةِ أَخْذُ اللَّحْمِ بِالْأَضْرَاسِ وَبِالْإِهْمَالِ بِمُقَدَّمِ الْفَمِ قَالَهُ الْكِرْمَانِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفِ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
[١٩١] (قَرَّبْتُ) بِشِدَّةِ الرَّاءِ (وَلَمْ يَتَوَضَّأِ) الْوُضُوءَ الشَّرْعِيَّ الْمُتَبَادِرَ مِنَ السِّيَاقِ
[١٩٢] (كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ ها هنا الشَّأْنُ وَالْقِصَّةُ لَا مُقَابِلَ النَّهْيِ
انْتَهَى
أَيْ آخِرُ الْوَاقِعَتَيْنِ مِنْهُ ﷺ (مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ) بِنُضْجٍ وَطَبْخٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[١٩٣] (مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ) وَهَذَا مِنِ بن السَّرْحِ تَوْثِيقٌ لِابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ
قُلْتُ وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ جَرْحٌ (ثُمَامَةَ) بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ (الْمُرَادِيُّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مَنْسُوبٌ إِلَى مُرَادٍ وَهُوَ
أَبُو قَبِيلَةٍ مِنَ الْيَمَنِ (مِصْرَ) بَدَلٌ مِنْ ضمير المتكلم (الجزء) بفتح الجيم وسكون الزاء الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) الرُّؤْيَةُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ تَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَيَاءُ الْمُتَكَلِّمِ فِيهِ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَسَابِعٌ الْمَفْعُولُ الثَّانِي وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي (فَنَادَاهُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِعْلَامِ لِلصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَذَانِ لَكِنْ لَا عَلَى الطَّرِيقِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا التَّثْوِيبُ بَلْ فِيهِ مُجَرَّدُ الْإِعْلَامِ وَالْإِيذَانِ (وَبُرْمَتُهُ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ هِيَ الْقِدْرُ وَجَمْعُهَا الْبِرَامُ بِكَسْرِ الْبَاءِ
قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ
(أَطَابَتْ بُرْمَتُكُ) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ وَالطَّيِّبُ خِلَافُ الْخَبِيثِ يُقَالُ طَابَ الشَّيْءُ يَطِيبُ طِيبَةً وَتَطْيَابًا وَنِسْبَةُ الطِّيبَةِ إِلَى الْبُرْمَةِ مَجَازٌ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ طِيبَةِ الْبُرْمَةِ تَطْيَابُ مَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ أَيْ نَضُجَ مَا فِي الْبُرْمَةِ وَصَارَ لَائِقًا لِلْأَكْلِ (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) أَيْ أَنْتَ مُفْدًى بِهِمَا أَوْ فَدَيْتُكَ بِهِمَا (فَتَنَاوَلَ مِنْهَا بَضْعَةً) أَيْ أَخَذَ مِنَ الْبُرْمَةِ قِطْعَةً مِنَ الذِي هُوَ فِيهَا وَهُوَ اللَّحْمُ (يَعْلِكُهَا) أَيْ يَمْضُغُهَا (أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ دَخَلَ فِيهَا (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أَيْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوْ إِلَى مَضْغِهِ لِتِلْكَ الْقِطْعَةِ ثُمَّ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ قَوْلَهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ قَالَهُ الرَّاوِي وَقْتَ تَحْدِيثِهِ بِذَلِكَ أَيْ أَنَا مُتَيَقِّنٌ بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ بَعْدَ الْأَكْلِ لِلصَّلَاةِ لَيْسَ بِضَرُورِيٍّ وَعَلَى أن أكل ما غيرته النار ليس بناقص لِلْوُضُوءِ
[١٩٤] ٧٦ بَاب التَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ أَيْ وُجُوبِ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ مِنْهُ
(الْأَغَرِّ) بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَشِدَّةِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (الْوُضُوءُ مِمَّا أَنْضَجَتِ النَّارُ) قَالَ الشَّيْخُ أَبُو زُرْعَةَ بْنُ زَيْنِ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ لَفْظُهُ الخبر ومعناه الأمر أي توضؤوا مِمَّا غَيَّرَتْهُ النَّارُ
[١٩٥] (فَسَقَتْهُ) أَيْ أَبَا سُفْيَانَ (قَدَحًا) بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ إِنَاءٌ يَسَعُ مَا يَرْوِي رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً (يا بن أُخْتِي أَلَا تَوَضَّأْ) أَيْ تَتَوَضَّأْ
وَفِي رِوَايَةِ الطحاوي قالت يا بن أَخِي تَوَضَّأْ فَقَالَ إِنِّي لَمْ أُحْدِثْ شَيْئًا (أَوْ قَالَ) النَّبِيُّ ﷺ وَالشَّكُّ مِنَ الرَّاوِي
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلى أنه لا ينتفض الْوُضُوءُ بِأَكْلِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلى وجوب الشَّرْعِيِّ بِأَكْلِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ وَاسْتَدَلَّتْ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ
وَأَجَابَ الْأَكْثَرُونَ عَنْ أَحَادِيثِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ بِوُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ بَلِ اخْتَصَرَهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ أَحَدُ رُوَاتِهِ كَمَا عَرَفْتَ
وَثَانِيهَا أَنَّ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا على الوجوب وهذا اختيار الخطابي وبن تَيْمِيَّةَ صَاحِبِ الْمُنْتَقَى
وَثَالِثُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْفَمِ وَالْكَفَّيْنِ وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ جِدًّا لِأَنَّ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا وَحَقِيقَةُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ غَسْلُ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي تغتسل لِلْوُضُوءِ فَلَا يُخَالَفُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ إِلَّا لِدَلِيلٍ
وَالَّذِي تَطْمَئِنُّ بِهِ الْقُلُوبُ مَا حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ الدَّارِمِيِّ أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَتْ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الرَّاجِحُ مِنْهَا نَظَرْنَا إِلَى مَا عَمِلَ بِهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَجَّحْنَا بِهِ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ وَارْتَضَى بِهَذَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَكَلُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ وَلَمْ يتوضئوا
قال الحافظ بن حَجَرٍ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَكَلْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ خُبْزًا وَلَحْمًا فَصَلَّوْا وَلَمْ يَتَوَضَّئُوا
وَفِي تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّ النَّارُ آثَارٌ أُخَرُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أجمعين
٧٧ - (بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ)
[١٩٦] أَيِ الْمَضْمَضَةُ وَغَسْلُ الْفَمِ بَعْدَ شُرْبِ اللَّبَنِ
(عَنْ عُقَيْلٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْإِمَامُ (إِنَّ لَهُ دَسَمًا) بِفَتْحَتَيْنِ مَنْصُوبًا اسْمُ إِنَّ وَهُوَ بَيَانٌ لِعِلَّةِ الْمَضْمَضَةِ مِنَ اللَّبَنِ
وَالدَّسَمُ مَا يَظْهَرُ عَلَى اللَّبَنِ مِنَ الدُّهْنِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ اسْتِحْبَابُ الْمَضْمَضَةِ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ دَسَمٌ قَالَ النَّوَوِيُّ الْحَدِيثُ فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمَضْمَضَةِ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْمَشْرُوبِ وَالْمَأْكُولِ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمَضْمَضَةُ لِئَلَّا يَبْقَى مِنْهُ بَقَايَا يَبْتَلِعُهَا فِي حَالِ الصَّلَاةِ وَلِيَنْقَطِعَ لُزُوجَتُهُ وَدَسَمُهُ وَيَتَطَهَّرَ فَمُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[١٩٧] ٧٨ بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْوُضُوءِ مِنَ اللَّبَنِ
(فَلَمْ يُمَضْمِضْ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَصَلَّى) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ مِنَ اللَّبَنِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي فِيهَا الدُّسُومَةُ ليس فيها أمرا ضروريا بَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَغْرَبَ بن شاهين فجعل حديث أنس ناسخا لحديث بن عَبَّاسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْ قَالَ فِيهِ بِالْوُجُوبِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى دَعْوَى النَّسْخِ
انْتَهَى (قَالَ زَيْدُ) بْنُ الْحُبَابِ الرَّاوِي عَنْ مُطِيعٍ (دَلَّنِي شُعْبَةُ) بْنُ حَجَّاجٍ أَحَدُ النَّاقِدِينَ لِلرِّجَالِ
وَالدَّلِيلُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ يُقَالُ قَدْ دَلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ يَدُلُّهُ دَلَالَةً (عَلَى هَذَا الشَّيْخِ) أَيْ مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ فَدَلَالَةُ شُعْبَةَ لِزَيْدٍ عَلَى مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ
لِأَخْذِ الْحَدِيثِ مِنْهُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ شُعْبَةَ كَانَ حَسَنَ الرَّأْيِ فِي مُطِيعِ بْنِ رَاشِدٍ وَإِلَّا لَمْ يَدُلَّ شُعْبَةُ عَلَى مَنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ وَضَعِيفًا عِنْدَهُ
قَالَ السُّيُوطِيُّ قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ وَمُطِيعٌ بَصْرِيٌّ
قَالَ الذَّهَبِيُّ إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَكِنْ قَالَ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ إِنَّ شُعْبَةَ دَلَّهُ عَلَيْهِ وَشُعْبَةُ لَا يَرْوِي إِلَّا عَنْ ثِقَةٍ فَلَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى ثِقَةٍ وَهَذَا هُوَ الْمُقْتَضِي لِسُكُوتِ أَبِي دَاوُدَ عَلَيْهِ
انْتَهَى
قُلْتُ وَكَذَا سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ