كِتَابِهِ
وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وبن معين ودحيم والبخاري وبن عَدِيٍّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَضَعَّفُوهُ فِي الْحِجَازِيِّينَ (وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ) إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ إِنَّمَا عَابُوا عَلَيْهِ أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ بِغَيْرِ سَمَاعٍ
وَالْحَاصِلُ أن بن عَوْفٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَوَّلًا عَنْ صَحِيفَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ بِغَيْرِ سَمَاعٍ وَأَجَازَهُ مِنْهُ ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ وَعَلَى كُلِّ حال فالحديث ليس بمتصل الإسناد لأن بن عَوْفٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ كِلَاهُمَا لَمْ يَسْمَعْ من إسماعيل بن عياش (حدثهم) أي جبيرا (جُبَيْرٌ) وَغَيْرُهُ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْ ثَوْبَانَ (عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ صِفَةِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ (أَمَّا الرَّجُلُ فَلْيَنْشُرْ رَأْسَهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ مِنَ النَّشْرِ هَكَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ أَيْ لِيُفَرِّقْ يُقَالُ جَاءَ الْقَوْمُ نَشْرًا أَيْ مُنْتَشِرِينَ مُتَفَرِّقِينَ (حَتَّى يَبْلُغَ) الْمَاءُ (أُصُولَ الشَّعْرِ) وَلَا يَحْصُلُ بُلُوغُ الْمَاءِ إِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ إِلَّا بِالنَّقْضِ إِنْ كان ضفيرا وإن لم يكن ضفيرا فبالإنتشار وَتَفْرِقَةٍ لِلشَّعْرِ وَهَذَا الْحُكْمُ لِلرِّجَالِ (وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا عَلَيْهَا أَنْ لَا تَنْقُضَهُ) لَا نَافِيَةٌ أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي تَرْكِ نَقْضِ شَعْرِهَا
وَقِيلَ زَائِدَةٌ فَالْمَعْنَى لَا وَاجِبَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ شَعْرَهَا (لِتَغْرِفْ) أَمْرٌ لِلْمُؤَنَّثِ الْغَائِبِ وَهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ (عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ) جَمْعُ غَرْفَةٍ بِفَتْحِ الْغَيْنِ مَصْدَرٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء أَحَدهمَا وَالْمَصِير إِلَى التَّرْجِيح فَالْجَوَاب مَا قَوْلكُمْ لَيْسَ فِيهِ أَمْر بِالْغُسْلِ فَفَاسِد فَإِنَّهُ قَالَ خُذِي مَاءَك وَسِدْرك وَهَذَا صَرِيح فِي الْغُسْل وَقَوْله اُنْقُضِي رَأْسك وَامْتَشِطِي أَمْر لَهَا فِي غُسْلهَا بِنَقْضِ رَأْسهَا لَا أَمْر بِمُجَرَّدِ النَّقْض وَالِامْتِشَاط
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ كَانَ فِي غُسْل الْإِحْرَامِ فَصَحِيح وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ غُسْل الْحَيْضِ آكَد الْأَغْسَال وَأَمَرَ فِيهِ النَّبِيّ ﷺ بِمَا لَمْ يَأْمُر بِهِ فِي سِوَاهُ مِنْ زِيَادَة التَّطَهُّر وَالْمُبَالَغَة فِيهِ فَأَمَرَهَا بِنَقْضِهِ وَهُوَ غَيْر رَافِع لِحَدَثِ الْحَيْضِ تَنْبِيه عَلَى وُجُوب نَقْضِهِ إِذَا كَانَ رَافِعًا لِحَدَثِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى
وَأَمَّا قَوْلكُمْ إِنَّهُ يُحْمَل عَلَى الِاسْتِحْبَاب جَمْعًا بَيْن الْحَدِيثَيْنِ فَهَذَا إِنَّمَا يَكُون عِنْد ثُبُوت تَلِك الزِّيَادَة الَّتِي تَنْفِي النَّقْض لِلْحَيْضِ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا غَيْر ثَابِتَة وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحْفُوظَة
لِلْمَرَّةِ مِنْ غَرَفَ إِذَا أَخَذَ الْمَاءَ بِالْكَفِّ قَالَهُ الطِّيبِيُّ
وَفِي بَعْضِ الشُّرُوحِ غَرْفَةٌ بِفَتْحِ الغين مصدر وبضم الغين المغروف أي ملأ الْكَفِّ وَغُرَفٌ بِالضَّمِّ جَمْعُ غُرْفَةٍ بِالضَّمِّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنُ عياش وأبوه وفيهما مقال
انتهى
قال بن الْقَيِّمِ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ وَهَذَا إِسْنَادٌ شَامِيٌّ وَحَدِيثُهُ عَنِ الشَّامِيِّينَ صَحِيحٌ
انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نَقْضِ الْمَرْأَةِ ضَفْرَ رَأْسِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ لَا يَجِبُ النَّقْضُ فِي غُسْلِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ كِلَيْهِمَا إِذَا وَصَلَ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهَا ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ وَإِلَى أُصُولِ الشَّعْرِ وَإِلَى جِلْدِ الرَّأْسِ وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَاسْتِدْلَالُهُمْ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ الْحَدِيثَ وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْهَا وَفِيهِ وَاغْمِزِي قُرُونَكِ عِنْدَ كُلِّ حَفْنَةٍ
وَالْغَمْزُ هُوَ التَّحْرِيكُ بِشِدَّةٍ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي صِفَةِ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ إلا بن مَاجَهْ وَفِيهِ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ فَيُخَلِّلُ شَعْرَهُ حَتَّى إِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ الْبَشَرَةَ أَوْ أَنْقَى الْبَشَرَةَ وَلِمُسْلِمٍ ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ثُمَّ يُشْرِبُهُ الْمَاءَ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ وَفِيهِ فَتُدَلِّكُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْمُؤَلِّفُ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تَدُلُّ بِظَاهِرِهَا عَلَى دَعْوَاهُمُ
الثَّانِي أَنَّهَا تَنْقُضُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ قَوْلُ إبراهيم النخعي
قال بن الْعَرَبِيِّ وَوَجْهُ قَوْلِهِ وُجُوبُ عُمُومِ الْغُسْلِ وَلَمْ يَرَ مَا وَرَدَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرُّخْصَةِ وَلَوْ رَآهُ مَا تَعَدَّاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
الثَّالِثُ وُجُوبُ النَّقْضِ فِي الْحَيْضِ دُونَ الْجَنَابَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاحْتِجَاجُهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ حَيْضَتِهَا نَقَضَتْ شَعْرَهَا نَقْضًا وَغَسَلَتْهُ بِخِطْمِيٍّ وَأُشْنَانٍ فَإِذَا اغْتَسَلَتْ مِنَ الْجَنَابَةِ صَبَّتْ عَلَى رَأْسِهَا الْمَاءَ وَعَصَرَتْهُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْأَفْرَادِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ
قُلْتُ قَالَ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ فِي إِسْنَادِهِ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ الْيَحْمَدِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَهُوَ غَيْرُ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ كُلُّهُمْ
وَأَيْضًا إِقْرَانُهُ بِالْغُسْلِ الْخِطْمِيَّ وأشنان يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِوُجُوبِ الْخِطْمِيِّ وَلَا الْأُشْنَانِ انْتَهَى وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا وَكَانَتْ حَائِضًا انْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي
رواه الأئمة الستة وهذا
لفظ بن مَاجَهْ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يارسول اللَّهِ هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ عُمْرَتِكِ
الْحَدِيثَ
قُلْتُ أُجِيبَ بِأَنَّ الْخَبَرَ وَرَدَ فِي مَنْدُوبَاتِ الْإِحْرَامِ وَالْغُسْلِ فِي تِلْكَ الْحَالِ لِلتَّنْظِيفِ لَا لِلصَّلَاةِ وَالنِّزَاعُ فِي غُسْلِ الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ
وَقَالَ فِي السَّيْلِ الْجَرَّارِ وَاخْتِصَاصُ هَذَا بِالْحَجِّ لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ فِي غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا وَلِلْحَجِّ مَدْخَلَةٌ فِي مَزِيدِ التَّصْيِيفِ ثُمَّ اقْتِرَانُهُ بِالِامْتِشَاطِ الَّذِي لَمْ يُوجِبْهُ أَحَدٌ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ انْتَهَى
الرَّابِعُ لَا يَجِبُ النَّقْضُ عَلَى النِّسَاءِ وَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ بَعْضِ شَعْرِهَا الْمَضْفُورِ وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى جَمِيعِ شَعْرِهِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ مِنْ غَيْرِ نَقْضٍ وَهَذَا الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ هُوَ الْقَوِيُّ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ النُّصُوصَ الصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْغُسْلِ يَجِبُ فِي جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ مِنْ شَعْرٍ وَبَشَرٍ حَتَّى لَا يَتِمَّ الْغُسْلُ إِنْ بَقِيَ مَوْضِعٌ يَسِيرٌ غَيْرَ مَغْسُولٍ وَهَذَا الْحُكْمُ بِعُمُومِهِ يَشْمَلُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لِأَنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ لَكِنْ رَخَّصَ الشَّارِعُ لِلنِّسَاءِ في ترك نقض ضفر رؤوسهن يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يارسول اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ قَالَ لَا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ
وَكَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ عَجَبًا لِابْنِ عَمْرٍو هَذَا يَأْمُرُ النِّسَاءَ إِذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ ينقضن رؤوسهن أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن الْحَدِيثَ وَكَذَا حَدِيثُ ثَوْبَانَ الْمُتَقَدِّمُ
وَإِنَّمَا رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنِّسَاءِ لِتَرْدَادِ حَاجَتِهِنَّ وَأَجْلِ مَشَقَّتِهِنَّ فِي نَقْضِ شُعُورِهِنَّ الْمَضْفُورَةِ فَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ مُغَايِرٌ لِلنِّسَاءِ فَإِذَا لا يَبُلَّ الرِّجَالُ جَمِيعَ شُعُورِهِمْ ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا لَا يَتِمُّ غُسْلُهُمْ بِخِلَافِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ إِذَا صَبَبْنَ على رؤوسهن ثلاث حثيات ثم غُسْلُهُنَّ وَإِنْ لَمْ يَصِلِ الْمَاءُ إِلَى دَاخِلِ بَعْضِ شُعُورِهِنَّ الْمَضْفُورَةِ
وَأَمَّا الضَّفْرُ لِلرِّجَالِ فَكَانَ أَقَلَّ الْقَلِيلِ وَنَادِرًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَهْدِ الصَّحَابَةِ فَلِذَا مَا دَعَتْ حَاجَتُهُمْ لِسُؤَالِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَا اضْطُرُّوا لِإِظْهَارِ مَشَقَّتِهِمْ لَدَيْهِ فَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَبَقِيَ لَهُمْ حُكْمُ تَعْمِيمِ غَسْلِ الرَّأْسِ عَلَى وُجُوبِهِ الْأَصْلِيِّ
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ شَكَلٍ سَأَلْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِيهِ فَتُدَلِّكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِهَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ مَنْصُورٌ هَذِهِ الْجُمْلَةَ وَإِنَّمَا أَتَى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُهَاجِرِ وَهُوَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ
وَالثَّانِي أَنَّهُ يُحْمَلُ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ شَكَلٍ عَلَى الْعَزِيمَةِ فَلَا مُنَافَاةَ وَاللَّهُ تعالى أعلم
والبسط في غاية
([٢٥٦] بَابٌ فِي الْجُنُبِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ)
هُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ كَذَا لِلْجَوْهَرِيِّ
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَمَنْ قَالَ خِطْمِيٌّ بِالْكَسْرِ فَقَدْ لَحَنَ قَالَهُ بن رَسْلَانَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ بِكَسْرِ خَاءٍ نَبْتٌ يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ
(عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ) بِضَمِّ السِّينِ عَلَى وَزْنِ خُرَافَةٍ (كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ) أَيْ فِي حال الجنابة (يجتزئ بذلك) قال بن رَسْلَانَ أَيْ إِنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الْمَخْلُوطِ بِهِ الْخِطْمِيُّ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ وَيَنْوِي بِهِ غسل الجنابة ولا يستعمل بعده ماءا آخَرَ صَافٍ يَخُصُّ بِهِ الْغُسْلَ وَهَذَا فِيمَا إِذَا وَضَعَ السِّدْرَ أَوِ الْخِطْمِيَّ عَلَى الرَّأْسِ وغسله به فإنه يجزئ ذَلِكَ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَانِيًا مُجَرَّدًا لِلْغُسْلِ
وَإِنَّمَا إِذَا طَرَحَ السِّدْرَ فِي الْمَاءِ ثُمَّ غَسَلَ بِهِ رَأْسَهُ فَإِنَّهُ لَا يَجْزِيهِ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْمَاءِ الْقَرَاحِ بَعْدَهُ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ
وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْمَاءِ الصَّافِي قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهُ بِالْخِطْمِيِّ فَارْتَفَعَتِ الْجَنَابَةُ عَنْ رَأْسِهِ ثُمَّ يَغْسِلُ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْخِطْمِيَّ كَانَ قَلِيلًا والماء لم يفحش تغيره انتهى كلام بن رسلان (ولا يصب عليه الماء) قال بن رَسْلَانَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ عَائِدٌ إِلَى الْخِطْمِيِّ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَى جَسَدِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي عَلَيْهِ عَائِدًا إِلَى رَأْسِهِ أَيْ يَصُبُّ الْمَاءَ الَّذِي يُزِيلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ وَلَا يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ الْآخَرَ بَعْدَ إِزَالَتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ مَجْهُولٌ قِيلَ يَكْتَفِي بِالْمَاءِ الَّذِي يَغْسِلُ بِهِ الْخِطْمِيَّ وَيَنْوِي غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَلَا يَسْتَعْمِلُ بَعْدَهُ مَاءً آخَرَ يَخُصُّ بِهِ الْغُسْلَ انْتَهَى
([٢٥٧] بَابٌ فِيمَا يَفِيضُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ يَسِيلُ)
(بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَاءِ) أَيِ الْمَنِيِّ أَوِ الْمَذْيِ (مِنَ الْمَاءِ) قال بن رَسْلَانَ يَعْنِي أَنَّهُ سَأَلَ
عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مِنَ الْمَذْيِ وَالْمَنِيِّ مَا حُكْمُهُ (يَصُبُّ عَلَى الْمَاءِ) الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ عِنْدَ مُبَاشَرَتِهَا وَيُرْوَى يَصُبُّ عَلَيَّ بِتَشْدِيدِ الياء قاله بن رَسْلَانَ (كَفًّا مِنْ مَاءٍ) يَعْنِي الْمَاءَ الْبَاقِي مِنْهُ
وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَذْيِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي غسل رَشُّ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ كَذَا فِي شَرْحِ بن رَسْلَانَ