وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ نَافِلَةٌ وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهَا نَافِلَةٌ انْتَهَى
[٣٩٢] (قَالَ أَفْلَحَ وَأَبِيهِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذِهِ كَلِمَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ تَسْتَعْمِلُهَا كَثِيرًا فِي خِطَابِهَا تُرِيدُ بِهَا التَّوْكِيدَ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِأَبِيهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْهُ قَبْلَ النَّهْيِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَرَى مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى عَادَةِ الْكَلَامِ الْجَارِي عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ وَهُوَ لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقَسَمَ كَلَغْوِ الْيَمِينِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كسبت قلوبكم قَالَتْ عَائِشَةُ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ فِي كَلَامِهِ لَا وَاللَّهِ وَبَلَى وَاللَّهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَفِيهِ وجه اخر وهو أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أَضْمَرَ فِيهِ اسْمَ اللَّهِ كَأَنَّهُ قَالَ لَا وَرَبِّ أَبِيهِ وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُضْمِرُونَ ذَلِكَ فِي أَيْمَانِهِمْ وَإِنَّمَا كَانَ مَذْهَبُهُمْ فِي ذَلِكَ مَذْهَبُ التَّعْظِيمِ لِآبَائِهِمْ وَقَدْ يَحْتَمِلُ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَقَعَ عَنْهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّوْقِيرِ وَالتَّعْظِيمِ لَحِقَهُ دُونَ مَا كَانَ بِخِلَافِهِ
وَالْعَرَبُ قَدْ تُطْلِقُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي كَلَامِهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْآخَرُ عَلَى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلْكَلَامِ دُونَ الْقَسَمِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
([٣٩٣] بَاب فِي الْمَوَاقِيتِ)
(عِنْدَ الْبَيْتِ) أَيْ الْكَعْبَةِ
وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ وَفِي أُخْرَى في
مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ (مَرَّتَيْنِ) أَيْ فِي يَوْمَيْنِ لِيُعَرِّفَنِي كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِهَا (فَصَلَّى بِي) الْبَاءُ لِلْمُصَاحَبَةِ وَالْمَعِيَّةِ أَيْ صَلَّى مَعِي (وَكَانَتْ) أَيِ الشَّمْسُ وَالْمُرَادُ مِنْهَا الْفَيْءُ أَيِ الظِّلُّ الرَّاجِعُ مِنَ النُّقْصَانِ إِلَى الزِّيَادَةِ وَهُوَ بَعْدُ الزَّوَالِ مِثْلُ شِرَاكِ النَّعْلِ (قَدْرَ الشراك) قال بن الْأَثِيرِ الشِّرَاكُ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا وقدره ها هنا لَيْسَ عَلَى مَعْنَى التَّحْدِيدِ وَلَكِنْ زَوَالُ الشَّمْسِ لَا يَبِينُ إِلَّا بِأَقَلِّ مَا يُرَى مِنَ الظِّلِّ وَكَانَ حِينَئِذٍ بِمَكَّةَ هَذَا الْقَدْرُ وَالظِّلُّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ فِي مِثْلِ مَكَّةَ مِنَ الْبِلَادِ الَّتِي يَقِلُّ فِيهَا الظِّلُّ فَإِذَا كَانَ أَطْوَلُ النَّهَارِ وَاسْتَوَتِ الشَّمْسُ فَوْقَ الْكَعْبَةِ لَمْ يُرَ بِشَيْءٍ مِنْ جَوَانِبِهَا ظِلٌّ فَكُلُّ بَلَدٍ يَكُونُ أَقْرَبُ إِلَى خَطِّ الِاسْتِوَاءِ وَمُعَدَّلُ النَّهَارِ يَكُونُ الظِّلُّ فِيهِ أَقْصَرَ وَكُلُّ مَا بَعُدَ عَنْهُمَا إِلَى جِهَةِ الشِّمَالِ يَكُونُ الظِّلُّ أَطْوَلَ انْتَهَى
وَالْمُرَادُ مِنْهُ وَقْتُ الظُّهْرِ حِينَ يَأْخُذُ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ (حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أَيْ دَخَلَ وَقْتُ إِفْطَارِهِ بِأَنْ غَابَتِ الشَّمْسُ وَدَخَلَ اللَّيْلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَفِي رِوَايَةٍ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ وَهُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ (حِينَ غَابَ الشَّفَقُ) أَيِ الأحمر على الأشهر قال بن الْأَثِيرِ الشَّفَقُ مِنَ الْأَضْدَادِ يَقَعُ عَلَى الْحُمْرَةِ الَّتِي تُرَى فِي الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَعَلَى الْبَيَاضِ الْبَاقِي فِي الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ بَعْدَ الْحُمْرَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ انْتَهَى (حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ) يَعْنِي أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
(فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ) أَيِ الْيَوْمُ الثَّانِي (حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ) أَيْ قَرِيبًا مِنْهُ أَيْ مِنْ غَيْرِ الْفَيْءِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ أَيْ فَرَغَ مِنَ الظُّهْرِ حِينَئِذٍ كَمَا شَرَعَ فِي الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَئِذٍ
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَبِهِ يَنْدَفِعُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا زَعَمَهُ جَمَاعَةٌ وَيَدُلُّ لَهُ خبر مسلم وقت الظهر مالم يحضر العصر (إلى ثلث الليل) قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إِلَى بِمَعْنَى مَعَ وَيُؤَيِّدُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ انْتَهَى
أَوْ إِلَى بِمَعْنَى فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يوم القيامة
(فَأَسْفَرَ) أَيْ أَضَاءَ بِهِ أَوْ دَخَلَ فِي وَقْتِ الْإِسْفَارِ
قَالَ الشَّيْخُ وَلِيُّ الدِّينِ الظَّاهِرُ عود الضمير إلى جبرائيل وَمَعْنَى أَسْفَرَ دَخَلَ فِي السَّفَرِ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْفَاءِ وَهُوَ بَيَاضُ النَّهَارِ وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ إِلَى الصُّبْحِ أَيْ فَأَسْفَرَ الصُّبْحُ فِي وَقْتِ صَلَاتِهِ أَوْ إِلَى الْمَوْضِعِ أَيْ أَسْفَرَ لِلْمَوْضِعِ فِي وَقْتِ صَلَاتِهِ وَيُوَافِقُهُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حَتَّى أَسْفَرَتِ الْأَرْضُ (وَالْوَقْتُ) أَيِ السَّمْحُ الَّذِي لَا حَرَجَ فِيهِ (مَا بَيْنَ) وَفِي رِوَايَةٍ فِيمَا بَيْنَ (هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ) فَيَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِهِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي بَيَانِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ فَقَالَتْ بِهِ طَائِفَةٌ وَعَدَلَ آخَرُونَ عَنِ الْقَوْلِ بِبَعْضِ مَا فِيهِ إِلَى حَدِيثٍ اخر
فممن قال بظاهر حديث بن عَبَّاسٍ بِتَوْقِيتِ أَوَّلِ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَآخِرِهَا مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ آخِرُ وَقْتِ الظهر إذا صار الظل قامتين وقال بن المبارك وإسحاق بن راهويه اخروقت الظُّهْرِ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ وَاحْتَجَّ بِمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَإِلَى مَالِكِ بن أَنَسٍ أَيْضًا
وَقَالَ لَوْ أَنَّ مُصَلِّيَيْنِ صَلَّيَا أَحَدُهُمَا الظُّهْرَ وَالْآخَرُ الْعَصْرَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ صَحَّتْ صَلَاةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا أَرَادَ فَرَاغَهُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ أَنَّ هذا الحديث إنما سيق لِبَيَانِ الْأَوْقَاتِ وَتَحْدِيدُ أَوَائِلِهَا وَآخِرِهَا دُونَ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَصِفَاتِهَا وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ فِي آخِرِهِ وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَدَّرَهُ هَؤُلَاءِ لَجَاءَ مِنْ ذَلِكَ الْإِشْكَالُ فِي أَمْرِ الْأَوْقَاتِ
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فقال بظاهر حديث بن عَبَّاسٍ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ قَامَتَيْنِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ آخِرُ وَقْتِهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ وَلَا ضَرُورَةٌ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَّا أَصْحَابُ الْعُذْرِ وَالضَّرُورَاتِ فَآخِرُ وَقْتِهَا لَهُمْ غُرُوبُ الشَّمْسِ
وَقَالَ سُفْيَانُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَوَّلُ وقت
الْعَصْرِ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ وَيَكُونُ بَاقِيًا مَا لَمْ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِهَا غروب الشمس واختلفوا فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وقت للمغرب لا وقت واحد