بَابِلَ وَلَمْ يَنْتَقِلْ قَبْلَهُ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَنْ الْمَدِينَةِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الفتح روى بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُحِلِّيِّ وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ قَالَ كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ فَمَرَرْنَا عَلَى الْخَسْفِ الَّذِي بِبَابِلَ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى أجازه أي تعداه
ومن طريق عَنْ عَلِيٍّ قَالَ مَا كُنْتُ لِأُصَلِّيَ فِي أَرْضٍ خَسَفَ اللَّهُ بِهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثَ مِرَارٍ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِالْخَسْفِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا خَسْفٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَالْمُرَادُ بِالْخَسْفِ هُنَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عليهم السقف من فوقهم الْآيَةَ
ذَكَرَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالْأَخْبَارِ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ النُّمْرُودَ بْنَ كَنْعَانَ بَنَى بِبَابِلَ بُنْيَانًا عَظِيمًا يُقَالُ إِنَّ ارْتِفَاعَهُ كَانَ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِمْ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعُلَمَاءِ حَرَّمَ الصَّلَاةَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنْ كَانَ حَدِيثُ عَلِيٍّ ثَابِتًا فَلَعَلَّهُ نَهَاهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا وَطَنًا لِأَنَّهُ إِذَا أَقَامَ بِهَا كَانَتْ صَلَاتُهُ فِيهَا يَعْنِي أَطْلَقَ الْمَلْزُومَ وَأَرَادَ اللَّازِمَ
قَالَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّ النهي خاص بعلي إنذارا له بما لَقِيَ مِنَ الْفِتْنَةِ بِالْعِرَاقِ
قُلْتُ وَسِيَاقُ قِصَّةِ عَلِيٍّ الْأُولَى يُبْعِدَ هَذَا التَّأْوِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو صَالِحٍ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيُّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ
قَالَ بن يُونُسَ يَرْوِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمَا أَظُنُّهُ سَمِعَ مِنْ عَلِيٍّ وَيَرْوِي عَنْ أبي هرية وهيب بن مغفل وصله بن الحارث
انتهى
قال العيني قال بن الْقَطَّانِ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ رِجَالٌ لَا يُعْرَفُونَ وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَهُوَ حَدِيثٌ وَاهٍ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ إِسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٌّ
انْتَهَى
[٤٩١] (بِمَعْنَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ) أَيْ بِمَعْنَى حَدِيثِ سُلَيْمَانَ (قَالَ) أَيْ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ (فَلَمَّا خَرَجَ مَكَانَ) أَيْ بَدَلَ لَفْظِ فَلَمَّا بَرَزَ
[٤٩٢] (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الْخُدْرِيِّ (يَحْسَبُ عَمْرٌو) أَيْ يَظُنُّ (الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ) أَيْ يَجُوزُ
السُّجُودُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ (إِلَّا الْحَمَّامُ وَالْمَقْبَرَةُ) الْمَقْبَرَةُ وَهِيَ الْمَحَلُّ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ الْمَوْتَى وَالْحَمَّامُ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْأُولَى هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُغْتَسَلُ فِيهِ بِالْحَمِيمِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الْمَاءُ الْحَارُّ ثُمَّ قِيلَ لِلِاغْتِسَالِ بِأَيِّ مَاءٍ كَانَ
وَحِكْمَةُ الْمَنْعِ مِنَ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ
قِيلَ هُوَ مَا تَحْتَ الْمُصَلِّي مِنَ النَّجَاسَةِ وَقِيلَ لِحُرْمَةِ الْمَوْتَى وَحِكْمَةُ الْمَنْعِ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ أَنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ النَّجَاسَاتُ وَقِيلَ إِنَّهُ مَأْوَى الشَّيْطَانِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا كَانَتْ الْمَقْبَرَةُ مُخْتَلِطَةُ التُّرَابِ بِلُحُومِ الْمَوْتَى وَصَدِيدِهِمْ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ لَمْ تَجُزِ الصَّلَاةُ فِيهَا لِلنَّجَاسَةِ فَإِنْ صَلَّى الرَّجُلُ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ مِنْهَا أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ قَالَ وَكَذَلِكَ الْحَمَّامُ إِذَا صَلَّى فِي مَوْضِعٍ نَظِيفٍ مِنْهُ طَاهِرٍ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ
وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ لَا يُصَلَّى فِي حَمَّامٍ وَلَا فِي مَقْبُرَةٍ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ
وَكَانَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَكْرَهَانِ ذَلِكَ وَرُوِيَتِ الْكَرَاهِيَةُ فِيهِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ
وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُجِزِ الصَّلَاةَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرَةُ التُّرْبَةِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا مَقَابِرَ قَالَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَقْبَرَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ لِلصَّلَاةِ
انْتَهَى
قُلْتُ وَذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا كَمَا فَرَّقَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْأَشْبَهُ وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فَالْأَحَادِيثُ تَرُدُّ عَلَيْهِ قال المنذري والحديث أخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ
وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَهَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَذَكَرَ أَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أَرْسَلَهُ
قَالَ وَكَأَنَّ رِوَايَةَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَثْبَتُ وَأَصَحُّ
٤ - [٤٩٣] (لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ) جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَوْضِعِ مَبَارِكِ الابل وفي
مَوْضِعِ أَعْطَانِ الْإِبِلِ وَفِي مَوْضِعِ مُنَاخِ الْإِبِلِ وَفِي مَوْضِعِ مَرَابِدِ الْإِبِلِ وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قال يارسول اللَّهِ أُصَلِّي فِي مَبَاءَةِ الْغَنَمِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أُصَلِّي فِي مَبَاءَةِ الْإِبِلِ قَالَ لَا وَالْمَبَارِكُ جَمْعُ مَبْرَكٍ وَهُوَ مَوْضِعُ بُرُوكِ الْجَمَلِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ
وَالْأَعْطَانُ جَمْعُ عَطَنٍ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنَاخُ فِيهِ عِنْدَ وُرُودِهَا الماء فقط
وقال بن حَزْمٍ كُلُّ عَطَنٍ فَهُوَ مَبْرَكٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَبْرَكٍ عَطَنًا لِأَنَّ الْعَطَنَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُنَاخُ فِيهِ عِنْدَ وُرُودِهَا الْمَاءَ فَقَطْ وَالْمَبْرَكُ أَعَمُّ لِأَنَّهُ الْمَوْضِعُ الْمُتَّخَذُ لَهُ فِي كُلِّ حَالٍ وَالْمُنَاخُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفِي آخِرِهِ خَاءٌ مُعْجَمَةٌ الْمَكَانُ الَّذِي تُنَاخُ فِيهِ الْإِبِلُ
وَالْمَرَابِدُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ الْأَمَاكِنُ الَّتِي تُحْبَسُ فِيهَا الْإِبِلُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ
وَالْمَبَاءَةُ الْمَنْزِلُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ الْإِبِلُ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعِ الْإِبِلِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ) أَيِ الْإِبِلُ خلقت من الشياطين كما في رواية بن مَاجَهْ
فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ كَوْنُ الْإِبِلِ مِنَ الشَّيَاطِينِ لَا غَيْرَ فَالْإِبِلُ تَعْمَلُ عَمَلَ الشَّيَاطِينِ والأجنة لِأَنَّ الْإِبِلَ كَثِيرَةُ الشِّرَادِ فَتُشَوِّشُ قَلْبَ الْمُصَلِّي وَتَمْنَعُ الْخُشُوعَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ ﷺ فَإِنَّهَا مِنَ الشَّيَاطِينِ يُرِيدُ أَنَّهَا لِمَا فِيهَا مِنَ النِّفَارِ وَالشُّرُودِ وَرُبَّمَا أَفْسَدَتْ عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَارِدٍ شَيْطَانًا كَأَنَّهُ يَقُولُ كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ إِذَا صَلَّى بحضرتها كان مغررا بصلاته لما لا يؤمن نِفَارَهَا وَخَبْطَهَا الْمُصَلِّيَ وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْمُونٌ مِنَ الْغَنَمِ لِمَا فِيهَا مِنَ السُّكُوتِ وَضَعْفِ الْحَرَكَةِ إِذَا هُيِّجَتْ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ فِي السُّهُولِ مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْإِبِلَ إِنَّمَا تَأْوِي إِلَيْهَا وَتَعْطِنُ فِيهَا وَالْغَنَمُ تَبُوءُ وَتَرُوحُ إِلَى الْأَرْضِ الصُّلْبَةِ قَالَ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَرْضَ الرَّخْوَةَ الَّتِي يَكْثُرُ تُرَابُهَا رُبَّمَا كَانَتْ فِيهَا النَّجَاسَةُ فَلَا يَتَبَيَّنُ موضعها فلا يأمن المصلي أن تكون صلاته فيها عَلَى نَجَاسَةٍ فَأَمَّا الْقَرَارُ الصُّلْبُ مِنَ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ ضَاحٍ بَارِزٌ لَا يُخْفِي مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ إِذَا كَانَتْ فِيهِ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَحُطُّ النَّاسُ رِحَالَهُمْ فِيهَا إِذَا نَزَلُوا الْمَنَازِلَ فِي الْأَسْفَارِ قَالَ وَمِنْ عَادَةِ الْمُسَافِرِينَ أَنْ يَكُونَ بِرَازُهُمْ بِالْقُرْبِ مِنْ رِحَالِهِمْ فَتُوجَدُ هَذِهِ الْأَمَاكِنُ فِي الْأَغْلَبِ نَجِسَةً فَقِيلَ لَهُمْ لَا تُصَلُّوا فِيهَا وَتَبَاعَدُوا عَنْهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ) هِيَ جَمْعُ مِرْبَضٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ لِأَنَّهُ مِنْ رَبَضَ يَرْبِضُ مِثْلُ ضَرَبَ يَضْرِبُ يُقَالُ رَبَضَ فِي الْأَرْضِ إِذَا الْتَصِقَ بِهَا وَأَقَامَ مُلَازِمًا لَهَا وَاسْمُ الْمَكَانِ مِرْبَضٌ وَهُوَ مَأْوَى الْغَنَمِ مِثْلُ بُرُوكِ الْإِبِلِ
وَفِي الصِّحَاحِ رُبُوضُ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَالْفَرَسِ وَالْكَلْبِ مِثْلُ بُرُوكِ الْإِبِلِ وَجُثُومِ الطَّيْرِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (صَلُّوا فِيهَا) أَيْ فِي مَرَابِضِ
الْغَنَمِ (فَإِنَّهَا) أَيِ الْغَنَمَ (بَرَكَةٌ) أَيْ ذُو بَرَكَةٍ
قَالَ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الغنم ليس فيها تمرد ولا شراديل هِيَ ضَعِيفَةٌ وَمِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ وَفِيهَا سَكِينَةٌ فَلَا تُؤْذِي الْمُصَلِّي وَلَا تَقْطَعُ صَلَاتَهُ فَهِيَ ذُو بَرَكَةٍ فَصَلُّوا فِي مَرَابِضِهَا
انْتَهَى
٥ - (