٦١ - (بَاب إِمَامَةِ النِّسَاءِ)
[٥٩١] (لَمَّا غَزَا بَدْرًا) وَهِيَ قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُوَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ وَيُقَالُ هُوَ مِنْهَا عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا عَلَى مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ تَقْرِيبًا وَبَدْرٌ بِئْرٌ كَانَتْ لِرَجُلٍ يُسَمَّى بَدْرًا (أُمَرِّضُ) مِنَ التَّمْرِيضِ وَهُوَ الْمُعَالَجَةُ وَالتَّدْبِيرُ فِي الْمَرَضِ (مَرْضَاكُمْ) مَرْضَى جَمْعُ مَرِيضٍ أَيْ أَخْدُمُ مَرْضَاكُمْ فِي أَمْرَاضِهِمْ (قَرِّي فِي بَيْتِكِ) أَيِ اسْكُنِي فِيهِ أَمْرٌ لِلْمُؤَنَّثِ مِنْ قَرَّ يَقَرُّ (وَكَانَتْ دَبَّرَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً) أَيْ عَلَّقَتْ عِتْقَهُمَا عَلَى مَوْتِهَا مِنْ التَّدْبِيرِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ إِذَا مُتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ (فَقَامَا إِلَيْهَا) أَيْ إِلَى أُمِّ وَرَقَةَ (فَغَمَّاهَا) مِنَ الْغَمِّ وَهُوَ تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ فَلَا يَخْرُجُ الْغَمُّ وَلَا يَدْخُلُ الْهَوَاءُ فَيَمُوتَ (بقطيفة) هي كساء له خمل أي غطاء وَجْهِ أُمِّ وَرَقَةَ بِقَطِيفَةٍ لَهَا حَتَّى مَاتَتْ
[٥٩٢] (وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا) ثَبَتَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ إِمَامَةَ النِّسَاءِ وَجَمَاعَتَهُنَّ صَحِيحَةٌ
ثَابِتَةٌ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَمَّتِ النِّسَاءَ عَائِشَةُ ﵂ وَأُمُّ سَلَمَةَ ﵂ في الفرض والتروايح قَالَ الْحَافِظُ فِي تَلْخِيصِ الْحَبِيرِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَمَّتْ نِسَاءً فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمِنْ طَرِيقِهِ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ رَائِطَةَ الْحَنَفِيَّةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَكَانَتْ بَيْنَهُنَّ فِي صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ
وروى بن أبي شيبة ثم الحاكم من طريق بن أَبِي لَيْلَى عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فَتَقُومُ مَعَهُنَّ فِي الصَّفِّ
وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَمَّتْ نِسَاءً فَقَامَتْ وسطهن
الشافعي وبن أبي شيبة وعبد الزراق ثلاثتهم عن بن عُيَيْنَةَ عَنْ عَمَّارِ الدُّهْنِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهَا هُجَيْرَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسْطًا وَلَفْظِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَمَّتُنَا أُمُّ سَلَمَةَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ فَقَامَتْ بيننا وقال الحافظ في الدارية وَأَخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّ النِّسَاءَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَتَقُومُ وَسْطًا
قُلْتُ وَظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا تَؤُمُّ النِّسَاءَ تَقُومُ وَسْطَهُنَّ مَعَهُنَّ وَلَا تَقَدَّمُهُنَّ
قَالَ فِي السُّبُلِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ الْمَرْأَةِ أَهْلَ دَارِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ فَإِنَّهُ كَانَ لَهَا مُؤَذِّنًا وَكَانَ شَيْخًا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تَؤُمُّهُ وَغُلَامَهَا وَجَارِيَتَهَا وَذَهَبَ إِلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ وَالطَّبَرِيُّ وَخَالَفَ ذَلِكَ الْجَمَاهِيرُ
وَأَمَّا إِمَامَةُ الرَّجُلِ النِّسَاءَ فَقَطْ فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فقال يارسول اللَّهِ عَمِلْتُ اللَّيْلَةَ عَمَلًا
قَالَ مَا هُوَ قَالَ نِسْوَةٌ مَعِيَ فِي الدَّارِ قُلْنَ إِنَّكَ تقرؤ ولا نقرؤ فَصَلِّ بِنَا فَصَلَّيْتُ ثَمَانِيًا وَالْوِتْرَ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ فَرَأَيْنَا أَنَّ سُكُوتَهُ رِضًا قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ
قَالَ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ الزُّهْرِيُّ الْكُوفِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى
وَحَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَلَفْظُهُ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا فِي الْفَرَائِضِ وَقَالَ لَا أَعْرِفُ فِي الْبَابِ حَدِيثًا مُسْنَدًا غَيْرَ هَذَا
وَقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِالْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ
انْتَهَى
وَقَالَ بن الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ خَلَّادٍ لَا يُعْرَفُ حَالَهُمَا
قُلْتُ ذكرهما بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ تَؤُمُّ الْمَرْأَةُ النِّسَاءَ تَقُومُ فِي وسطهن انتهى
٦٢ - (باب الرجل يؤم القوم وهم له كارهون)
[٥٩٣] (مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا) أَيْ لِلْإِمَامَةِ (وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ) قَالَ فِي النَّيْلِ وَقَدْ قَيَّدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْكَرَاهِيَةِ الدِّينِيَّةِ لِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ فَأَمَّا الْكَرَاهَةُ لِغَيْرِ الدِّينِ فَلَا عِبْرَةَ بِهَا وَقَيَّدُوهُ أَيْضًا بِأَنْ يَكُونَ الْكَارِهُونَ أَكْثَرُ الْمَأْمُومِينَ وَلَا اعْتِبَارَ بِكَرَاهَةِ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ إِذَا كَانَ الْمُؤْتَمُّونَ جَمْعًا كَثِيرًا إِلَّا إِذَا كَانُوا اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَإِنَّ كَرَاهَتَهُمْ أَوْ كَرَاهَةَ أَكْثَرِهِمْ مُعْتَبَرَةٌ وَالِاعْتِبَارُ بِكَرَاهَةِ أَهْلِ الدِّينِ دُونَ غَيْرِهِمُ
انْتَهَى مُلَخَّصًا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قُلْتُ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْوَعِيدُ فِي الرَّجُلِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ فَيَقْتَحِمُ فِيهَا وَيَتَغَلَّبُ عَلَيْهَا حَتَّى يَكْرَهُ النَّاسُ إِمَامَتَهُ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْإِمَامَةِ فَاللَّوْمُ عَلَى مَنْ كَرِهَهُ دُونَهُ
وَشُكِيَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كَانَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ لَخَرُوطٌ يُرِيدُ إِنَّكَ مُتَعَسِّفٌ فِي فِعْلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى ذَلِكَ (وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا) بِكَسْرِ الدَّالِ وَانْتِصَابِهِ عَلَى الْمَصْدَرِ أَيْ إِتْيَانَ دِبَارٍ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى آخِرِ الشَّيْءِ وَقِيلَ جَمْعُ دُبُرٍ وَهُوَ آخِرُ أَوْقَاتِ الشَّيْءِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اتَّخَذَهُ عَادَةً حَتَّى يَكُونَ حُضُورُهُ الصَّلَاةَ بَعْدَ فَرَاغِ النَّاسِ وَانْصِرَافِهِمْ عَنْهَا (وَالدِّبَارُ أَنْ يَأْتِيَهَا) مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ (بَعْدَ أَنْ تَفُوتَهُ) أَيِ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً
قَالَ فِي النهاية أي بعد ما يَفُوتُ وَقْتُهَا وَقِيلَ دِبَارٌ جَمْعُ دُبُرٍ وَهُوَ آخِرُ أَوْقَاتِ الشَّيْءِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَأْتِي الصَّلَاةَ حِينَ أَدْبَرَ وَقْتُهَا
انْتَهَى
(وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَةً) أَيِ اتَّخَذَ نَفْسًا مُعْتَقَةً عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً
قال بن الْمَلَكِ تَأْنِيثُ مُحَرَّرَةٍ بِالْحَمْلِ عَلَى النَّسَمَةِ لِتَنَاوُلِ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُدَ مُحَرَّرَهُ بِالضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ اعْتِبَادٌ الْمُحَرَّرِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْ يُعْتِقُهُ ثُمَّ يَكْتُمُ عِتْقَهُ أَوْ يُنْكِرُهُ وَهَذَا شَرُّ الْأَمْرَيْنِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَعْتَقِلَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَيَسْتَخْدِمَهُ كُرْهًا
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ الْإِفْرِيقِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ
٦٣ - (بَاب إِمَامَةِ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ)
[٥٩٤] (الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ وَاجِبَةٌ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا) وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِمَعْنَاهُ
وَقَالَ مَكْحُولُ لَمْ يَلْقَ أَبَا هُرَيْرَةَ
وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ وَاهِيَةٌ جِدًّا قَالَ الْعُقَيْلِيُّ لَيْسَ فِي هَذَا الْمَتْنِ إِسْنَادٌ يَثْبُتُ وَقَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَهِيَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِحَّةِ الصَّلَاةِ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ إِلَّا أَنَّهَا كُلَّهَا ضَعِيفَةٌ وَقَدْ عَارَضَهَا حَدِيثُ لَا يَؤُمَّنَّكُمْ ذُو جُرْأَةٍ فِي دِينِهِ وَنَحْوُهُ وَهِيَ أَيْضًا ضَعِيفَةٌ قَالُوا فَلَمَّا ضَعُفَتِ الْأَحَادِيثُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ رَجَعْنَا إِلَى الْأَصْلِ وَهِيَ أَنَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ إِمَامَتُهُ وَأَيَّدَ ذَلِكَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَنَّهُ قَالَ أدركت عشرة من أصحاب محمد صلىالله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا حَدِيثُ مُسْلِمٍ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءٌ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ فَقَدْ أَذِنَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُمْ وَجَعَلَهَا نَافِلَةً لِأَنَّهُمْ أَخْرَجُوهَا عَنْ وَقْتِهَا
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْهَا فِي وَقْتِهَا لَكَانَ مَأْمُورًا بِصَلَاتِهَا خَلْفَهُمْ فَرِيضَةً
انْتَهَى
٤ - (بَاب إمامة الأعمى)
[٥٩٥] (استخلف بن أُمِّ مَكْتُومٍ) أَيْ أَقَامَ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الْغَزْوِ (يَؤُمُّ النَّاسَ) بَيَانُ الِاخْتِلَافِ
وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إِمَامَةِ الْأَعْمَى مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ فِي ذَلِكَ
قَالَ فِي النَّيْلِ وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْغَزَالِيُّ بِأَنَّ إِمَامَةَ الْأَعْمَى أَفْضَلُ مِنْ إِمَامَةِ الْبَصِيرِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ خُشُوعًا مِنَ الْبَصِيرِ مِنْ شُغْلِ الْقَلْبِ بِالْمُبْصَرَاتِ وَرَجَّحَ الْبَعْضُ أَنَّ إِمَامَةَ الْبَصِيرِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَشَدُّ تَوَقِّيًا لِلنَّجَاسَةِ
وَالَّذِي فَهِمَهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّ إِمَامَةَ الْأَعْمَى وَالْبَصِيرِ سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْكَرَاهِيَةِ لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَضِيلَةٌ غَيْرَ أَنَّ إِمَامَةَ الْبَصِيرِ أَفْضَلُ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِمَامًا الْبُصَرَاءُ
وَأَمَّا اسْتِنَابَتِهِ ﷺ لِابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فِي غَزَوَاتِهِ فَلِأَنَّهُ كَانَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الْغَزْوِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مَعْذُورٌ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْبُصَرَاءِ الْمُتَخَلِّفِينَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَوْ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِذَلِكَ وَاسْتَخْلَفَهُ لبيان الجواز
انتهى