قال كان رسول الله يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً الْحَدِيثَ وَاسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الدُّعَاءِ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى
[٧٧٠] (مَنِ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا) أَيْ بِالْكَلِمَاتِ (آنِفًا) بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ أَيِ الْآنَ (لَقَدْ رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ) الْبِضْعَةُ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى التِّسْعَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ كَالْجَوْهَرِيِّ أَنَّ الْبِضْعَ يَخْتَصُّ بِمَا دُونَ الْعِشْرِينَ (يَبْتَدِرُونَهَا) أَيْ يُسَارِعُونَ فِي كِتْبَةِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ (أَوَّلُ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ أَوَّلُ بِالضَّمِّ عَلَى الْبِنَاءِ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ قُطِعَ عَنِ الْإِضَافَةِ وَبِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ قَالَهُ الْحَافِظُ
وقال بن الْمَلَكِ قَوْلُهُ أَوَّلَ بِالنَّصْبِ هُوَ الْأَوْجَهُ أَيْ أَوَّلَ مَرَّةٍ انْتَهَى
وَأَمَّا أَيُّهُمْ فَرُوِّينَاهُ بِالرَّفْعِ وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ يَكْتُبُهَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ تَبَعًا لِأَبِي الْبَقَاءِ فِي إِعْرَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم قَالَ وَهُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ يُلْقُونَ وَأَيُّ اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَالتَّقْدِيرُ مَقُولٌ فِيهِمْ أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا وَيَجُوزُ فِي أَيُّهُمُ النَّصْبُ بِأَنْ يُقَدَّرَ الْمَحْذُوفُ فَيَنْظُرُونَ أَيُّهُمْ
وَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ أَيْ مَوْصُولَةٌ وَالتَّقْدِيرُ يَبْتَدِرُونَ الَّذِي هُوَ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ
وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ ذَلِكَ
وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَةٍ يَكْتُبُهَا وَيَصْعَدُ بِهَا لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَهَا ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةٌ يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ الْحَدِيثَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه البخاري والنسائي
[٧٧١] (أنت نور السماوات وَالْأَرْضِ) أَيْ مُنَوِّرُهُمَا وَخَالِقُ نُورِهِمَا
وَقَالَ أَبُو عبيد معناه بنورك يهتدي أهل السماوات والأرض (أنت قيام السماوات والأرض) وفي رواية لمسلم قيم
السماوات وَالْأَرْضِ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ صِفَاتِهِ الْقَيَّامُ وَالْقَيِّمُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالْقَيُّومُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَقَائِمٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ قال الهروي ويقال قوام
قال بن عَبَّاسٍ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَزُولُ
وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَمَعْنَاهُ مُدَبِّرُ أَمْرِ خَلْقِهِ وَهُمَا شَائِعَانِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ والحديث (أنت رب السماوات وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ) قَالَ الْعُلَمَاءُ لِلرَّبِّ ثَلَاثُ مَعَانٍ فِي اللُّغَةِ السَّيِّدُ الْمُطَاعُ وَالْمُصْلِحُ وَالْمَالِكُ
قَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى السَّيِّدِ الْمُطَاعِ فَشَرْطُ الْمَرْبُوبِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِلُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْخَطَّابِيُّ بِقَوْلِهِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ سَيِّدُ الْجِبَالِ وَالشَّجَرِ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الشَّرْطُ فَاسِدٌ بَلِ الْجَمِيعُ مُطِيعٌ لَهُ ﷾
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ
(أَنْتَ الْحَقُّ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحَقُّ فِي أَسْمَائِهِ ﷾ مَعْنَاهُ الْمُتَحَقِّقُ وُجُودُهُ وَكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وُجُودُهُ وَتَحَقَّقَ فَهُوَ حَقٌّ وَمِنْهُ الْحَاقَّةُ أَيِ الْكَائِنَةُ حَقًّا بِغَيْرِ شَكٍّ (وَقَوْلُكَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ إِلَخْ) أَيْ كُلُّهُ مُتَحَقِّقٌ لَا شَكَّ فِيهِ وَالْمُرَادُ بِلِقَائِكَ الْبَعْثُ لَا الْمَوْتُ (لَكَ أَسْلَمْتُ) أَيْ لَكَ اسْتَسْلَمْتُ وَانْقَدْتُ لِأَمْرِكَ وَنَهْيِكَ (وَبِكَ آمَنْتُ) أَيْ صَدَّقْتُ بِكَ وَبِكُلِّ مَا أَخْبَرْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ (وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ) أَيْ أَطَعْتُ وَرَجَعْتُ إِلَى عِبَادَتِكَ أَيْ أَقْبَلْتُ عَلَيْهَا وَقِيلَ مَعْنَاهُ رَجَعْتُ إِلَيْكَ فِي تَدْبِيرِي أَيْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ (وَبِكَ خَاصَمْتُ) أَيْ بِمَا أَعْطَيْتَنِي من البراهين والقوة خاصمت من عائذ فِيكَ وَكَفَرَ بِكَ وَقَمَعْتُهُ بِالْحُجَّةِ وَالسَّيْفِ (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أَيْ كُلَّ مَنْ جَحَدَ الْحَقَّ حَاكَمْتُهُ إِلَيْكَ وَجَعَلْتُكَ الْحَاكِمُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَا غَيْرَكَ مِمَّا كَانَتْ تَحَاكَمُ إِلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ صَنَمٍ وَكَاهِنٍ وَنَارٍ وَشَيْطَانٍ وَغَيْرِهَا فَلَا أَرْضَى إِلَّا بِحُكْمِكَ وَلَا أَعْتَمِدُ غَيْرَهُ (فَاغْفِرْ لِي) معنى سؤاله الْمَغْفِرَةَ مَعَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ أَنَّهُ يَسْأَلُ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَخُضُوعًا وَإِشْفَاقًا وَإِجْلَالًا وَلِيُقْتَدَى بِهِ فِي أَصْلِ الدُّعَاءِ وَالْخُضُوعِ وَحُسْنِ التَّضَرُّعِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ الْمُعَيَّنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والترمذي والنسائي وبن ماجه