٢٩ - (بَاب كَيْفَ الْجُلُوسُ فِي التَّشَهُّدِ)
[٩٥٧] (ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى) أَيْ وَجَلَسَ عَلَى بَاطِنِهَا وَنَصَبَ الْيُمْنَى (وَحَدَّ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي مُشَدَّدَةُ الدَّالِ بَعْدَ الْوَاوِ الْعَاطِفَةِ (مِرْفَقَهُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيُعْكَسُ (الْأَيْمَنُ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى) قِيلَ أَصْلُ الْحَدِّ الْمَنْعُ وَالْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْمَنَاهِي حُدُودَ اللَّهِ وَالْمَعْنَى فَصَلَ بَيْنَ مِرْفَقِهِ وَجَنْبِهِ وَمَنَعَ أَنْ يَلْتَصِقَا فِي حَالِ اسْتِعْلَائِهِمَا عَلَى الْفَخِذِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ
وَقَالَ الْمُظْهِرُ أَيْ رَفَعَ مِرْفَقَهُ عَنْ فَخِذِهِ وَجَعَلَ عَظْمَ مِرْفَقِهِ كَأَنَّهُ رَأْسُ وَتَدٍ فَجَعَلَهُ مُشَدَّدَ الدَّالِ مِنَ الْحِدَّةِ
وَقَالَ الْأَشْرَفُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ وَحَدُّ مَرْفُوعًا مُضَافًا إِلَى الْمِرْفَقِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقَوْلُهُ عَلَى فَخِذِهِ الْخَبَرُ وَالْجُمْلَةُ حَالٌ وَأَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَطْفًا عَلَى مَفْعُولِ وَضَعَ أَيْ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَوَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى نَقَلَهُ مَيْرَكُ وَكَتَبَ تَحْتَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَعَلَّ وَجْهَ النَّظَرِ أَنَّ وَضْعَ حَدِّ الْمِرْفَقِ لَا يَثْبُتُ عَنْ أَحَدِ الْعُلَمَاءِ وَلَا دَلَالَةَ عَلَى مَا قَالَهُ عَلَى مَا قِيلَ فِي حَدِيثٍ صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى كَمَا لَا يخفى كذا في المرقاة
وقال بن رَسْلَانَ يَرْفَعُ طَرَفَ مِرْفَقِهِ مِنْ جِهَةِ الْعَضُدِ عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى يَكُونَ مُرْتَفِعًا عَنْهُ كَمَا يَرْتَفِعُ الْوَتِدُ عَنِ الْأَرْضِ وَيَضَعُ طَرَفَهُ الَّذِي مِنْ جِهَةِ الْكَفِّ عَلَى طَرَفِ فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ انْتَهَى (وَقَبَضَ ثِنْتَيْنِ) أَيِ الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصَرَ مِنْ أَصَابِعِ الْيُمْنَى (وَحَلَّقَ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ (حَلْقَةً) بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُفْتَحُ أَيْ أَخَذَ إِبْهَامَهُ بِأُصْبُعِهِ الْوُسْطَى كَالْحَلْقَةِ (وَرَأَيْتُهُ) أَيِ النَّبِيَّ ﷺ (يَقُولُ) أَيْ يَفْعَلُ (وَحَلَّقَ بِشْرٌ) أَيِ بن الْمُفَضَّلِ (وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ خُصَّتِ السَّبَّابَةُ بِالْإِشَارَةِ لِاتِّصَالِهَا بِنِيَاطِ الْقَلْبِ فَتَحْرِيكُهَا سَبَبٌ لِحُضُورِهِ
قَالَ فِي السُّبُلِ وَمَوْضِعُ الْإِشَارَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَنْوِي
بِالْإِشَارَةِ التَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهِ فَيَكُونُ جَامِعًا فِي التَّوْحِيدِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَالِاعْتِقَادِ وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْإِشَارَةِ بِالْأُصْبُعَيْنِ وَقَالَ أَحَدٌ أَحَدٌ لِمَنْ رَآهُ يُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ انْتَهَى
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ الْإِشَارَةِ بِالسَّبَّابَةِ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَرَى الْإِشَارَةَ بِالسَّبَّابَةِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ التَّحْلِيقِ بِالْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَا يَرَى التَّحْلِيقَ وَقَالَ يَقْبِضُ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ وَيُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرَى أَنْ يُحَلِّقَ فَيَضَعَ أُنْمُلَتَهُ الْوُسْطَى بَيْنَ عقدي الإبهام وإنما السنة أن يحلق برؤوس الْأَنَامِلِ مِنَ الْإِبْهَامِ وَالْوُسْطَى حَتَّى يَكُونَ كَالْحَلْقَةِ الْمُسْتَدِيرَةِ لَا يَفْضُلُ مِنْ جَوَانِبِهَا شَيْءٌ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ حَالَ التَّشَهُّدِ هَيْئَاتٌ إِحْدَاهَا التَّحْلِيقُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَالثَّانِيَةُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَهُ اليمنى على ركبتيه الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ صُورَتُهَا أَنْ يَجْعَلَ الْإِبْهَامَ مُعْتَرِضَةً تَحْتَ الْمُسَبِّحَةِ وَالثَّالِثَةُ قَبْضُ كُلِّ الْأَصَابِعِ والإشارة بالسبابة كما في حديث بن عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَالرَّابِعَةُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بن الزُّبَيْرِ بِلَفْظِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَعَدَ يَدْعُو وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ
وَالْخَامِسَةُ وَضْعُ الْيَدِ الْيُمْنَى عَلَى الْفَخِذِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ وَالْإِشَارَةُ بِالسَّبَّابَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ رواية أخرى عن بن الزُّبَيْرِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَالْإِشَارَةِ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ عَنِ بن عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ بِدُونِ ذِكْرِ الْقَبْضِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تُحْمَلَ الرِّوَايَةُ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا الْقَبْضُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا الْقَبْضُ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ
واعلم أن قوله في حديث بن عُمَرَ وَعَقَدَ ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ إِشَارَةٌ إِلَى طَرِيقَةٍ مَعْرُوفَةٍ تَوَاطَأَتْ عَلَيْهَا الْعَرَبُ فِي عُقُودِ الْحِسَابِ وَهِيَ أَنْوَاعٌ مِنَ الْآحَادِ وَالْعَشَرَاتِ وَالْمِئِينَ وَالْأُلُوفِ أَمَّا الْآحَادُ فَلِلْوَاحِدِ عَقْدُ الْخِنْصَرِ إِلَى أَقْرَبِ مايليه مِنْ بَاطِنِ الْكَفِّ وَلِلِاثْنَيْنِ عَقْدُ الْبِنْصِرِ مَعَهَا كَذَلِكَ وَلِلثَّلَاثَةِ عَقْدُ الْوُسْطَى مَعَهَا كَذَلِكَ وَلِلْأَرْبَعَةِ حل الخنصر معها كذلك وَلِلْخَمْسَةِ حَلُّ الْبِنْصِرِ مَعَهَا دُونَ الْوُسْطَى وَلِلسِّتَّةِ عَقْدُ الْبِنْصِرِ وَحَلُّ جَمِيعِ الْأَنَامِلِ وَلِلسَّبْعَةِ بَسْطُ الْخِنْصَرِ إِلَى أَصْلِ الْإِبْهَامِ مِمَّا يَلِي الْكَفَّ وَلِلثَّمَانِيَةِ بَسْطُ الْبِنْصِرِ فَوْقَهَا كَذَلِكَ وَلِلتِّسْعَةِ بَسْطُ الْوُسْطَى فَوْقَهَا كَذَلِكَ وَأَمَّا الْعَشَرَاتُ فَلَهَا الْإِبْهَامُ وَالسَّبَّابَةُ فَلِلْعَشَرَةِ الْأُولَى عَقْدُ رَأْسِ الْإِبْهَامِ عَلَى طرف