قَالَ الْخَازِنُ فِي تَفْسِيرِهِ وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبَلَدِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ
وَقَالَ أَحْمَدُ تَصِحُّ بِمَوْضِعَيْنِ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ وَضَاقَ الْجَامِعُ
وَفِي رَحْمَةِ الْأُمَّةِ وَالرَّاجِحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْبَلَدَ إِذَا كَبُرَ وَعَسِرَ اجْتِمَاعُ أَهْلِهِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ جَازَ إِقَامَةُ جُمُعَةٍ أُخْرَى بَلْ يَجُوزُ التَّعَدُّدُ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ
وَقَالَ دَاوُدُ الْجُمُعَةُ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ يَجُوزُ لِأَهْلِ الْبَلَدِ أَنْ يُصَلُّوهَا فِي مَسَاجِدِهِمْ
انْتَهَى
وَأَنْتَ عَرَفْتَ أَنَّ الْجُمُعَةَ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرْيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ الْخُلَفَاءِ لَمْ تَكُنْ تُصَلَّى إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنِ السَّلَفِ خِلَافُ ذَلِكَ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَدَاوُدَ إِمَامِ الظَّاهِرِيَّةِ وَقَوْلُهُمَا هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ فَلَا يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِمَا
هَذَا مُلَخَّصٌ مِنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَالْمَطَالِبِ الرَّفِيعَةِ فِي الْمَسَائِلِ النَّفِيسَةِ كِلَاهُمَا لِأَخِينَا الْأَعْظَمِ أَبِي الطَّيِّبِ أَدَامَ اللَّهُ مَجْدَهُ
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[١٠٥٦] (الْجُمُعَةُ) وَاجِبَةٌ (عَلَى كُلِّ مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ) أَوْ كَانَ فِي قُوَّةِ السَّامِعِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ وَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَوْ فِي خَارِجِهِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﵎ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ الْآيَةَ
فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّعْيِ بِمُجَرَّدِ النِّدَاءِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالسَّمَاعِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ كَانَ فِي قُوَّةِ السَّامِعِ سَوَاءٌ كَانَ دَاخِلَ الْبَلَدِ أَوْ خَارِجَهُ انْتَهَى
وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ حَدِيث الْجُمْعَة عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاء قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ الصَّحِيح أَنَّهُ مَوْقُوف وَفِيهِ أبو سلمة بن نبيه قال بن الْقَطَّانِ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا وَهُوَ مَجْهُولٌ وفيه أيضا الطائفي مجهول عند بن أَبِي حَاتِمٍ وَوَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَفِيهِ أَيْضًا عَبْدُ الله بن هارون قال بن الْقَطَّانِ مَجْهُول الْحَال وَفِيهِ أَيْضًا قَبِيصَةُ قَالَ النَّسَائِيُّ كَثِير الْخَطَأ وَأَطْلَقَ وَقِيلَ كَثِير الْخَطَأ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَقِيلَ هُوَ ثِقَةٌ إِلَّا فِي الثوري
الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُمْ يُوجِبُونَ الْجُمُعَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا النِّدَاءَ
انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ الْمَقَالُ كَمَا سَيَأْتِي لَكِنْ يَشْهَدُ لِصِحَّتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة الْآيَةُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ إِنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَالَ لَهُ شَاهِدٌ فَذَكَرَهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ
قَالَ وَيُغْنِي عَنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ قَالَ أَتَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلٌ أعمى فقال يارسول اللَّهِ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَجِبْ وَرَوَى نحوه أبو داود بإسناد حسن عن بن أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مُطْلَقِ الْجَمَاعَةِ فَالْقَوْلُ بِهِ فِي خُصُوصِيَّةِ الْجُمُعَةِ أَوْلَى
وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ هُوَ النِّدَاءُ الْوَاقِعُ وَقْتَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ (مَقْصُورًا) أَيْ مَوْقُوفًا (وَإِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ) وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الطَّائِفِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ
وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ ثِقَةٌ
قَالَ وَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ الطَّائِفِ
انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شَيْخِهِ أَبٍي سَلَمَةَ وَتَفَرَّدَ بِهِ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ وَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا وَالْوَلِيدُ وَزُهَيْرُ كِلَاهُمَا مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ لَكِنْ زُهَيْرُ رَوَى عَنْ أَهْلِ الشَّامِ مَنَاكِيرَ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ وَالْوَلِيدُ مُدَلِّسٌ وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعَنْعَنَةِ فَلَا يَصِحُّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ضَعِيفٌ جدا والحجاج هو بن أَرْطَاةَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ
والله أعلم