فَعُمِلَ لَهُ هَذِهِ الدَّرَجَاتُ الثَّلَاثُ (صَلَّى عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَعْوَادِ الْمَعْمُولَةِ مِنْبَرًا لِيَرَاهُ مَنْ قَدْ تَخْفَى عَلَيْهِ رُؤْيَتُهُ إِذَا صَلَّى عَلَى الْأَرْضِ (وَكَبَّرَ عَلَيْهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَرَأَ (ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ زَادَ سُفْيَانُ أَيْضًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ (ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى) أَيْ رَجَعَ إِلَى خَلْفِهِ مُحَافَظَةً عَلَى اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (فَسَجَدَ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ) أَيْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى جَنْبِ الدَّرَجَةِ السُّفْلَى مِنْهُ (ثُمَّ عَادَ) إِلَى الْمِنْبَرِ
وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فَخَطَبَ النَّاسَ عَلَيْهِ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَفَادَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقَدُّمَ الْخُطْبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ (فَلَمَّا فَرَغَ) مِنَ الصَّلَاةِ (أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) بِوَجْهِهِ الشَّرِيفِ (فَقَالَ) ﵊ مُبَيِّنًا لِأَصْحَابِهِ ﵃ حِكْمَةَ ذَلِكَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلَاتِي) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعَيْنِ أَيْ لِتَتَعَلَّمُوا فَحُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا وَفِيهِ جَوَازُ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ وَكَذَا الْكَثِيرُ إِنْ تَفَرَّقَ وَجَوَازُ قَصْدِ تَعْلِيمِ الْمَأْمُومِينَ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِالْفِعْلِ وَارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَلَى الْمَأْمُومِينَ وَشُرُوعُ الْخُطْبَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِكُلِّ خَطِيبٍ وَاتِّخَاذُ الْمِنْبَرِ لِكَوْنِهِ أَبْلَغَ فِي مُشَاهَدَةِ الْخَطِيبِ وَالسَّمَاعِ مِنْهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ فِي إِرْشَادِ السَّارِي قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[١٠٨١] (لَمَّا بَدَّنَ) قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ رُوِيَ بِالتَّخْفِيفِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالتَّشْدِيدِ أَيْ كَبِرَ وَأَسَنَّ وَبِالتَّخْفِيفِ مِنَ الْبَدَانَةِ وَهِيَ كَثْرَةُ اللَّحْمِ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِينًا (أَوْ يَحْمِلُ عِظَامَكَ) كِنَايَةٌ عَنِ الْقُعُودِ عَلَيْهِ وَأَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي بَيْنَ لَفْظِ يَجْمَعُ أَوْ يَحْمِلُ (مَرْقَاتَيْنِ) بِفَتْحٍ أَفْصَحُ مِنْ كَسْرِهَا أَيْ ذَا دَرَجَتَيْنِ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ
قَالَ الْحَافِظُ في الفتح وإسناده جيد
وروى بن سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَخْطُبُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ
إِلَى جِذْعٍ فَقَالَ إِنَّ الْقِيَامَ قَدْ شَقَّ عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ أَلَا أَعْمَلُ لَكَ مِنْبَرًا كَمَا رَأَيْتُ يُصْنَعُ بِالشَّامِ فَشَاوَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَأَوْا أَنْ يَتَّخِذَهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنَّ لِي غُلَامًا يُقَالُ لَهُ كِلَابٌ أَعْمَلُ النَّاسِ فَقَالَ مُرْهُ أَنْ يَعْمَلَ الْحَدِيثَ قَالَ الْحَافِظُ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا الْوَاقِدِيَّ قال وليس في حديث بن عُمَرَ هَذَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الَّذِي اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ بَلْ قَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ بن سَعْدٍ أَنَّ تَمِيمًا لَمْ يَعْمَلْهُ
وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ هُوَ مَيْمُونٌ انْتَهَى
فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أَعْوَادَ الْمِنْبَرِ كانت ثلاث درجات وكذا عند بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جِذْعٍ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا وَكَانَ يَخْطُبُ إِلَى ذَلِكَ الْجِذْعِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ أَنْ تَجْعَلَ لَكَ مِنْبَرًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَتُسْمِعُ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خُطْبَتَكَ قَالَ نَعَمْ فَصُنِعَ لَهُ ثَلَاثُ درجات الحديث وفي حديث بن عُمَرَ هَذَا اتَّخَذَ لَهُ مِنْبَرًا دَرَجَتَيْنِ فَكَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا قُلْتُ إِنَّ الْمِنْبَرَ لَمْ يَزَلْ عَلَى حَالِهِ ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ حَتَّى زَادَهُ مَرْوَانُ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سِتَّ دَرَجَاتٍ مِنْ أَسْفَلِهِ وَالَّذِي قَالَ مَرْقَاتَيْنِ لَمْ يَعْتَبِرِ الدَّرَجَةَ الَّتِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ
وَقَالَ بن نَجَّارٍ وَغَيْرُهُ اسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَا أُصْلِحَ مِنْهُ إِلَى أَنِ احْتَرَقَ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ فَاحْتَرَقَ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ والله أعلم
٦ - (بَابُ مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ [١٠٨٢] أَيْنَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ)
فَثَبَتَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ جِدَارِ الْقِبْلَةِ
(كَانَ بَيْنَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ) وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ بِلَفْظِ كَانَ الْمِنْبَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَائِطِ الْقِبْلَةِ إِلَّا قَدْرَ مَا يَمُرُّ الْعَنْزُ
وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ مَسْعَدَةَ عَنْ يَزِيدَ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ
وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا (وَبَيْنَ الْحَائِطِ) أَيْ جِدَارِ الْقِبْلَةِ (كَقَدْرِ مَمَرِّ الشَّاةِ) وَهُوَ مَوْضِعُ مُرُورِهَا فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَظِيرُ مَسَافَةِ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْجِدَارِ وَهَذِهِ المسافة بين المنبر وجدار القبلة كقدر مر الشَّاةِ
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الدُّنُوِّ مِنَ السُّتْرَةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ مَقَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ مَمَرُّ الْعَنْزِ وَلَفْظُ الشَّيْخَيْنِ قَالَ كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ كذا في غاية المقصود
٧ - (باب الصلاة [١٠٨٣] مِنَ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ تَجُوزُ)
(يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ (قَبْلَ الزَّوَالِ) وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
(إِنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ نَصَرَ أَيْ تُوقَدُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ وَبَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ وَأَمْثَالِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَكْثَرُهَا يَنْفَرِدُ الشَّارِعُ بِمَعَانِيهَا وَيَجِبُ عَلَيْنَا التَّصْدِيقُ بِهَا وَالْوُقُوفُ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِصِحَّتِهَا وَالْعَمَلِ بِمُوجَبِهَا
كَذَا فِي النِّهَايَةِ (إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) فَإِنَّهَا لَا تُسْجَرُ فَتَجُوزُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقْتَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ قَبْلَ الزَّوَالِ (هُوَ مُرْسَلٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَبُو الْخَلِيلِ صَالِحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ضُبَعِيٌّ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
انْتَهَى
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نهى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ الْعَبْدِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ سَاقَ رِوَايَةَ أَبِي قَتَادَةَ وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا مُرْسَلٌ أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ وَرِوَايَةُ أَبِي
هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ فِي إِسْنَادِهِمَا مَنْ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَلَكِنَّهَا إِذَا انْضَمَّتْ إِلَى رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ أَخَذَتْ بَعْضَ الْقُوَّةِ
وَرُوِّينَا الرُّخْصَةَ في ذلك عن طاووس ومكحول انتهى مختصرا
قال الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ فِي خَصَائِصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْحَادِي عَشَرَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ وَقْتَ الزَّوَالِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وافقه وهو اختيار شيخنا بن تَيْمِيَّةَ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ مُرْسَلٌ وَالْمُرْسَلُ إِذَا اتَّصَلَ بِهِ عَمَلٌ وَعَضَّدَهُ قِيَاسٌ أَوْ قَوْلُ صَحَابِيٍّ أَوْ كَانَ مُرْسَلُهُ مَعْرُوفًا بِاخْتِيَارِ الشُّيُوخِ وَرَغْبَتِهِ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَتْرُوكِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي قُوَّتَهُ عُمِلَ بِهِ
انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَالَ صَاحِبُ الْإِمَامِ وَقَوَّى الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ عَامَّةِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
قَالَ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْجُمْهُورِ وَخَالَفَ مَالِكٌ فَقَالَ وَمَا أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْفَضْلِ إِلَّا وَهُمْ يَجْتَهِدُونَ يُصَلُّونَ نصف النهار
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ حَدِيثَ الصُّنَابِحِيِّ وَلَفْظُهُ ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا وَفِي آخِرِهِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ
فَإِمَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ وَإِمَّا أَنَّهُ رَدَّهُ بِالْعَمَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ
وَقَدِ اسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
انْتَهَى كَذَا فِي إِعْلَامِ أَهْلِ الْعَصْرِ
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْكِلَابِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ السُّلَمِيِّ قَالَ شَهِدْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ انْتَصَفَ النَّهَارُ ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ زَالَ النَّهَارُ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ قَالَ فِي التَّعْلِيقِ الْمُغْنِي الْحَدِيثُ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَنْدَانَ وَقِيلَ سِيدَانَ
قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ مَجْهُولٌ وَقَالَ بن عَدِيٍّ شِبْهُ الْمَجْهُولِ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ وَأَبُو نُعَيْمٍ شيخ البخاري في كتاب الصلاة له وبن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سِيدَانَ فَإِنَّهُ تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفِ الْعَدَالَةِ
وَرَوَى بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ صَلَّى بِنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي بن مَسْعُودٍ الْجُمُعَةَ ضُحًى وَقَالَ خَشِيتُ عَلَيْكُمُ الْحَرَّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ صَدُوقٌ إِلَّا أَنَّهُ مِمَّنْ تَغَيَّرَ لَمَّا كَبِرَ
قَالَهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ
وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ الْجُمُعَةَ ضُحًى وَسَعِيدٌ ذكره بن
عدي في الضعفاء
وأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ عَلِيٍّ الْجُمُعَةَ فَأَحْيَانًا نَجِدُ فيأ وَأَحْيَانًا لَا نَجِدُ
كَذَا فِي الْفَتْحِ
وَقَالَ بن تَيْمِيَةَ فِي الْمُنْتَقَى حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عبد الله قال وكذلك روي عن بن مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا قَبْلَ الزَّوَالِ
انْتَهَى
وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ لَا تَجُوزُ الْجُمُعَةُ إِلَّا بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إِلَّا أَحْمَدُ بن حنبل وإسحاق فجواز مَا قَبْلَ الزَّوَالِ
انْتَهَى
وَقَدْ أَغْرَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ إِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الزوال أجزأ
قال الحافظ وقد نقل بن قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِثْلَ قَوْلِ أَحْمَدَ
انْتَهَى
وَقَالَ الشَّيْخُ الْعَابِدُ الزَّاهِدُ عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ فِي غُنْيَةِ الطَّالِبِينَ وَوَقْتُهَا قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ صَلَاةُ الْعِيدِ
انْتَهَى
وَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ ثَابِتَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ غَيْرُ محتمل التَّأْوِيلِ وَقَوِيَّةٌ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ وَأَمَّا قَبْلَ الزوال فجائز أيضا
والله أعلم