١٤ - (باب صلاة التسبيح)
[١٢٩٧] (ياعماه) إِشَارَةٌ إِلَى مَزِيدِ اسْتِحْقَاقِهِ وَهُوَ مُنَادَى مُضَافٌ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ فَقُلِبَتْ يَاؤُهُ أَلِفًا وَأُلْحِقَتْ بِهَاءِ السَّكْتِ كَيَا غُلَامَاهُ (أَلَا أَمْنَحُكَ) أَيْ أَلَا أُعْطِيكَ مِنْحَةً
قَالَ فِي الْمُغْرِبِ الْمَنْحُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَاةً أَوْ نَاقَةً لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا ثُمَّ يَرُدَّهَا إِذَا ذَهَبَ دَرُّهَا هَذَا أَصْلُهُ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى قِيلَ فِي كُلِّ عَطَاءٍ (أَلَا أَحْبُوكَ) يُقَالُ حَبَاهُ كذا وبكذا إذ أَعْطَاهُ وَالْحِبَاءُ الْعَطِيَّةُ
كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ قَرِيبُ الْمَعْنَى
وَكَرَّرَ أَلْفَاظًا مُتَقَارِبَةَ الْمَعْنَى تَقْرِيرًا للتأكيد قال السيوطي وأفرط بن الْجَوْزِيِّ فَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْمَوْضُوعَاتِ وَأَعَلَّهُ بِمُوسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ إِنَّهُ مَجْهُولٌ
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِ الْخِصَالِ الْمُكَفِّرَةِ لِلذُّنُوبِ الْمُقَدَّمَةِ وَالْمُؤَخَّرَةِ أساء بن الْجَوْزِيِّ بِذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَوْضُوعَاتِ
وَقَوْلُهُ إِنَّ مُوسَى بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَجْهُولٌ لَمْ يصب فيه فإن بن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيَّ وَثَّقَاهُ
وَقَالَ فِي أَمَالِي الْأَذْكَارِ هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ خلف الإمام وأبو داود وبن ماجه وبن خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ البيهقي وغيرهم وقال بن شَاهِينَ فِي التَّرْغِيبِ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ هَذَا قَالَ وَمُوسَى بن عبد العزيز وثقه بن معين والنسائي وبن حِبَّانَ وَرَوَى عَنْهُ خَلْقٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ الْقِرَاءَةِ هَذَا الْحَدِيثَ بِعَيْنِهِ وَأَخْرَجَ لَهُ فِي الْأَدَبِ حَدِيثًا فِي سَمَاعِ الرَّعْدِ
وَبِبَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ
وَمِمَّنْ صَحَّحَ هَذَا الحديث أو حسنه غير من تقدم بن مَنْدَهْ وَأَلَّفَ فِي تَصْحِيحِهِ كِتَابًا وَالْآجُرِّيُّ وَالْخَطِيبُ وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ وَأَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ وَأَبُو الحسن بن المفضل والمنذري وبن الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَآخَرُونَ
وَقَالَ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ صَلَاةُ التَّسْبِيحِ أَشْهَرُ الصَّلَوَاتِ وَأَصَحُّهَا إِسْنَادًا
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَامِدٍ الشَّرَفِيِّ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَمَعَنَا هَذَا الْحَدِيثُ فَسَمِعْتُ مُسْلِمًا يَقُولُ لَا يُرْوَى فِيهَا إِسْنَادٌ أَحْسَنُ مِنْ هذا
وقال الترمذي قد رأى بن الْمُبَارَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ وَذَكَرُوا الْفَضْلَ فِيهَا
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يُصَلِّيهَا وَتَدَاوَلَهَا الصَّالِحُونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَفِيهِ تَقْوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ
وَلِحَدِيثِ بن عَبَّاسٍ هَذَا طُرُقٌ
فَتَابَعَ مُوسَى بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ وَمِنْ طَرِيقِهِ أخرجه بن راهويه وبن خزيمة والحاكم وتابع عكرمة عن بن عَبَّاسٍ عَطَاءٌ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ وَمُجَاهِدٌ
وَوَرَدَ حَدِيثُ صَلَاةِ التَّسْبِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَابْنِهِ الْفَضْلِ وَأَبِي رَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَالْأَنْصَارِيِّ الَّذِي أَخْرَجَ الْمُؤَلِّفُ حَدِيثَهُ وَسَيَجِيءُ
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ غلط بن الْجَوْزِيِّ بِلَا شَكٍّ فِي جَعْلِهِ مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ لِأَنَّهُ رَوَاهُ مِنْ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ أَحَدُهَا حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَيْسَ بِضَعِيفٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا وَغَايَةُ مَا عَلَّلَهُ بِمُوسَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَإِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَزَيْدُ بن المبارك الصنعاني وغيرهم
وقال فيه بن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَلَوْ ثَبَتَتْ جَهَالَتُهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَوْضُوعًا مَا لَمْ يَكُنْ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْوَضْعِ
وَالطَّرِيقَانِ الْآخَرَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَعِيفٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ضَعْفِهِمَا أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُمَا مَوْضُوعًا انْتَهَى
(عَشْرَ خِصَالٍ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْأَفْعَالِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ الْخَصْلَةُ هِيَ الْخِلَّةُ أَيْ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ ذُنُوبُكُ وَالْخِصَالُ الْعَشْرُ مُنْحَصِرَةٌ فِي قَوْلِهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ وَقَدْ زَادَهَا إِيضَاحًا بِقَوْلِهِ عَشْرُ خِصَالٍ بَعْدَ حَصْرِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَيْ هَذِهِ عَشْرُ خِصَالٍ
وَقَالَ مَيْرَكُ فَالْخِصَالُ الْعَشْرُ هِيَ الْأَقْسَامُ الْعَشْرُ مِنَ الذُّنُوبِ
وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْمُرَادُ بِالْعَشْرِ الْخِصَالِ التَّسْبِيحَاتُ وَالتَّحْمِيدَاتُ وَالتَّهْلِيلَاتُ وَالتَّكْبِيرَاتُ فَإِنَّهَا سِوَى الْقِيَامِ عَشْرٌ عَشْرٌ انْتَهَى (أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) بِالنَّصْبِ قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ أَيْ مَبْدَأَهُ وَمُنْتَهَاهُ وَذَلِكَ أَنَّ من الذنب مالا يُوَاقِعُهُ الْإِنْسَانُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى مِنْهُ شَيْئًا فَشَيْئًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ (سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ) وَالضَّمِيرُ فِي هَذِهِ كُلِّهَا عَائِدٌ إِلَى قَوْلِهِ ذنبك وفي شرح العلامة الاردبيلي ها هنا بَحْثٌ شَرِيفٌ (أَنْ تُصَلِّيَ) أَنْ مُفَسِّرَةٌ لِأَنَّ التَّعْلِيمَ فِي مَعْنَى الْقَوْلِ أَوْ هِيَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَالْمُقَدَّرُ عَائِدٌ إِلَى ذَلِكَ أَيْ هُوَ يَعْنِي الْمَأْمُورَ بِهِ أَنْ تُصَلِّيَ (فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ) أَيْ قَبْلَ الرُّكُوعِ (خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً) وَفِيهِ أَنَّ التَّسْبِيحَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَبِهِ أَخَذَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ وَأَمَّا مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يَفْعَلُهُ مِنْ
جَعْلِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَبَعْدَ الْقِرَاءَةِ عَشْرًا وَلَا يُسَبِّحُ فِي الِاعْتِدَالِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَوَافَقَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ فَجَعَلَ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ عَشْرًا لَكِنَّهُ أَسْقَطَ فِي مُقَابِلَتِهَا مَا يُقَالُ فِي جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وفي رواية عن بن الْمُبَارَكِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ عِشْرِينَ فِي السَّجْدَةِ الثانية
قال القارىء وَهَذَا وَرَدَ فِي أَثَرٍ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ (ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا) أَيْ بَعْدَ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا أَيْ بعد التسبيح وَالتَّحْمِيدِ (وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا) أَيْ بَعْدَ تَسْبِيحِ السُّجُودِ (ثُمَّ تَسْجُدُ) أَيْ ثَانِيًا (ثُمَّ تَرْفَعُ رَأَسَكَ) أَيْ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ (فَتَقُولُهَا عَشْرًا) أَيْ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَى مَا فِي الحصن
قال القارىء وَهُوَ يَحْتَمِلُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ وَجِلْسَةَ التَّشَهُّدِ انْتَهَى
قُلْتُ الْحَدِيثُ الثَّانِي فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ لَا غَيْرُهَا (فَذَلِكَ) أَيْ مَجْمُوعُ مَا ذُكِرَ مِنَ التَّسْبِيحَاتِ (خَمْسٌ وَسَبْعُونَ) مَرَّةً (فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) أَيْ فِي مَجْمُوعِهَا بِلَا مُخَالَفَةٍ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّلَاثِ فَتَصِيرُ ثَلَاثَ مِائَةِ تَسْبِيحَةٍ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَيَبْدَأُ فِي الرُّكُوعِ بِسُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثًا وَفِي السُّجُودِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى ثَلَاثًا ثُمَّ يُسَبِّحُ التَّسْبِيحَاتِ الْمَذْكُورَةَ
وَقِيلَ لَهُ إِنْ سَهَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ هَلْ يُسَبِّحُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ عَشْرًا عَشْرًا قَالَ لَا إِنَّمَا هِيَ ثَلَاثُ مِائَةِ تسبيحة
وذكر الترمذي عن بن الْمُبَارَكِ أَنَّهُ قَالَ إِنْ صَلَّاهَا لَيْلًا فَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ صَلَّاهَا نَهَارًا فَإِنْ شَاءَ سَلَّمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يُسَلِّمْ غَيْرَ أَنَّ التَّسْبِيحَ الَّذِي يَقُولُهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ يُؤَدِّي إِلَى جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يُسَبِّحُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ عَشْرًا وَالْبَاقِي كَمَا فِي الْحَدِيثِ وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ
قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن ماجه