عون المعبود · العظيم آبادي · ج5 ص135الْمُلْحِدِينَ طَعَنُوا فِي أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالنَّقْلِ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَقَالُوا لَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قِيَامِ الْإِسْلَامِ إِلَّا حَجَّةً وَاحِدَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تِلْكَ الْحَجَّةَ مُفْرِدًا وَقَارِنًا وَمُتَمَتِّعًا وَأَفْعَالُ نُسُكِهَا مُخْتَلِفَةٌ وَأَحْكَامُهَا غَيْرُ مُتَّفِقَةٍ وَأَسَانِيدُهَا كُلُّهَا عِنْدَ أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَنَقَلَةِ الْأَخْبَارِ جِيَادٌ صِحَاحٌ ثُمَّ قَدْ وُجِدَ فِيهَا هَذَا التَّنَاقُضُ وَالِاخْتِلَافُ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ تَوْهِينَ الْحَدِيثِ وَتَصْغِيرَ شَأْنِهِ وَضَعْفَ أَمْرِ حَمَلَتِهِ وَرُوَاتِهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[١٧٧٨] (عَنْ هِشَامٍ) أَيْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَوُهَيْبٌ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ (مُوَافِينَ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ) أَيْ مُقَارِنِينَ لِاسْتِهْلَالِهِ وَكَانَ خُرُوجُهُمْ قَبْلَهُ بِخَمْسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ كَمَا صَرَّحْتُ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْعُمْرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِمٌ (لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ) أَيْ خَالِصَةٍ لَكِنَّ الْهَدْيَ يَمْنَعُ الْإِحْلَالَ قَبْلَ الْحَجِّ كَالْقِرَانِ وَالْإِفْرَادِ
هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِتَفْضِيلِ التَّمَتُّعِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ ﷺ لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُمَا أَنَّهُ ﷺ لَا يَتَمَنَّى إِلَّا الْأَفْضَلَ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعًا (ارْفِضِي عُمْرَتَكِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اتْرُكِيهَا وَأَخِّرِيهَا عَلَى الْقَضَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تَتْرُكَ الْعَمَلَ لِلْعُمْرَةِ مِنَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِأَنَّهَا تَتْرُكُ الْعُمْرَةَ أَصْلًا وَإِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تُدْخِلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَتَكُونَ قَارِنَةً
قُلْتُ وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ تَكُونُ عُمْرَتُهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطَوُّعًا لَا عَنْ وَاجِبٍ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنَّ يُطَيِّبَ نَفْسَهَا فَأَعْمَرَهَا وَكَانَتْ قَدْ سَأَلَتْهُ ذَلِكَ
وَقَدْ رُوِيَ مَا يُشْبِهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَدِيثِ جَابِرٍ
انْتَهَى كَلَامُهُ (لَيْلَةُ الصَّدَرِ) أَيْ لَيْلَةُ طَوَافِ الصَّدَرِ وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ بِمَعْنَى رُجُوعِ الْمُسَافِرِ مِنْ مَقْصِدِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ لِلْمُهَاجِرِ إِقَامَةُ ثَلَاثٍ بَعْدَ الصَّدَرِ يَعْنِي بِمَكَّةَ بَعْدَ أَنْ يَقْضِيَ نُسُكَهُ
قَالَ فِي اللِّسَانِ وَالصَّدَرُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ لِأَنَّ النَّاسَ يَصْدُرُونَ فِيهِ عَنْ مَكَّةَ إِلَى أَمَاكِنِهِمْ
وَفِي الْمَثَلِ تَرَكْتُهُ عَلَى مِثْلِ لَيْلَةِ الصَّدَرِ يَعْنِي حِينَ صَدَرَ النَّاسُ مِنْ حَجِّهِمْ (لَيْلَةُ الْبَطْحَاءِ) قَالَ فِي اللِّسَانِ الْبَطْحَاءُ مَسِيلٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْأَبْطَحُ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى وَبَطْحَاءُ مَكَّةَ وَأَبْطُحُهَا مَعْرُوفَةٌ وَمِنًى مِنَ الْأَبْطَحِ انْتَهَى
وَالْمَعْنَى أَنَّ عَائِشَةَ طَهُرَتْ فِي لَيْلَةٍ مِنْ أَيَّامِ نُزُولِ الْبَطْحَاءِ وَهِيَ مِنًى فَكَانَتْ طَهَارَتُهَا فِي لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي أَيَّامِ مِنًى وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة صَرِيحَة بِأَنَّهَا أَهَلَّتْ أَوَّلًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَمَرَهَا رَسُول اللَّه ﷺ لَمَّا حَاضَتْ أَنْ تُهِلّ بِالْحَجِّ فَصَارَتْ قَارِنَة
وَلِهَذَا قَالَ لَهَا النَّبِيّ ﷺ يَكْفِيك طَوَافك بِالْبَيْتِ وَبَيْن الصَّفَّا وَالْمَرْوَة لِحَجِّك وَعُمْرَتك مُتَّفَق عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيح فِي رَدّ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا رَفَضَتْ إِحْرَام الْعُمْرَة رَأْسًا وَانْتَقَلَتْ إِلَى الْإِفْرَاد وَإِنَّمَا أُمِرَتْ بِرَفْضِ أَعْمَال الْعُمْرَة مِنْ الطَّوَاف وَالسَّعْي حَتَّى تَطْهُر لَا بِرَفْضِ إِحْرَامهَا
وَأَمَّا قَوْله وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي فَهُوَ مُدْرَج مِنْ كَلَام هِشَام كَمَا بَيَّنَهُ وَكِيع وَغَيْره عَنْهُ حَيْثُ فَصَلَ كَلَام عائشة من كلام هشام وأما بن نُمَيْر وَعَبَدَة فَأَدْرَجَاهُ فِي حَدِيثهمَا وَلَمْ يُمَيِّزَاهُ وَاَلَّذِي مَيَّزَهُ مَعَهُ زِيَادَة عِلْم وَلَمْ يُعَارِض غَيْره فَابْن نُمَيْر وَعَبَدَة لَمْ يَقُولَا قَالَتْ عَائِشَة وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ هَدْي بَلْ أَدْرَجَاهُ وَمَيَّزَهُ غَيْرهمَا
وَأَمَّا قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ ثُمَّ نَوَتْ فَسْخه بِعُمْرَةٍ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى حَجّ مُفْرَد فَهُوَ خِلَاف مَا أَخْبَرَتْ بِهِ عَنْ نَفْسهَا وَخِلَاف مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْل النَّبِيّ ﷺ لَهَا يَسَعك طَوَافك لِحَجِّك وعمرتك والنبي ﷺ إِنَّمَا أَمَرَهَا أَنْ تُهِلّ بِالْحَجِّ لَمَّا حَاضَتْ