٩ - (بَاب الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ)
[١٩٧٩] (قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّرَحُّمِ عَلَى الْحَيِّ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْمَيِّتِ (وَالْمُقَصِّرِينَ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قُلْ وَالْمُقَصِّرِينَ وَيُسَمَّى عَطْفُ التَّلْقِينِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ من التقصير لتكريره ﷺ الدُّعَاءَ لِلْمُحَلِّقِينَ وَتَرْكِ الدُّعَاءِ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مَعَ سُؤَالِهِمْ لَهُ ذَلِكَ
وَظَاهِرُ صِيغَةِ الْمُحَلِّقِينَ أَنَّهُ يُشْرَعُ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الصِّيغَةُ إِذْ لَا يُقَالُ لِمَنْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ إِنَّهُ حَلَقَ إِلَّا مَجَازًا
وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِ حَلْقِ الْجَمِيعِ أحمد ومالك واستحبه الكوفيون والشافعي ويجزىء الْبَعْضَ عِنْدَهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ فَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبْعُ إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ النِّصْفُ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي التَّقْصِيرِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْحَلْقِ هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ تَحْلِيلُ مَحْظُورٍ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ وَإِلَى الثَّانِي عَطَاءٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ
وَقَدْ أَطَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَمَنْ أَحَبَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ ذُيُولِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم
[١٩٨٠] (حَلَقَ رَأْسَهُ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ أَمَرَ بِحَلْقِهِ
اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي حَلَقَ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ زَعَمُوا أَنَّهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ ﷺ قَصَرَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مُحَلِّقِينَ رؤوسكم ومقصرين فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَّا أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَوِ السَّلَفِ ﵏ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ﷺ ولا عن أحد من أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ الِاكْتِفَاءُ بِبَعْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ قَطُّ أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِحَلْقِ بَعْضِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرِهِ بَلْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقَزَعَةِ حَتَّى لِلصِّغَارِ وَهِيَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَتَخْلِيَةُ بَعْضِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِحْرَامِ إِلَّا بِالِاسْتِيعَابِ كَمَا قَالَ بِهِ مَالِكٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[١٩٨١] (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِمِنًى) وَهُوَ الْآنَ يُسَمَّى مسجد الحنيف
قال بن حجر المكي هو ما بين مسجد الحنيف وَمَحَلِّ نَحْرِهِ الْمَشْهُورِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَةَ (فَدَعَا بِذِبْحٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَا يُذْبَحُ مِنَ الْغَنَمِ (ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ) هُوَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ وَقِيلَ غَيْرُهُ (فَأَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ) قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الِابْتِدَاءُ بِالْأَيْمَنِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْأَيْسَرُ أَيْ لِيَكُونَ أَيْمَنَ الْحَالِقِ (الشعرة) بفتح الشين (ثم قال ها هنا) بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ (أَبُو طَلْحَةَ) الْأَنْصَارِيُّ (فَدَفَعَهُ) أَيِ النِّصْفَ (إِلَى أَبِي طَلْحَةَ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّبَرُّكِ بِشَعْرِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[١٩٨٢] (قَالَ لِلْحَالِقِ) قَدْ وُجِدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي النُّسْخَتَيْنِ
قَالَ الْمِزِّيُّ حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الْحَلَبِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْحِمْصِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ وَكَذَا لَيْسَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ كَذَا فِي الشَّرْحِ
[١٩٨٣] (كَانَ يُسْأَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (يَوْمَ مِنًى) أَيْ عَنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَأْخِيرِهَا (فَيَقُولُ لَا حَرَجَ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ الذَّبْحُ ثُمَّ الْحَلْقُ ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَقِيلَ هَذَا التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فلا يتعلق بتركه دم
وقال بن جُبَيْرٍ إِنَّهُ وَاجِبٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَى دَفْعِ الْإِثْمِ لِجَهْلِهِ دُونَ الْفِدْيَةِ انْتَهَى
قُلْتُ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا عَلَى بعض وهو إجماع كما قال بن قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي
قَالَ فِي الْفَتْحِ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ انْتَهَى
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الدَّمِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ إِلَى الْجَوَازِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ قَالُوا لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ وَلَا حَرَجَ يَقْتَضِي رَفْعَ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ نَفْيُ الضِّيقِ وَإِيجَابُ أَحَدِهِمَا فِيهِ ضِيقٌ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ ﷺ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ
قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَأَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ (إِنِّي أَمْسَيْتُ) الْمَسَاءُ خِلَافُ الصَّبَاحِ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمَسَاءُ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَالْمَعْنَى أَنِّي دَخَلْتُ فِي الْمَسَاءِ وَلَمْ أَرْمِ وَكَانَ عَلَيَّ الرَّمْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[١٩٨٤] (لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْحَلْقُ فِي التَّحَلُّلِ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ أَيْ إِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمَا وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي النَّيْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِنَّ التَّقْصِيرُ وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ
قَالَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنْ حَلَقَتْ أَجْزَأَهَا
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ لَا يَجُوزُ
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ نهى أن تحلق المرأة رأسها
وحديث بن عَبَّاسٍ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَقَدْ قَوَّى إِسْنَادَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو حاتم في العلل وحسنه الحافظ وأعله بن القطان ورد عليه بن المواق فأصاب
قاله الشوكاني